أصوات قصصية جديدة في الإسكندرية

بقلم: أحمد فضل شبلول
الاسكندرية، منارة بتاريخها وبمبدعيها

بزغت في السنوات العشر الأخيرة في سماء الإسكندرية أصواتٌ قصصية جديدة، أضاءت الحياة الأدبية فيها، وبدأ بعضها يلمع ويحتل مراكز متقدمة في المسابقات الأدبية التي تقيمها نوادي الأدب التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة، ومراكز الشباب التابعة لوزارة الشباب والرياضة، والأهم من ذلك أن تلك الأصوات تمتلك الموهبة والفهم الحقيقي لكيفية بناء القصة، ومعالجة القضايا الإنسانية أو الاجتماعية بل العلمية والدينية، وغيرها في قالب قصصي، وأنها تعرف الفارق الفني بين القصة القصيرة، والخاطرة أو الصورة الأدبية، والرواية القصيرة أو النوفلا، وغيرها من الأشكال التي يقع في حبائلها غالبا معظم الكتَّاب الجدد الذين يخطون خطواتهم الأولى في عالم القصة القصيرة.
وسنضرب أمثلة بخمسة كتَّاب أسهموا في اتساع رقعة المشهد القصصي السكندري وهم: تهاني عمرو موسى، ومحمد عطية، ومجيدة شاهين، ومنير عتيبة، وفؤاد الحلو. تهاني عمرو مرسي وأبجدية الدم استطاعت القاصة الشابة تهاني عمرو مرسى أن تستفيد من دراستها الأكاديمية بكلية العلوم، وتوظفها في معظم قصص مجموعتها الأولى "أبجدية الدم"، البالغة تسع عشرة قصة. فضلا عن إحساسها الحاد بالحياة من حولها، ومواكبتها لكل جديد في هذه الحياة تراه صالحا لأن يتحول إلى قصة قصيرة جديدة. وليس معنى ذلك أنها تكتب قصص الخيال العلمي، أو القصة العلمية، ولكنها تكتب ـ في الغالب ـ القصة الواقعية الاجتماعية مستفيدة من معلوماتها العلمية التي درستها في كليتها. ومن ثم نستطيع أن نطلق مصطلح "الواقعية العلمية" على بعض قصص هذه المجموعة.
في القصة الأولى "قمة السلم" تتحدث الكاتبة عن عالم الاستنساخ، من خلال استنساخ الأطباء والعلماء لأم كلثوم جديدة في عالم الغناء. تقول القاصة: "كان الطبيب يعتقد أنه نجح في أوَّل استنساخ لسيدة الغناء "أم كلثوم" وأتى بي لأكون مثلها أم كلثوم أخرى".
ولكن ترى الكاتبة أن مثل هذا الاستنساخ غير الأخلاقي، لن يتحقق بكامله، فهو إن تحقق في جمال الصوت وحلاوته وقوته، فإن هناك مناطق إنسانية أخرى لا يستطيع العلماء والأطباء الوصول إليها. لذا نرى أن شخص القصة (الفتاة المُسْتَنْسَخة) تكره أم كلثوم وتمقتها، بل تمقت المجتمع كله. فبينما تغرقها غيوم الحزن، فإن العيون من حولها تقدسها، وكانت تريد أن تنفجر صارخةً في حفل الأوبرا مُعلنةً أنها ليست هي، وأن تُلقي باللوم على السيدة التي أنجبتها، أو التي كانت في حضانتها.
تناقش قصة "أحلام موؤدة" مسألة تحليل الشفرات الوراثية للجينات وقراءتها، ومن ثم معرفة أحوال مواليد المستقبل وسلوكهم، وبالتالي التحكم في الجنس البشري، وصفاته. حيث نجد طبيب "معمل تحاليل ما قبل الزواج" الذي يكتشف عن طريق قراءة كل الشفرات الوراثية، والسلوكية، لجينات عريس وعروس، أنهما سيأتيان بمجرم إلى الوجود. وهو ـ أي الطبيب ـ يسعى لإقامة مجتمع أفلاطوني أفضل، لا يسع جنباته أشرارُ المستقبل. ومن ثم يريد تجنيب البشرية ميلاد هذا المجرم، فيُدخل الرجل أو العريس، غرفة الدخان الأصفر، ويُعرِّضُه لدخان مادة الهيدروبروميك، فيُصاب بالعقم الأبدي. وعندما يعرف الرجل ذلك بعد فوات الأوان، يذهب إلى الطبيب، ويكاد يفتك به قاذفا في وجهه العبارة التي تُعد مغزى هذه القصة: "أُنجب مجرما، أو أُنجب ملاكا، ليس من حقك أن تقتل أحلامي بأفكارك البغيضة".
ويقدر الطبيب حالة الرجل الذي حُرم من الإنجاب على هذا النحو، فيُخرج من درج مكتبه مبلغا كبيرا من المال، ليعطيه له، لكن الرجل يُلقي المبلغ في وجهه مع بصقة، ونظرة توعد.
ولعلنا نجدا تأثيرا من قصة النبي موسى مع الخضر الواردة في سورة الكهف (الآيات 65 ـ 82) بالقرآن الكريم، وخاصة الجزء الخاص بقتل الغلام، فقد قتل الخضر الغلام خشية أن يعامل أبويه المؤمنيْن معاملة يشوبها الطغيان والكفر، وبنص الآية (أما الغلام فكان أبواه مؤمنيْن فخشينا أن يُرْهِقُهُما طغيانا وكفرا)، وقتل الطبيبُ الغلامَ ـ قبل أن يأتي إلى الحياة ـ عن طريق إصابة أبيه بالعقم، لأنه سيكون مجرما.
هكذا تكشف تلك القصة القصيرة "أحلام موؤدة"، عن عوالم جديدة كل الجدة في فضاء السرد القصصي، عن طريق توظيف الرؤى العلمية التي درستها الكاتبة.
في قصة "توسلات خادعة" نجد التحليلات والإشاعات التي أُخذت من قلب الصبي الذي أنهكه الروماتيزم، وعلى الرغم من ذلك قال عنها الطبيب إنها سليمة.
خديعة أخرى يحملها الأطباء والعلماء، لزبائنهم وعملائهم، وتكشف عن أخلاقيات هذه الفئة في قصص المجموعة. ولكنها ـ في الوقت نفسه ـ تكشف عن الحاجة والعوز لدى المُتبرع الذي لم نعرف بأي عضو يتبرع به من جسمه، للصبي الغني الذي في مثل سنه. ونحن لا يهمنا العضو الذي سيتبرع به، بقدر ما يهمنا أخلاقيات أو سلوكيات الأطباء الذين سيجنون أموالا طائلة جرَّاء عمليات نقل الدم أو الأعضاء، أو بيعها.
إنها أخلاقيات العلم الحديث، فهل العلم والتكنولوجيا ضد الأخلاق والقيم؟ إنه سؤال عبد الله هاشم على ظهر غلاف المجموعة القصصية. والإجابة تأتي من خلال معظم قصص "أبجدية الدم".
في قصة "أبجدية الدم" ـ التي عنونت بها القاصة مجموعتها ـ نجد قانون مندل الوراثي، ومعادلاته التي تتعلق بفصائل الدم، والتي تكشف لمدرس الأحياء عن عدم توافق فصيلته مع فصيلة الأم والأب، مما يفتح مجالا واسعا للشك في أمه ذات النظرات النارية المعلَّقة صورتُها ـ على الحائط ـ مجللة بشريط الستان الأسود.
فإذا كان العلم قد توصَّل إلى رؤية مستقبلية في قصة "أحلام موؤدة" بشأن الطفل الذي سيُصبح مجرمًا، فإنه في قصة "أبجدية الدم" يفضح ممارسات الأم الخائنة، عن طريق قانون مندل الوراثي.
وبعيدا عن العلم ورؤاه الموضوعية القاسية، نجد إرهاصات لدى السارد تعبر عن عدم ارتياحه لسلوك أمه، تمثلت في الشرخ الحادث في منتصف الصورة، وكثيرا ما سأل أخوته عمن أحدث ذلك، فلم يجد إجابة. أما صورة الأب فيشع منها نظرة ودود، على الرغم من الحادث البشع الذي أقدم عليه الوالد بقتل زوجته (أُم السارد) في ظروف يجهل السارد أسبابها، ولكن كشفها العلم له.
هذا الشرخ في صورة الأم، وتلك النظرة الودود، ثم الحزينة في صورة الأب، رغم أنه قاتل، تنبئ عن شعور صادق لدى السارد أكده له قانون مندل الوراثي. وقد أدت الآيات القرآنية الصادرة من إذاعة القرآن الكريم، حيث أدار السارد مؤشر الراديو، دورها في التماسك النفسي للسارد أو الراوي.
وقد سبق للروائي الطبيب هاني قطب الرفاعي توظيف قانون مندل الوراثي في روايته "سبيل جمال الدين"، فكان عقدة الرواية اكتشاف جيهان أن والدتها من فصيلة (O) وهي من فصيلة (B) ووالدَها من فصيلة (A) وهذا لا يمكن أن يحدث علميا، وعندما تأكدت من النتائج المعملية، بدأت رحلة البحث عن الهوية لتعرف مَنْ أبوها، ومَنْ أمُّها.
ولكن يبدو أن مدرس الأحياء في "أبجدية الدم" استسلم للأمر الواقع، ولم يحاول البحث مثل جيهان في "سبيل جمال الدين" عن هويته وجذوره. وأعتقد أن العمل الروائي يتسع لهذا، أما القصة القصيرة فيكفي فيها الإشارات السريعة الموجزة المكثفة التي نجحت الكاتبة فيها على الرغم من تمهيدها لهذا الحادث الجلل في حياة مدرس العلوم، عندما سأل تلميذه الفاشل (راسب الثانوية العامة لثاني مرة) أن يخبره بنتيجة المعادلة التي تقول: أب فصيلة دمه (A) وأم فصيلة دمها (B) فماذا تكون فصيلة الجنين؟ وبطبيعة الحال لا يعرف التلميذ الفاشل الإجابة.
ويبدو أن الكاتبة لا تريد ترك الأمر مجهولا لقارئها الذي لا يعرف شيئا عن قانون مندل، فتجيب على لسان تلميذ آخر بالفصل: فصيلة دم الجنين (AB) يا أستاذ.
ليس من شك، في أن تهاني عمرو مرسي موهبة قصصية حقيقية، تمتلك أدواتها اللغوية والتعبيرية امتلاكا جيدا، ومجموعتها الأولى "أبجدية الدم" تبشر بميلاد كاتبة قصصية تفخر بها الإسكندرية. فقط عليها مواصلة الطريق في دأب وإصرار، والتخلص من بعض العبارات أو الفقرات الزائدة، وأن تحافظ على خصوصيتها، وعلى عالمها الذي تربط فيه بين العلم والأدب، والذي من خلاله استطاعت أن تقدم لنا قصصا جديدة، وموضوعات منتزعة من واقع المجتمع المعاصر ومشكلاته، فأسهمت بذلك في زيادة وعي القارئ بما يدور حوله من مشكلات وقضايا، وهي وظيفة من أهم وظائف الأدب في العصر الحديث. محمد عطية على حافة الحلم عالم الفن التشكيلي هو أوَّل ما يلفت الانتباه في المجموعة القصصية الأولى للقاص محمد عطية محمود، التي اختار لها عنوان "على حافة الحلم"، وقسمها إلى ثلاثة أجزاء "بداية" و"توغل"، و"لمحات"، حتى وإن كان بعض قصصه لا ينتمي إلى عالم الفن التشكيلي، فسنجد أنه يجيد رسم الصورة بالكلمات، وكأننا أمام منظر طبيعي، لا يخلو من شاعرية.
ولنتأمل مثلا قوله في قصة "عناصر الصورة": "أعود إلى موطننا القديم بين شجرةٍ ـ نُقِشَ عليها قلب يخترقه سهم أوَّله اسمك وآخره اسمي ـ وحائطٍ دوَّننا عليه تاريخ كل يوم تلاقينا فيه".
ما أسهل أن تتحوَّل هذه الكلمات السابقة إلى لوحة أو منظر طبيعي، مفرداته: الشجرة، القلب المنقوش عليها، والسهم الذي يخترق القلب، والحائط المدوَّن عليه زمان أو تاريخ التلاقي. بل إننا بالفعل قد نكون شاهدنا مثل هذه اللوحة لدى بعض الفنانين التشكيليين الذين ينتمون إلى المدرسة الطبيعية أو التأثيرية.
إذن العبارة القصصية عند محمد عطية تنحو ـ في كثير من الأحيان ـ إلى الرسم بالكلمة، أو التشكيل بالكلمة، وهي بذلك تتجه إلى الخارج، أكثر من اتجاهها إلى الداخل، وبذا يتحول الانفعال من الداخل إلى الخارج، فتتضح معالم الصورة التي يرسمها أكثر، مما لو حدث العكس، بمعنى أن اتجه من الخارج إلى الداخل.
إن العناصر الخارجية التي يعتمد عليها القاص كثيرة، وهو يلجأ إليها لتكون تعبيرا عما يحدث بالداخل، وخاصة في لحظات الحلم. فالخوف المسكون بالداخل يتحول إلى رعشة أطراف وخفقان شديد، يُرى بالعين، فيصبح من عناصر الصورة الخارجية، ولكنها على أية حال صورة خارجية تعبر عن حالة نفسية داخلية في هذا المقام، أكثر منها صورة من صور الطبيعة الخارجية، كالتي شاهدناها في الشجرة والسهم الذي يخترق القلب المنقوش على الشجرة.
في قصة أخرى عنوانها "الصورة والألوان"، نجد عالم الفن التشكيلي ومفرداته صراحة: الفرشاة، والألوان، وسطح اللوحة، وخيال الفنان الحالم بفتاته ذات العينين الخضراوين التي يحاول رسمها، فتوشك الألوان على النفاد.
أيضا في قصة "همسات وظلال" نجد حجرة الرسم، والأنامل التي تمسك الفرشاة، واللوحة البيضاء، والألوان والظلال، وملامح الوجوه التي خارج اللوحة، ويريد الفنان أن ينقلها إلى داخل اللوحة، ليكتشف حقيقتها وهو يقوم برسمها. ولكن الخارج يشده (الشجيرة التي تنبثق منها زهور البنفسج، على سبيل المثال) و(انحدار الشمس نحو المغيب) هذه عناصر خارجية طبيعية، ولكنها تساعد على تشكيل اللوحة، وعلى تخفيف حدة التوتر التي يعانيها الفنان، لأنه بنقلها إلى اللوحة يكون قد أفرغ الشحنة التي بداخله، فينتهي التوتر الفني الذي يعيشه، تماما مثلما الشاعر الذي يفرغ شحنات مشاعره وتوتره في صورة كلمات مموسقة أو موقعة على الورقة.
يقول القاص: "في حجرة الرسم .. جلستْ بالقرب منه، ترقب حركات أنامله عبر اللوحة البيضاء، وهو يرسم الخطوط الرئيسية لوجه غامض. تعلقت عيناها بقسمات الوجه الوليد .. غابت في تنهيدة تخطت حدود اللوحة والحجرة كلها إلى أفق يتباعد بها حيث لا شيء إلا هي وقسمات وجهه، وروح منها تتنفس عبر مساحة الوجه الوليد".
في هذه العبارة التشكيلية القصيرة السابقة نلاحظ أربعة فضاءات: فضاء اللوحة البيضاء، وفضاء الوجه الوليد، وفضاء الفنان وهو يرسم، وفضاء الحبيبة. وهي فضاءات يمكن معاينتها بالعين المجردة، ونجد في مقابلها فضاءات نفسية أخرى، مثل فضاء التنهيدة التي تخطت حدود اللوحة والحجرة، والتنهيدة تعبر عن فضاء نفسي شديد الخصوصية، وفضاء الروح التي تتنفس عبر الوجه الوليد، وهنا يتشابك الفضاءان الداخلي (المتمثل في الروح) والخارجي (المتمثل في الوجه الوليد عبر تشكيل اللوحة) ليشهدا براعة القاص في نسج خيوط قصته "همسات وظلال" ما بين الداخلي والخارجي، بل أن عنوان القصة نفسه يدل على هذا، فالهمسات تعبر عن فضاء داخلي يتجه إلى الخارج، أما الظلال فهي فضاء خارجي يشير إلى الداخل أو إلى النفس المتشظية المنغمسة في رمادية تنحو نحو السواد، لذا نرى أن ظلا من هذه الظلال بدا مبتورا أمام الناس، فهو يحمل فَناءه بداخله، بينما انطبق ظل على ظل آخر، بعيدا عن الهمسات، وكأن الهمسات أصبحت الطرف الآخر في المعادلة الفنية والنفسية معًا، أو نقيض، الظلال. وبلغة الألوان، كأن الهمسات هي الأبيض، والظلال هي الأسود، أو العكس.
هنا تلعب الألوان دورها في القصة: اللون العسلي الغامق (لون العينين)، واللون الأزرق، واللون الأحمر (ارتعشت أناملها، وهي ممسكةٌ بوردة حمراء) بينما تورد خداها بحُمرة الخجل، واللون الأبيض الذي تمثل في الورود البيضاء التي حملتها الحبيبة للفنان.
هنا نجد صراعًا بين الألوان، وخاصة الأحمر والأبيض، وهو صراع له دلالة نفسية داخل القصة، تماما مثلما لاحظنا الصراع بين الهمسات والظلال، والذي انتهى إلى انتصار نفسي للظلال على همسات الحبيبة حيث (استحالت المعاني بداخل الحبيبة إلى ظلال كئيبة تنحدر، تتوثب .. تريد الانطلاق).
وبعامة فإن القصة عند محمد عطية في هذه المجموعة القصصية "على حافة الحلم" تتسم بقصر حجمها خاصة في الجزء الأخير "لمحات" وقصصه الثلاث: عقاب، وتشبث، والمقعد، فضلا عن التكثيف في اللغة والسرد، أما عن الشخصيات فقد لاحظنا قلتها، وهي في معظم الأحوال لا تزيد على اثنين، ونتج عن ذلك قلة الحوار في القصة، وقد تعتمد القصة الواحدة عنده على ضمير واحد (إما متكلم أو غائب) وجمل قصيرة سريعة، لكنها دالة وموحية وشاعرية في كثير من الأحيان. وقد تحدث أستاذنا الراحل د. محمد مصطفى هدارة عن شاعرية التعبير في دراسته التحليلية الملحقة بالمجموعة، وأراني أتفق معه تماما، لذا لن أكرر ما قاله أستاذنا الراحل.
إن القاص لا يزال يمارس هوايته في تشكيل الصورة، فنقرأ على سبيل المثال السطر الأول من قصة "الحافظة" الذي يقول فيه: "مشمرا القميص عن ساعديه النحيلتين .. يتأبط لفافة ملابس عمله".
كأننا نشاهد جزءا أو مقطعا من لوحة الفنان التشكيلي د. حامد عويس عن العمال أثناء خروجهم من المصنع. مع الفارق أنه في لوحة حامد عويس، نجد العامل صاحب الزند القوي، والعضلات المفتولة، أما عامل القصة هنا عندما يشمر قميصه، نجد ساعدين نحيلتين. وهو الفارق بين عصرين مختلفين، فحامد عويس كان يرسم عمال الثورة أثناء خروجهم من مصانعهم، وكلهم عزيمة وإصرار وتحدٍّ، أما عامل محمد عطية، فيعيش عصرا مختلفا، المصانع فيه مهددة بالبيع، إن لم يكن قد بيعت بالفعل لرجال الأعمال غير الوطنيين.
وعموما فنحن أمام قاص سكندري جديد، يُعد مكسبا لحركة الإبداع القصصي المزدهرة في مصر، ومجموعته "على حافة الحلم" ـ رغم فقرها الطباعي ـ تبشر ـ كما ذكر أستاذنا الناقد الراحل الدكتور محمد مصطفى هدارة ذات يوم قبل طباعتها ـ "بقاص ذي موهبة حقيقية تعيش في وجدانه القصة القصيرة، بأشكالها التعبيرية المختلفة، ولديه رؤية واضحة في عالمه، تُتيح له انتقاء اللحظات الشعورية والمواقف الإنسانية التي يمكن التعبير عنها شعوريا بالكلمات التي تشكل أقاصيص صادقة في فنها قادرة على الإيحاء والتأثير". مجيدة شاهين امرأة من برج القمر من خلال الموروث الضخم للقمر، تبحر الكاتبة مجيدة شاهين إلى فضاء الكتابة القصصية عبر مجموعتها الأولى "امرأة من برج القمر" التي صدرت عن فرع ثقافة الإسكندرية. فنراها تختار عنوان "هلاليات" للقصص الثلاث الأُوَل في المجموعة.
في "هلاليات 1" نجد القمر يبدو رقيقا للغاية، كما نجد شخص القصة أو الراوية تنتعش ليلاً، وتملأ المكان بهجة ومرحًا عندما يظهر القمر ويطل من عليائه. فيعرف المحيطون بها أنها "قمرية المولد"، أو أنها من "برج القمر".
وفي نعومة ويسر تربط الكاتبة بين ظهور القمر وحركة مد الموج، فتقول: "ذات مساء كنت أسير على شاطئ البحر سعيدة بلقائه، نظر (أي القمر) إلى البحر فتمدَّد وفرد أمواجه على الرمال سعيدا مثلي".
أما في حالة انكماشه وتحوله رويدا رويدا إلى هلال يصغر شيئا فشيئا، نجد شخص القصة أو الراوية يصيبها حالة من الانكماش الذاتي أو النفسي، فتقول: "أنكمش حتى يصبح رأسي عند ركبتي في شكل نصف دائري، أنزوي بعيدا في مكان مظلم لا يراني أحد".
هكذا تصور الكاتبة في "هلاليات 1" بطلتها وتحولاتها لحظة صعود القمر إلى عالم الضياء، ولحظة هبوطه إلى عالم الظلام، وكأنها هي القمر نفسه، أو أنه حدثت عملية التماهي بين القمر والبطلة التي تلعب لعبة الحب والعشق، فيقلدها القمر أو تقلده هي، يبكي على همومها وخطاياها فتنزل دمعتها ـ في رومانسية مجنَّحة ـ على خدها، أو يبكي على مآسي البشر فتنهمر دموعُهُ نجيماتٍ تسقط على وجهه الجميل. وكان في إمكان الكاتبة تفعيل عملية التماهي أكثر من ذلك، لو قالت ـ على سبيل المثال ـ أبكي على همومي وخطاياي فتنزل دمعتي على خده، يبكي هو فتنهمر دموعُه نجيماتٍ على خدي .. وهكذا.
في "هلاليات 2" تنطلق الراوية أثناء لحظاتها الرومانسية إلى النجوم الذهبية المتلألئة على كتف حبيبها، الذي يعبر القناة في العاشر من رمضان لحظة مواجهة الشمس لقرينها القمر من الناحية الأخرى. وعندما ترحل الشمس باكيةً يغمر القمر الصحراء، مسلطا ضوءه على الطائر الجريح الذي خبت نجومه الذهبية على كتفيه، فيحزن القمر ويلملم خيوطه الفضية مرسلا للحبيبة المنتظرة "نجمة سيناء".
في ليلة استطلاع هلال رمضان تكون فرحة العائلة في "هلاليات 3"، ويتقدم السرد ناحية الماضي، أو ناحية الفلاش باك، أو الاسترجاع، حيث التجمع العائلي البهيج والحكايات الهلالية، والالتفاف حول الأب، وكأنه الشمس التي تدور حولها النجوم والكواكب العائلية الصغيرة والكبيرة، ولو كانوا في آخر البلاد. وتفتح الراوية أو الساردة خزائن أسرارها، وتتحول القصة إلى مشاهد أو لقطات رمضانية من الزمن الماضي الجميل، فيذهب الأب الكبير ومعه أبناؤه إلى جامع أبي العباس المرسي لصلاة العشاء والتراويح، ويرجع الجميع لتجهيز السحور ومشاهدة التلفاز والسمر والسعادة الرمضانية. ويحزن الأب لسفر أحد أبنائه، فينقص عدد أفراد الأسرة، ولكن تعده الراوية أنها ستنجب توأما وسيزيد عدد أفراد الأسرة، فيضيء وجه الأب بابتسامة رائعة.
إن وصف هذا الجو العائلي أو الأسري هو ما تكتب عنه بامتياز مجيدة شاهين، في معظم قصصها. أحيانا يحدث لها حالة مد قصصي جرَّاء سطوع القمر العائلي في سماء الأسرة أو العائلة، وأحيانا أخرى يحدث لها حالة جزر قصصي، فلا تقدم لنا سوى لوحات قلمية أو أفكار، أو خواطر قصصية إن صح التعبير، لا ترقى إلى مستوى القصة القصيرة بمفهومها الحديث، ولعل هذا ما أشار إليه بطريقة غير مباشرة د. السعيد الورقي في مقدمته لتلك المجموعة عندما تحدث عن "الأسلوب الذي تميزت به الكتابات الأنثوية طوال المرحلة الوجدانية، واختفى بعد ذلك منذ المرحلة الواقعية، فلا نكاد نعثر عليه إلا بين الحين والآخر، على نحو ما قرأناه في كتابات مجيدة شاهين". منير عتيبة والأمير الذي يطارده الموت تثير المجموعة القصصية "الأمير الذي يطارده الموت" لمنير عتيبة، وهي إعادة صياغة لبعض قصص التراث الفرعوني، أسئلةً وقضايا عدة، منها: مدى حاجتنا لأصول القصص الفرعونية للاطلاع عليها، كي نتعرف على الجهد الذي بذله الكاتب في صياغة هذه القصص، وإعادة تقديمها لنا، وإلى أي حد ابتعد عن ـ أو اقترب من ـ أصول هذه القصص؟ وهل ما كتبه منير عتيبة يعد تبسيطا، أم إعادة صياغة، أم إعادة إنتاج، أم تعريبا، لما قرأه في هذا التراث الفرعوني؟ أم قصصا تاريخيا، أو مستلهما من التاريخ الفرعوني؟
هل ما كتبه عتيبة ـ في هذه المجموعة القصصية ـ موجها للأطفال ـ بمستوياتهم المختلفة ـ أم للكبار؟ أم للاثنين معا؟ أم كما قال الروائي محمد جبريل في مقدمته للمجموعة "اتسامها ـ أي قصص المجموعة ـ بالسرد الحكائي والتشويق وبساطة اللغة يتيح لها التلقي في مستويات سنية وثقافية متباينة".
هل الهدف من وراء هذه الكتابة، مجرد استعراض ثقافة فرعونية كانت سائدة في القدم؟ أم أن هناك مغزى ما من وراء طرحِها، أو إعادة طرحِها على القراء، في الوقت الحاضر؟ مثل التواصل مع تراث الماضي، على سبيل المثال.
وهل القصص المختارة، عابرةٌ للزمن، وعابرةٌ للقارات؟ مثل كليلة ودمنة، وألف ليلة وليلة، وملحمة جلجامش، وغيرها من التراث القديم؟
مثل هذه الأسئلة والقضايا وغيرها، لابد أن تثيرها قصص المجموعة التي نحن بصددها الآن.
القصة الأولى حملت المجموعةُ اسمها، وهي "الأمير الذي يطارده الموت" يقول عنها محمد جبريل: "إنها تذكرنا برواية نجيب محفوظ "عبث الأقدار"، الحاكم الذي يريد أن يفرَّ من نبوءة مقتله، لكن النبوءة تتحقق رغم كل المحاولات التي يبذلها، واختلف ختام حكاية منير عتيبة عن ختام رواية محفوظ. لقد مات الكلب في حكاية عتيبة، ضحَّى بحياته فداء لصاحبه الذي بنى قصرا بجوار قبر كلبه الوفي".
ولكن القصة من ناحية أخرى تذكرنا في جزء منها، بنبوءة ترزياس العرَّاف الذي تنبأ بأحداث قصة أوديب، فقال له في مسرحية جان كوكتو: "إن دلائل المستقبل شؤم عليك، غاية في الشؤم، ومن واجبي أن أحذرك". وأوديب ذلك الفتى الذي سيُربى خارج بلاده ـ هربًا من نبوءة سابقة ـ ويعود ليحل لغز الوحش أو أبي الهول، ويقتل أباه لايوس، ويتزوج أمه يوكاستا، وعندما يعرف الحقيقة، يفقأ عينيه، ويهيم مع ابنته انتيجونا، في البلاد، مكفرا عن إثمه أو خطيئته.
ولعل العامل المشترك بين قصة أوديب، وقصة الأمير الذي يطارده الموت، هو حدوث النبوءة، ولكن الفارق المهم أو الملحوظ بين القصتين، هو استخدام أسلوب السحر في قصة الأمير، بينما لم يكن هذا السحر موجودا في قصة أوديب.
فهل يعني ذلك أن السحر الذي اشتهرت به مصر الفرعونية، تغلغل إلى قصصها وتراثها الأدبي، بينما لا نجد هذا السحر في الأساطير اليونانية القديمة بعامة، إلا قليلا، على الرغم من كثرة الآلهة التي تتحكم في مصائر البشر؟.
يبدو أن كثرة الآلهة في هذه الأساطير، قلَّلَ من فرصة وجود السحر والسحرة، فالإله ليس في حاجة إلى سحر ليمارس سلطته على البشر، وعلى أنصاف الآلهة.
ربما تدعونا تلك النتيجة إلى وقفة حول عوالم السحر الفرعونية، وتوظيفها في خدمة الأدب، ولعل أبرز مثال على ذلك في العصر الحديث روايات "هاري بوتر" للمؤلفة الإنجليزية جي كي رولينج.
لقد اهتمت رولينج بالحديث عن مصر ابتداء من الجزء الثالث لروايتها الشهيرة، فمصر هي البلد الأجنبي الوحيد ـ بالنسبة للرواية وأحداثها ـ الذي ورد ذكره في الجزء الثالث "سجين أزكابان"، أما في الجزء الرابع "كأس النار" فقد وردت أسماء بلاد أجنبية أخرى، بالإضافة إلى مصر. فمصر بجوها وتاريخها وسحرها الأسطوري، وسحرتها الذين اشتهرت بهم، وخاصة في العصور الفرعونية، وفي عصر فرعون موسى على وجه التحديد ـ وهو ما ورد ذكره في القرآن الكريم ـ كان ماثلا في فكر رولينج، وفي إبداعها، وفي تخطيطها لهذا العمل الروائي الكبير.
إن مسألة السحر التي أثارها أو استعادها منير عتيبة، في حكاية " الأمير الذي يطارده الموت" وقصص كتابه الأخرى، تشي بأن هناك علاقة أكيدة بين ما تكتبه حاليا الكاتبة الإنجليزية"، وبين حكايات السحر المصرية أو الفرعونية التي أعادها لنا عتيبة من خلال الأميرة الساحرة التي تزوجها الأمير.
فالأميرة تعلمت في صغرها فنون السحر، واستخدمته في مساعدة الأمير كي يطير ويلمس نافذتها، لأنها أحبته من أول نظرة. وبذلك تحقق طلب والدها الذي أقسم ألا يزوجها إلا لمن يستطيع أن يلمس نافذتها بقفزة واحدة.
أيضا استخدمت الأميرة فأسا مسحورة، انقضت به على الثعبان الذي كان يهدد الأمير، فقتلته. كما أن هناك استخداما للنار المسحورة حيث طلب الكلب من الأمير أن يذهب إلى زوجته بصندوق صغير طالبا منها أن تضعه في النار المسحورة لمدة سبعة أيام.
هذا العالم السحري يبدو أنه من نوع السحر الأبيض، أو السحر الذي ينقذ الإنسان من أباطيل أو أفاعيل السحر الأسود الذي يُراد به أذى الإنسان والإيقاع به.
ولعل الصراع بين السحر الأبيض والسحر الأسود هو ما يشكل البنية الأساسية الفارقة لروايات هاري بوتر، أو هو المفارقة الكبرى التي تدور حولها تلك الروايات.
أعتقد أننا بهذا التفسير نكون قد أجبنا عن سؤال من الأسئلة المطروحة من قبل، والذي يقول: هل القصص المختارة، عابرة للزمن، وعابرة للقارات؟ مثل كليلة ودمنة، وألف ليلة وليلة، وملحمة جلجامش، وغيرها من التراث القديم؟
الإجابة ـ من خلال القصة الأولى ـ نعم .. هذه القصص الفرعونية عابرة للزمن وعابرة للقارات، بدليل تأثر الكاتبة الإنجليزية، وغيرها من الكتاب، بها. إلا الليل عند فؤاد الحلو يتوقف قارئ المجموعة القصصية "إلا الليل" للكاتب فؤاد الحلو، أوَّل ما يتوقف عند هذا العنوان الموحي الذي عَنْوَنَ به مجموعته القصصية الأولى، فيحاول أن يسبر غوره، وأن يتساءل عن سر هذا الاستثناء (الليل) وأداته (إلا) وما هو المُسْتَثنى منه، وما يوحي أو يشي به، أو يرمز إليه؟!. ومن ثم سيحاول أن يبحث عن القصة التي عنون بها الكاتب مجموعته، كما جرت العادة، فلا يجد قصة بهذا العنوان، ضمن قصص المجموعة، وعددُها اثنتان وعشرون قصة، يتفاوت طولُها، ما بين القصير جدا، والقصير، ومتوسط الطول.
ومن ثم يبدأ القارئ ـ ولعلي أكون هذا القارئ ـ في التعامل بحذر مع قصص المجموعة، للوقوف على دلالة الليل، وهذا الاستثناء، والمُسْتَثنى منه.
القصة الأولى "أريكة أمي" قصة إنسانية اجتماعية، يصوِّر فيها السارد ـ أو الراوي ـ حالة الأم التي رغم شللها النصفي، فإنها تتعامل مع الكون المحيط بها، بكل سهولة ويسر. هذا الكون الذي لا يزيد حجمُه على متر في متر، لا يتسع إلا للأريكة التي تجلس عليها الأم وتنام، وتدير شئون المنزل من فوقها، بلا أدنى شكوى أو أنين أو تبرم.
وقد ورثت الأم هذا العالم، وهذه الأريكة عن أمها.
يقول السارد عن أمه: "قبعتْ في ذات المكان الذي اتخذته جَدتي لنفسها قبل أن ترحل عن الدنيا".
ومن خلال السرد نكتشف عالم الأم الصغير الذي لا يخرج ـ في معظمه ـ عن الأدوات المنزلية البسيطة التي تحفظ أماكنها، وتتعامل معها بحسابات دقيقة للغاية، فأي خطأ في تقدير الحسابات والمسافات، قد يكلف الأم كثيرا، خاصة في حالة عدم وجود ابنها أو زوجته في المنزل.
وقد نجح القاص، أو السارد، في وصف هذا العالم بعبارات سريعة موجزة، مركزة، مكثفة، لا ملل فيها ولا إطالة، وتكمن المفارقة التي كتبت من أجلها القصة ـ كما أتصوَّر ـ في العبارة الختامية التي يقول فيها السارد: "عندما ماتت أمي ابتلعتْ ثلاجتُنا الجديدة مكان أريكتها مع كرسيٍّ نادرًا ما يجلس عليه أحد، إلا زوجتي، عندما تنهار فوقه صارخةً: أين ذهبت علبة الكبريت؟".
هذه المفارقة، ترمز إلى عالمين أو جيلين مختلفين، جيل الأم الذي كان العالم كلُّه يتلخص في بيتها أو منزلها، وجيل الزوجة الذي لا يعرف كيف يدير شئون المنزل بالسهولة واليسر الذي كان لدى جيل الأمهات، وسرعان ما يصرخ أو ينهار من أبسط الأشياء، مثل البحث عن علبة كبريت.
أيضا هناك مفارقة أو مقارنة رامزة أخرى، تتمثل في الأريكة والكرسي. فقد كانت الأريكة هي العالم، أو العرش الذي تدير الأم شئونها، وشئون المنزل من فوقه، وقد تخلَّص الابن أو زوجتُه من هذه الأريكة، وحل محلها ثلاجة وكرسي بعد موت الأم.
الثلاجة ترمز إلى، أو توحي ببرودة المكان، الذي كان دافئا ومُشعًّا بالحنان أثناء وجود الأم وأريكتها. أما الكرسي فهو مهجور، لا يجلس عليه أحد إلا الزوجة في لحظة إعيائها جرَّاء البحث عن علبة الكبريت، فبينما كانت الأريكة هي كرسي العرش بالنسبة للأم، أصبح الكرسي رمزا لفراغ المكان، وفراغ العلاقات الإنسانية الحميمة، وفراغ مشاعر الدفء والحنان، هذا الفراغ الضيق الذي أنشب مخالبه في المكان، وخلع بردته الخاوية على الزوجة، وبدأ يتلاعب بأعصابها، لذا نجدها تصرخ وتنهار عندما لا تجد الأشياء في مكانها. وخاصة علبة الكبريت، التي قد توحي ثقابُها ـ عندما تُشعل ـ بعودة الدفء إلى المنزل، ولو ظاهريا، أو ماديا، ولكن حتى هذا الأمر ليس من السهل الحصول عليه، فعلبة الكبريت ـ كما توحي القصة ـ دائما في غير مكانها، ودائما يصعب الحصول عليها.
أيضا هناك المقارنة بين الأم التي احتفظت بأريكة أمها (جَدة السارد) فوجدت ما تستطيع أن تجلس عليه بعد شللها النصفي، وبين الزوجة التي سرعان ما تخلصت من تلك الأريكة المتوارثة، وأتت بثلاجة وكرسي لا يجلس عليه أحد إلا نادرا، وبالتالي فأمام ظهور أي مستحدث جديد، سرعان ما سيتم الاستغناء عن هذا الكرسي.
قصة "الشَّق" تنقلنا في جرأة واضحة إلى بعض قضايا المجتمع المعاصر، عندما تتنقب إحدى الفتيات الجميلات، وتترك آثار تبرجها متمثلةً في صورة معروضة في فاترينة الاستديو، ليفتتن بها الشباب والرجال، وتكون فاتحة خير، أو تعويذة الأستوديو، الذي اشتهر بتلك الصورة الفاتنة، يقول صاحب الاستديو: "بصراحة هذه الصورة تعويذة الأستوديو استبشر بها الخير وتدر وفير الرزق .. إنها جزء من المحل وامتداده .. أغفل الناس اسم الأستوديو بعد أن عُرِفَ واشْتُهِرَ بهذه الصورة وذاع في الأنحاء صيتُهُ".
المشكلة التي يطرحها الكاتب، تأتي بعد تنقب الفتاة، حيث يتخيل أن زوجها الملتحي سيرغب في رفع الصورة من واجهة المحل، وأن صاحب المحل سيرفض هذا الطلب، خاصة أنه لا يعرف هل زوجته المنقبة هي صاحبة الصورة المعروضة، أم فتاة أو سيدة غيرها. وحين يرغب في رؤية وجهها الذي صوَّره من قبل، فإنها سوف ترفض رفع البيشة. بل إن المصور سيتمسك بعرض الصورة (التعويذة) وإن كشفت صاحبتها له أو لعاملة المحل، وجهها. سيتمسك أيضا بموافقة الفتاة لحظة تصويرها منذ سنوات على عرض صورتها على هذا النحو، وكون أنها تبدَّلتْ أو غيَّرتْ مواقفها، وارتدت النقاب، فهذا أمر لا يعنيه في شيء.
ومن هنا تنشأ أجواء جديدة في عالم القصة التي يعالجها فؤاد الحلو.
وتأخذ القصة في النمو التدريجي إلى أن نفاجأ في النهاية باقتحام الفتاة الأستوديو، بعد أن حاول المصوِّر إبعادها من أمام الواجهة الزجاجية، لتُفسح للعاملة مكانا لمسح الزجاج، دون أن يعرف مَنْ هي.
هكذا تأتي النهاية مفتوحة، باقتحامها الأستوديو، وللقارئ أن يتخيل ما الذي يمكن أن يحدث بعد هذا الاقتحام، ولعل لفظ "الاقتحام"، وليس "الدخول"، يشي بما يمكن أن يحدث داخل الأستوديو، ولعله يكون بداية قصة أخرى.
إنه صراع مجتمعي وفكري جديد، يشهده المجتمع المصري منذ سنوات، وأعتقد أنه لم يُطرح من قبل بهذه الجرأة، وهذه المعالجة، في عالم القصة القصيرة، ومن هنا تأتي أهمية قصة "الشَّق" لفؤاد الحلو، وهو يقصد بالشَّق، شَّق النقاب الذي تتلصص منه الفتاة على صورة وجهها المكبرة المعروضة بواجهة الأستوديو.
***
إننا عبر هذه القراءة لبعض الأعمال القصصية في الإسكندرية، أخذنا قطرة من البحر، ولكنها عند تحليلها، قادرة على الكشف والتحليل والغوص في أعماق المشهد، وفي أعماق ما تمور به الإسكندرية من إبداع قصصي عبر الأصوات أو الأجيال الأدبية الجديدة. أحمد فضل شبلول ـ القاهرة