عبد ربه التائه في أصداء السيرة الذاتية

بقلم: أحمد فضل شبلول
أستاذنا الكبير كل عام وأنت بخير وصحة

مخطئ من يظن أن "أصداء السيرة الذاتية" للكاتب العالمي نجيب محفوظ هي جزء من سيرته الذاتية أو هي سيرته الذاتية كلها، مثلما فعل العديد من أدبائنا المعاصرين عندما فكروا أن يكتبوا أو يترجموا لحياتهم الشخصية والأدبية، مثلما فعل طه حسين في "الأيام" وعباس محمود العقاد في "أنا" و "حياة قلم"، ولويس عوض في "أوراق العمر"، ونجيب الكيلاني في "تجربتي الذاتية في القصة الإسلامية" و .. غيرهم.
أما عن "أصداء السيرة الذاتية" لنجيب محفوظ فأمرها مختلف. أنها عبارة عن لوحات قصصية أو أقصوصات أو أصداء قصصية لرواياته المختلفة، وقد بلغ عدد هذا الأصداء 227 صدى جاءت كلها شديدة التركيز، وعلى قدر عال من الشاعرية، واللغة المصفاة التي لا تحل فيها كلمة مكان أخرى، وإلا انقلب المعنى أو فسدت العبارة، أو امتنع الإيحاء عن التأثير.
إن نجيب محفوظ يحقق في هذه الأصداء مقولة النفري الشهيرة "كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة". يقول في أحد الأصداء: "قال الشيخ عبد ربه التائه: في الكون تسبح المشيئة، وفي المشيئة يسبح الكون". ويقول قي صدى آخر: "قال الشيخ عبد ربه التائه: الكمال حلم يعيش في الخيال، ولو تحقق في الوجود ما طابت الحياة لحي".
وتتفاوت الأصداء في الطول والقصر، وفي الشخصيات والأماكن، وفي النهايات، والزمن، وهي بصفة عامة تعد ـ من وجهة نظري ـ أصداء لبعض روايات نجيب محفوظ وبخاصة: الحرافيش، وأولاد حارتنا، والثلاثية، واللص والكلاب، وقشتمر، وربما .. .. غيرها.
إنه في عبارة واحدة من الممكن أن ينقل القارئ إلى أجواء إحدى هذه الروايات، فتلميحاته عن معركة في الخلاء والسبيل والتكية والفتوات .. الخ، ينقل القارئ إلى أجواء الحرافيش. وتلميحاته عن المظاهرات ينقل القارئ إلى أجواء الثلاثية. وحديثه عن الأيام الحلوة والعباسية والجيران والأصدقاء القدامى ينقل القارئ إلى أجواء قشتمر. وعلى سبيل المثال ينقلنا "شهد الضحك علينا" مباشرة إلى أجواء رواية قشتمر. يقول نجيب محفوظ في هذا الصدى: "شهدنا مجلس السمر بالحديثة على أتم ما نكون من العدد والمرح، ينتقل بنا الحديث من شأن إلى شأن كالنحل بين الزهور، والجو الرطيب يضج بضحكاتنا ،في تلك الجلسة نسينا الدهر ونسيناه، وإذا بأحدنا يقول فجأة ودون مناسبة ظاهرة: تصوروا أين وكيف نكون بعد نصف قرن ؟! الجواب أيها الصديق غاية في البساطة، وإن يكن في الوقت نفسه غاية في التعقيد، ولكن لماذا تذكرنا بذلك ؟ اليوم يمر على تلك الجلسة ربع قرن فقط، على ذاك لم يبق من سمارها إلا اثنان.
ويذكر أحدهما الآخر بقول العزيز الراحل، ويتنهدان ويتخيلان أين وكيف ما حلا لهما التخيل.
هل حقا عاش أولئك جميعا، وتبادلوا المودة والأمل ؟!"
على أن أهم الشخصيات التي نجد صداها في "أصداء السيرة الذاتية" هي: الدرويش والشيخ والشيخة وقطاع الطرق والفتى أو التلميذ أو الصبي، والمجذوب والتائه. وفي الصفحات الأخيرة من الأصداء، وبالتحديد في صفحة 101 وحتى النهاية ص156 يكون التركيز على شخصية عبد ربه التائه التي تجمع بين الخير والنيل والصوفية والحكمة، فضلا عن جمعها بين الجنون والعقلانية في آن واحد (إنها شخصية فنان).
في أحد الأصداء يقول الكاتب: "سألت الشيخ عبد ربه: ما علامة الكفر؟ فأجاب دون تردد: الضجر". وفي صدى آخر يقول الكاتب: "سألت الشيخ عبد ربه التائه: متى ينصلح حال البلد؟ فأجاب: عندما يؤمن أهلها بأن عاقبة الجبن أوخم من عاقبة السلامة".
أما عن الأماكن التي تردد صداها في أصداء السيرة الذاتية، فهي تجمع بين الحارة وحلقة الذكر والسبيل والكهف داخل مدينة القاهرة ـ كعادة الكاتب في معظم رواياته ـ وإذا أراد الخروج من أجواء مصر القديمة أو القاهرة الجديدة، فإنه يذهب إلى الإسكندرية كعادته أيضا في رواياته أو بعض فصولها التي انتقل بأجوائها إلى الإسكندرية مثل ميرامار والسمان والخريف.
وتلعب المرأة دورا أساسيا في هذه الأصداء، وهي دائما تعادل الجمال والقيمة والبراءة والمثال فضلا عن الحقيقة المواربة أو الحقيقة العارية. يقول الكاتب في صدى "سيدتي الجميلة" عرفت منازل الحقيقة في عصر الفطرة، عندما تقرفص المرأة أمام طشت الغسيل .. عندما ألهو فوق السطح في الليالي البدرية، أمد يدي في الفضاء لأقبض وجه القمر، عندما نزور القبر في المواسم، أركز عيني على جداره لأرى، نعم الرفيق الشغف والمنازل.
غير أن المرأة في بعض هذه الأصداء تفقد جمالها وتفقد براءتها وتفقد الرمز الأنثوي المعادل للجمال والحقيقة، وتصبح مجرد جسد عار يمتح منه الطالبون، غير أن الزمن والذكريات والنسيان والحكمة دائما يقفون ليعدلوا الميزان الإنساني في هذه الأصداء، فتتردد الآيات القرآنية التي تنقذ الإنسان من مقامات الحيرة والوحشة في أكثر من صدى، وتتردد العبارات الإيمانية "قال عبد ربه التائه: الحمد لله الذي أنقذنا وجوده من العبث في الدنيا ومن الفناء في الآخرة"، وتتكرر مشاهد الجنازات، ويكثر الحديث عن الموت والقبر. قال الشيخ عبد ربه في صوت القبر: "كنت أسير في طريق المقابر راجعا من سهرة، تسلل إليَّ صوت من قبر وهو يسأل: لماذا انقطعت عن زيارتنا والحديث معنا ؟ فأجبته: لا يحلو لكم الكلام إلا عن الموت والأموات، وقد مللت ذلك".
إن "أصداء السيرة الذاتية" لنجيب محفوظ تأتي خلاصة لتجارب أدبية وحياتية فنية بالغة العمق والدلالة عاشها أديبنا الكبير فجاءت خالية من كل زيادة أو ترهل. إنها تأتي أشبه بأبيات الحكمة عند المتنبي، غير أن خيال الروائي وتكنيكاته الفنية تتدخل في الوقت المناسب لتحسم النهايات، لذا فإننا نراها تتفاوت ما بين نهايات غامضة غموضا فنيا، أو نهايات مفتوحة، أو حاسمة، أو مفاجئة أو مدهشة، ولكن يظل عبد ربه التائه هو الشخصية الحكيمة المؤثرة الفاعلة في الجزء الأخير من "أصداء السيرة الذاتية"، فهل عبد ربه التائه رمز للكاتب نفسه ؟ إنه يؤكد على قيمة الحب في أكثر من صدى فيقول: "كنا في الكهف نتناجى حين ارتفع صوت يقول: أنا الحب لولاي لجف الماء، وفسد الهواء، وتمطى الموت في كل ركن".
ويقول في صدى آخر: "خفقة واحدة من قلب عاشق جديرة بطرد مائة من رواسب الأحزان".
أستاذنا الكبير نجيب محفوظ كل عام وأنت بخير وصحة، في عيد ميلادك الثالث والتسعين. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية