الديمقراطية الأميركية في الإنتخابات العراقية

بقلم: د. محمد العبيدي

لا بد لنا أن نهنئ مواطني العراق الخمسة وعشرين مليوناً ونحن نقرأ أسماء العدد الهائل للأحزاب والتنظيمات السياسية التي ستدخل معترك الإنتخابات الديمقراطية جداً في العراق والتي بلغت لحد الآن 212 تنظيماً وحزباً حسبما أعلنته ما تسمى بالمفوضية العليا المستقلة جداً للإنتخابات، وذلك ما تعتبره الإدارة الأمريكية الحاكمة الفعلية للعراق قمة الديمقراطية في إختيار ممثلي الشعب العراقي الذين سيحكمونهم بعد ذلك ولو من خلال السفارة الأمريكية ذات الألف مستشار. وبمناسبة إعلان أسماء هذا الكم الكبير من المرشحين، إسمحوا لنا أن نسأل بإستغراب نيابة عنكم: كم سيكون عدد المرشحين لإنتخابات ديمقراطية في الصين لو كان ذلك البلد ذو الأكثر من مليار إنسان بلداً ديمقراطياً حسب المفهوم الأمريكي للديمقراطية وأجريت فيه إنتخابات ديمقراطية كالتي ستجري في العراق؟ سنترك حساب الرقم لكم.
فمن خلال قراءتنا للأسماء وجدنا أن بعضهم إحتار في إختيار الإسم لحزبه أو تنظيمه حيث نفدت الأسماء لدرجة أن بعضهم أعطى نفس الإسم مكرراً ولكن بإضافة الرقم "واحد" في نهايته ليفرقه عن الإسم الآخر المشابه لحزبه، بل لقد عانى الكثيرون من مشكلة إيجاد إسم لحزبهم أو تنظيمهم فإضطروا للتسجيل بأسمائهم الشخصية عسى الله أن يوفقهم بعدئذ في إيجاد إسم لتنظيمهم أو من خلال الإستعانة بشركات مثل شركات تسجيل أسماء مواقع الإنترنت التي ما أن تدخل إسماً في سجلاتها لتسجيله إلا وأعطتك إسماً مرادفاً أو قريباً من الإسم الذي إخترته كون الإسم الذي أردته قد أخذه غيرك. ولا نبالغ بالقول لهؤلاء أنه حتى تلك الشركات التي تختار لكم الإسم إليكترونياً قد لا تكون قادرة على إعطاءكم الإسم الذي تريدوه خصوصاً وأن أسماء التنظيمات المتشابهة تبدأ بكلمات مثل تيار وتجمع وإئتلاف وحركة وحزب وجماعة ورابطة وكتلة وقائمة ومؤتمر وتنظيم ومجلس ومنظمة وجبهة وجمعية وما إلى ذلك من أسماء ما أنزل الله بها من سلطان بحيث سيصاب المواطن العراقي بالدوار لكثرتها والتفريق بينها.
ولتسهيل العملية، فقد قمنا بعملية حسابية بسيطة ستجنب المواطن العراقي الكثير من الصداع وتغنيه عن الكثير من التفكير بمن سينتخب. فإن كان المواطن يؤمن بالوطنية فإنه سيجد في اللائحة الإنتخابية 30 تنظيماً وطنياً، وإن كان ديمقراطياً فسيجد 24 تنظيماً ديمقراطياً، وللإسلاميين هناك 21 تنظيماً إسلامياً، أما المستقلين فسيجدون 18 تنظيماً مستقلاً. إضافة لذلك سيجد المواطنون العراقيون العديد من التنظيمات الأخرى كالقومية والعشائرية والعربية والكردية والآشورية والفيلية وغيرها، بل المفرح أنهم سيجدون في العراق حتى التنظيمات العراقية! وعلى أية حال، ولكي نسهل على المواطن العراقي عملية إنتخابه للمرشح الذي تتماشى أفكاره وأهدافه مع ما يؤمن به، ولكي يدلي بصوته في هذه الإنتخابات الديمقراطية بشكل يجنبه الصداع والتفكير نقترح عليه في هذه الحالة أن يغمض عينيه ويضع إصبعه على القائمة التي تحتوي على أسماء المرشحين من الأشخاص والتنظيمات بعد أن يتوكل على الله الواحد الأحد وبعد أن يسمّي بإسم الرحمن ويترك إصبعه ليختار له المرشح الذي عليه أن ينتخبه.
وإذا أراد المواطن العراقي أن يتحمل القليل من الصداع فليسمح لنا بأن نعطيه فكرة عما توصلنا إليه من حسابات بسيطة لمكونات الشعب العراقي والتي قد تعينه على تقرير من سينتخب من هذه القائمة الطويلة والعريضة. فمن حيث العدد، يمثل شباب العراق بالتأكيد شريحة عريضة ومؤثرة في المجتمع العراقي، ولذا فإن المواطنين العراقيين الذي يؤمنون ويثقون بشباب بلدهم بإعتبارهم عماد المستقبل الباهر الذي تصنعه لهم أمريكا الآن في العراق، فإنهم سيجدون هناك مرشحهم "الإتحاد العام لشباب العراق" الذي يعتبر بتقديرنا من أقوى المتنافسين بين التنظيمات المئتين وإثنتا عشرة، بالرغم من أننا لم نسمع أو نقرأ منذ بدأت الديمقراطية تعم دول العالم والإنتخابات تجري فيها أن منظمات المجتمع المدني لها حق الترشيح للإنتخابات بكيانها المعنوي بإستثناء العراق، ومع ذلك فهذا يدلل لنا أن العراق قد أصبح مرتع وقمة الديمقراطية الأمريكية بكل معانيها السامية. فهنيئاً لشباب العراق الذين نقترح التصويت لمنظمتهم المهنية هذه كي يحكموا العراق بعدئذ لأنهم قد يفوزون بالتأكيد إن وحدوا كلمتهم. ومع أن عدد شباب العراق كبير جداً الأمر الذي قد يؤهلهم للفوز بالإنتخابات، إلا أننا شخصياً نراهن على فوز "جمعية المتقاعدين" (إسم لإحدى المنظمات المرشحة للإنتخابات)، وذلك لأن عدد المتقاعدين في العراق بعد إحتلاله، والحمد لله والشكر لأمريكا، قد أصبح يقارب من 60 في المئة من مجموع مواطني العراق وبهذا يكون عددهم أكثر من عدد أقرانهم حتى في أكثر دول قارة أفريقيا فقراً، وسواء كان أولئك المتقاعدون بسبب كبر سنهم لقلتهم أو المتقاعدون بالإكراه (العاطلون عن العمل) لكثرتهم. وبهذا نعتقد أن لا أمل لمرشحي التنظيمات الأخرى بالفوز في هذه الإنتخابات الحرة والنزيهة والشفافة لو زحفت جموع العاطلين عن العمل إلى صناديق الإقتراع وأدلوا بأصواتهم لجمعية المتقاعدين. إضافة لذلك، فالمتقاعدين في العراق هم من جميع الطوائف والأعراق والديانات وبهذا فهم شريحة متجانسة وجاهزة وممثلة للجميع.
أما ذلك العدد الكبير من التنظيمات والأسماء التي ستدخل معترك العملية الإنتخابية فلا نظن أن الأموال التي تلقوها من حكومة علاوي أو تنظيمه أو من أحزاب أخرى كحزب الطالباني والبرزاني والجلبي والحكيم وغيرهم ستمكنهم من الحصول على عددٍ كافٍ من الأصوات يؤهلهم لحضور مؤثر في الجمعية الوطنية، أو يشابهها من تسمية، التي ستنشأ بعد الإنتخابات بحيث ستندمج تلك التنظيمات والأسماء مع أحزابها الأم التي كونتها ومولتها من أجل هذا الهدف فقط. وسنرى أن تلك التنظيمات والأسماء تبدأ بالتلاشي الواحد بعد الآخر بعد أن إنتهى الدور المرسوم لها وبعد أن قبضت المقسوم لدورها في العملية الإنتخابية الديمقراطية.
وبهذا أيها العراقيون تكون أمريكا قد حققت لكم الديمقراطية التي كنتم تنتظروها لأكثر من 80 عاماً ومنذ تأسيس الدولة العراقية الأولى، فهنيئاً لكم بما ستجلبه لكم هذه الإنتخابات الديمقراطية وما سيحققه لكم فوز النخبة القادمة لحكم العراق. وبتصورنا سيكون العراق، كما خططت أمريكا له، منتجع الشرق الأوسط الكبير وولاية أخرى من الولايات المتحدة كما هي صديقتكم دولة إسرائيل، ذلك أنه ليس من المعقول والمنطقي أن تترككم أمريكا وتذهب إلى شأنها بعد أن أنفقت مئات المليارات من الدولارات والآلاف من شهداء جيوشهم الأبرار الذين سقطوا صرعى في العراق منذ أن قدموا لتحريركم. كما أن السيد نغروبونتي سيكون عوناً كبيراً ومستشاراً ذو بصيرة لقادتكم السياسيين في تسيير أمور العراق السياسية والإقتصادية والإجتماعية، والأهم من ذلك الأمنية منها حيث بدأت أمريكا بإنشاء قواعدها الثابتة والكبيرة جداً في كل بقعة من بقاع العراق من أجل حماية مصالحكم وإستقرار حكم أولياء أموركم.
وإلى أن تجري الإنتخابات الديمقراطية في العراق، نتمنى لشعب العراق إستمرار الأمن والحرية والإستقرار السياسي والإقتصادي والفرحة التي تعم كل بيت من بيوته. د. محمد العبيدي