هل تنجح القيادة الفلسطينية الجديدة في مواجهة الاستحقاقات الراهنة؟

بقلم: ماجد كيالي

يقف الفلسطينيون اليوم في مواجهة تحديات واستحقاقات مرحلة سياسية جديدة واستثنائية، فقد شكّل رحيل الرئيس عرفات، الذي كان زعيما فوق المؤسسات والإطارات، فراغا هائلا في النظام السياسي الفلسطيني، لناحية الشرعية، كما لناحية صنع القرارات المصيرية.
لم تكن مكانة أبو عمار تنبع من كونه قائدا لفتح ورئيسا للسلطة والمنظمة، فحسب، فهو كان فوق كل ذلك، أيضا، بمثابة المظلة التي يتفيأ في ظلها الجميع، على تبايناتهم وخلافاتهم، والزعيم الذي التف من حوله الفلسطينيون، والمرجع في القرارات التاريخية التي حكمت مسارات الشعب الفلسطيني، في الثورة والتسوية، في المفاوضة والانتفاضة؛ بفضل المكانة التاريخية والنضالية والرمزية التي تبوأها خلال أربعة عقود من الزمن.
وتبدو الملفات التي تركها الرئيس عرفات، للقيادة الجديدة، متعدّدة وصعبة ومعقّدة، من الملف السياسي المتعلق بالبتّ بمصير الانتفاضة، أو تعيين أشكالها المجدية، إلى الملف المتعلق بالمفاوضات مع إسرائيل، بجانبيها المرحلي والنهائي، وصولا لترتيب البيت الداخلي: الفتحاوي والفلسطيني.
بالنسبة للانتفاضة، مثلا، لم يعد ثمة مجال للتهرّب من واقع أن هذه الظاهرة باعتبارها فعلاً شعبيا تآكلت منذ زمن بعيد، لصالح نوع من العمل المحترف المتمثل بالمقاومة المسلحة، بأشكالها المتباينة، والمختلف عليها أيضا.
على ذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم بإلحاح هو: هل أن هذا الشكل مازال مجديا، في هذه الظروف السياسية الدولية والإقليمية الراهنة؟ وهذا السؤال لا يبحث ولا يشكّك البتّة بشرعية المقاومة المسلحة ضد الاحتلال، فهذا أمر مفروغ منه، ولكنه يبحث في مدى ملاءمة هذا الشكل من الكفاح، ولاسيما العمليات الاستشهادية في المدن الإسرائيلية، لظروف الشعب الفلسطيني الراهنة والمعطيات غير المواتية المحيطة به.
الواقع أن المجتمع الفلسطيني، بعد أربعة أعوام من الاستنزاف، بنتيجة الممارسات العدوانية والتدميرية الإسرائيلية، بات بحاجة لترميم ذاته واستعادة قواه وتجنّب حال الاستفراد والبطش المدمر به في هذه الظروف غير المواتية له.
وما ينبغي التأكيد عليه هنا حقيقة أنه ليس ثمة انتفاضة للأبد، وليس ثمة شكل نضالي بعينه، يمكن الاستمرار به على وتيرة واحدة، من دون توقفات أو تماوجات، كما أنه لا يمكن حصر الصراع ضد إسرائيل بالمقاومة المسلحة وحدها.
يستنتج من ذلك أن الحديث عن نوع من الهدنة أو التهدئة ينبغي أن يخرج من باب التوظيفات أو المزايدات الفصائلية الضيقة، التي أضرت بالانتفاضة والمجتمع الفلسطيني، وسهّلت على إسرائيل سعيها لتقويض الكيان الفلسطيني وتبرير اعتدائها على الفلسطينيين وحصارها لهم، فهذا الأمر بات اليوم يدخل في باب الحاجات الملحة للساحة الفلسطينية، في ظروفها الصعبة الراهنة، الداخلية والخارجية؛ إذ أن تعزيز الوحدة الوطنية، وإعادة بناء المؤسسات، وضمان نجاح العملية الانتخابية، باتت تتطلب أولا وأساسا تعميم الأمن والاستقرار في المجتمع الفلسطيني، ولو بثمن وقف العمليات الفدائية بكل أنواعها.
وبديهي أن التوافق على تهدئة الأوضاع في هذه الساحة ينبغي أن يترافق مع أعلى أشكال الحذر تجاه أية محاولات قد تبذلها حكومة شارون لاستفزاز الفلسطينيين واستدراجهم إلى مربع المواجهات العسكرية، كعادتها، لإفشال عملية الانتخابات ولإدخال الفلسطينيين في مواجهات الداخلية، وهي الأمور التي ينبغي وعيها والتحسب لها جيدا وتفويتها تماما.
وبالنسبة لملف المفاوضات فإن القيادة الفلسطينية مطالبة، في المدى المرحلي، ببذل الجهود لمعاودة طرح هذا الملف على الأجندة الدولية، لاسيما في مجال الضغط على إسرائيل لوقف عدوانها عليهم ورفع الحصار عنهم، ووقف البناء في الجدار الفاصل وفي المستوطنات، والانسحاب من مناطق السلطة التي احتلتها في مارس 2002، واعتبار خطة الانسحاب الأحادي من غزة، خطوة على طريق الانسحاب من الضفة، واستئناف المفاوضات على قضايا الحل النهائي.
وفي كل الأحوال فإن الفلسطينيين معنيون بالمضي في نهج الواقعية السياسية، باعتباره النهج الذي يمكّنهم من تأكيد حضورهم كشعب في المعادلات السياسية الإقليمية والدولية، وإظهار إسرائيل على حقيقتها كدولة استعمارية استيطانية عنصرية في المنطقة؛ إذ بيّنت التجربة أن الصراع المعقد والمضني مع إسرائيل، لا يرتبط بقيم الحق والعدالة فقط، وإنما يتطلب أيضا التعامل مع واقع السياسة باعتبارها حقلا لصراعات موازين القوى والمعطيات الدولية والإقليمية؛ الأمر الذي التقطه الرئيس الراحل ياسر عرفات بحسه الاستراتيجي التاريخي.
المهم أن القوى الفلسطينية على تبايناتها مطالبة بوضع أجندتها الخاصة جانبا، لاسيما في هذه الظروف الدولية والإقليمية العصيبة والفريدة، وإعادة النظر بخطاباتها وأشكال عملها الخاصة، والالتفاف حول برنامج الإجماع الوطني، برنامج الحرية والاستقلال، المتمثل بإقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، باعتبارها خطوة مهمة على طريق تقويض المشروع الصهيوني، المرتكز على إنكار وجود الشعب الفلسطيني وتغييب وجوده الاجتماعي والسياسي.
أما بالنسبة لترتيب البيت الداخلي، ففي مواجهة هذه المعضلة يبدو أن الشعب الفلسطيني بات يقف أمام مسؤولياته التاريخية تجاه ضرورة تطوير وتحديث نظامه السياسي، ومأسسة وقوننة إطاراته التشريعية والتنفيذية، بما في ذلك مؤسسة القيادة، على قاعدة التعددية والديمقراطية. والثابت أنه من ذلك أنه ما كان مسموحا لأبي عمار، بحكم مكانته الوطنية والرمزية والتاريخية، لن يكون مسموحا به لغيره؛ لاسيما أن ياسر عرفات ذاته، لم يخل يوما بمبادئ التعددية والديمقراطية واعتماد المؤسسات والتركيز على التناقض الأساسي ضد العدو؛ بغض النظر عن تقييم طريقته في القيادة.
وفي إطار ترتيب البيت الداخلي فإن القيادة الفلسطينية، في هذه المرحلة الانتقالية، مطالبة بمواجهة عدة استحقاقات لعل أهمها يكمن في الجوانب التالية:
أولا، تطوير وتحديث المؤسسات الفلسطينية المتمثلة في: أ) منظمة التحرير، ومؤسساتها، باعتبارها الكيان السياسي الذي يوحد الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، ويعبر عن طموحاته وآماله؛ ب) السلطة الوطنية كونها جنين الدولة المقبلة والإطار السياسي الممثل لفلسطينيي الداخل، والذي يدير شؤونهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية؛ ج) حركة فتح، باعتبارها التيار الوسط بين التيارات الفلسطينية، وباعتبارها الإطار الذي يضم مختلف شرائح المجتمع الفلسطيني ومجمل التيارات السياسية والفكرية السائدة فيه. وفي كل هذه الأطر فإن الفلسطينيين مطالبون بالانتقال من نمط القيادة الفردية إلى القيادة الجماعية، ومن نمط القائد الرمز إلى القيادة المؤسسة، ومن نمط الاحتكام للزعيم والوصي والأب، إلى الاحتكام للقوانين والدساتير والقواعد الديمقراطية.
ثانيا، العمل على تعزيز الوحدة الوطنية، من خلال: أ) اعتماد العلاقات الديمقراطية وتقاليد القيادة الجماعية في إدارة شؤون الفلسطينيين، لاسيما بما يتعلق بصوغ القرارات المصيرية؛ ب) احترام واقع التعددية السياسية والفكرية في الساحة الفلسطينية؛ ج) تجنب الوقوع في فخ الاقتتال الداخلي، كونه يضعف الشعب الفلسطيني ويزعزع وحدته ويبدد قضيته ولا يخدم إلا عدوه الإسرائيلي.
ثالثا، تأسيس شرعية تاريخية جديدة عبر عملية الانتخابات. وإذا كانت القيادة الفلسطينية نجحت في استحقاقي تعيين رئيس اللجنة التنفيذية (أبو مازن) وقائد فتح (أبو اللطف)، فإن رئاسة السلطة الوطنية، نواة الدولة المقبلة، تحتاج إلى عملية انتخابية، يختار فيها الفلسطينيون في الضفة والقطاع بالاقتراع المباشر والحر رئيسهم. وهذه المسألة تفتح على إشكاليتين: أولاهما، أن الفلسطينيين معنيون، أيضا، بإجراء انتخابات للمجلس التشريعي (إضافة للانتخابات البلدية المقترحة). فالمجلس الحالي انتهت فترته الدستورية منذ أعوام. وأنه ينبغي الاستفادة من الزخم الدولي، رغما عن إسرائيل، لفرض الانتخابات التشريعية، لتوليد شرعية تمثيلية جديدة، تراعي المستجدات الحاصلة في المجتمع الفلسطيني وفي قواه السياسية؛ أما الإشكالية الثانية، فتتعلق بالفصل بين منصب رئيس المنظمة ورئيس السلطة، فقد أكدت التجربة الماضية مخاطر الجمع بين هذين المنصبين، ومهمات كل منهما تختلف عن الأخر، فضلا عن أن الفصل يعطي حيوية ومرونة للنظام السياسي الفلسطيني، إضافة إلى أن ذلك يضع المؤسسة القيادية الفلسطينية على عتبة تقاليد قيادة جماعية، تعددية، خصوصا أن المرجعية السياسية ستبقى لرئيس اللجنة التنفيذية.
وباختصار فإن القيادة الجديدة تقف أمام محطة اختبار تاريخية لقدراتها على القيادة ولتأسيس شرعية فلسطينية على أسس جديدة. ماجد كيالي