مؤتمر شرم الشيخ: مآتم زور لدفن العراق وغطاء لتأسيس سابقة خطيرة!

بقلم: سمير عبيد

يشكّل أسم شرم الشيخ حالة فزع لدى المواطن العربي، حيث احتضن هذا المنتجع الكثير من المؤتمرات العالمية والعربية، ولكن نسبة النجاح في جميع المؤتمرات لا تُذكر، وباختصار أصبحنا نسميه منتجع مؤتمرات الترقيع والتمرير، وأحيانا نسميه منتجع مؤتمرات الإملاءات الأميركية.
فمؤتمر شرم الشيخ الخاص بالعراق المنعقد اليوم 22/11/2004 ما هو إلا تأسيس لحالة خطيرة جدا، وبإملاءات أميركية صِرفة، وهي لتأسيس مبدأ الموافقة على الحروب غير الشرعية، والموافقة على غزو البلدان العربية وغيرها خارج الشرعية الدولية، والاعتراف بحكومات يتم تنصيبها خارج الشرعية الدولية بل بإملاءات أميركية، ومهمتها أن تكون حاجزا بين الشعب والقوات الغازية، ومن ثم تأسيس لحالة إبعاد المواطن العربي عن أي مشاركة في صنع القرارات المحلية والمستقبلية والعربية وغيرها، كما حصل للمواطن العراقي. وما سيُقرره مؤتمر شرم الشيخ حول العراق هو بمثابة القاعدة التي يتم تأسيسها على سورية ولبنان بعد غزوهما ـ لا سامح الله ــ وكذلك على البلدان العربية والإسلامية الأخرى والمرشحة في أجندة تيار المحافظين الجدد في الإدارة الأميركية، والتي تريد واشنطن الزحف عليها وإسقاط أنظمتها وتأسيس حكومات (الحمل السابع)، ثم مهازل الانتخابات الكرزائية التي تحددها السفارات الأميركية في البلدان التي يتم إسقاط أنظمتها تباعا.
لذا فمؤتمر شرم الشيخ عندما تم الإعلان عنه كان يصب في الدعاية الانتخابية للرئيس بوش بالدرجة الأولى، وكان ذات بعدين:

البعد الأول:
لو فاز بوش سيصاحبه حرب ضروس على المدن العراقية الرافضة للاحتلال، وفي مقدمتها مدينة الفلوجة ــ وهذا ما حصل، وعند كسر شوكة المقاومة ستنتهي المقاومة للأبد، ومن ثم المعارضة السياسية التي تشكلها نخبة كبيرة من الأحزاب والحركات والمنظمات والشخصيات العراقية، وبذلك سيُسحب كارت المطالبة بإشراك المقاومة العراقية في المؤتمر، والتي تطالب به فرنسا وغيرها. ولكن عندما انقلب السحر على الساحر وصمدت الفلوجة، وأصبح زمام الأمور من ناحية الهدوء والتسخين بيد المقاومة العراقية، ثم نجاح المقاومة بتثوير المدن الأخرى، وشهدت على ذلك صحيفة نيويورك تايمز الأميركية عندما نشرت وثيقة سرية عائدة للجيش الأميركي في 18/11/2004 تقول "أن النجاح النهائي للعملية العسكرية الأميركية في الفلوجة ليس حاسما وقد يعود المسلحون إليها بقوة" ونوهت لتقرير سري آخر و بسبع صفحات صادر من كبار المسئولين في استخبارات المارينز يقول "أن المقاتلين سيتمكنون من إعادة تنظيم صفوفهم سريعا في الفلوجة والمنطقة حيث تزداد شدة الهجمات والأشتباكات" وهي علامات الإخفاق والفشل، حينها سارعت الإدارة الأميركية للالتفاف على الموضوع لتعلن على لسان وزير الخارجية الأميركي كولن باول قبل أيام "أن من أهم بنود مؤتمر شرم الشيخ هو معالجة الملف النووي الإيراني" مما سبب المفاجأة للجميع، ولكن الهدف هو للتغطية على الموضوع العراقي، وسبقتها تصريحات من الإدارة الأميركية تقول "لن يكون هناك بندا يطالب بجدول زمني للانسحاب من العراق" وهو الكارت الآخر الذي تطالب به فرنسا وقسما من العرب، لذا فالمؤتمر جُرّد من بنوده الكبرى والتي لابد من مناقشتها، والنتيجة أن هذا المؤتمر ما هو إلا عملية ذر الرماد في العيون، وستكون الغاية منه تمرير الصفة القانونية لدخول القوات العربية والإسلامية إلى العراق لتغطي على الإخفاقات الأميركية في المستنقع العراقي، وهي عملية إحياء للفكرة السعودية التي جاءت نتيجة جولة خليجية سرية قام بها وزير الخارجية السابق هنري كيسنجر قبل أشهر، مهددا من خلالها الحكومات الخليجية بتقديم الدعم المالي واللوجستي والسماح بدخول قوات عربية للعراق، وإلا ستكون النتائج وخيمة جدا على الأنظمة الحاكمة ــ هذا ما صرح لنا به دبلوماسي خليجي رفيع المستوى في حينها ـــ والسبب الآخر لإجبار أطراف دولية في الدخول إلى المستنقع العراقي، ومن لا يعرف المبادرة السعودية نخبره أن المملكة اقترحت أثناء زيارة رئيس الوزراء العراقي المؤقت، والمعين من قبل قوات الاحتلال الدكتور أياد علاوي الأخيرة للسعودية، أن يتم تشكيل قوات عربية لتدخل إلى العراق، وحينها تبرعت الحكومة السعودية بتمويل الفكرة دعما لتلك الفكرة العائدة لكيسنجر أصلا.

البعد الثاني:

كان اقتراح مؤتمر الشيخ، وحسب ما أسلفنا، له بعد آخر وهو فيما لو فاز المرشح الديموقراطي السناتور ــ جون كيري ــ فسيكون مؤتمر شرم الشيخ ورطة للديموقراطيين وتحديدا من قبل تيار المحافظين الجدد في البيت الأبيض، ولكي يكون شاحنة إنقاذ للولايات المتحدة من المستنقع العراقي برأي العقلاء في الحزبين الجمهوري والديموقراطي، والسعي لتشكيل تحالفات دولية جديدة تنص على أحترام الشرعية الدولية التي ضربها الرئيس بوش عرض الحائط، ثم إيجاد جدول زمني للانسحاب من العراق وهذا ما كان يردده السيناتور كيري في مهرجاناته الانتخابية، ودعوة الأسرة الدولية للمشاركة في عمليات أعمار العراق مقابل العودة للشرعية الدولية واحترامها، وتحديد الجدول الزمني للانسحاب من العراق، وهذا ما تريده الأسرة الدولية المتعقلة، ولكن هذا الأمر أصبح منتهيا نتيجة خسارة مرشح الحزب الجمهوري كيري وفوز الرئيس بوش لولاية ثانية. العرب والموقف التاريخي المفقود!
تمنت شعوب الدول العربية والإسلامية أن تكون هناك دعوة لاجتماع طارئ خاص بالجامعة العربية يكون موضوعه تصحيح المسار في العراق، ولإدانة المجازر التي تقوم بها قوات الاحتلال الأميركي في العراق، وإدانة المقابر الجماعية التي تقوم بها حكومة علاوي وقوات الاحتلال في الفلوجة، والمطالبة بعدم الاعتراف بهكذا حكومة منصبة على رقاب العراقيين على أقل تقدير، ولكن ما حصل هو العكس حيث هناك صمتا عربيا وإسلاميا رهيبا على المستوى الرسمي والسياسي والإعلامي حيال ما يحصل في العراق من مجازر وأنتهاكات لدور العبادة والبيوت الآمنة والمدنيين الأبرياء، بحجة ما يسمى بالإرهاب والمتسللين العرب والأجانب، ولو عدنا لتصريحات الجنرال جورج كيسي لصحيفة لوس أنجليس تايمز والذي يقول فيها "لم نعثر إلا على 15 مقاتلا أجنبيا في الفلوجة من أصل ألف مقاتل كلهم عراقيون" نافيا بذلك كل التصريحات الأميركية والعراقية الرسمية التي تؤكد أن الأجانب هم الذين يخوضون المعركة في المدينة، كما نُشر تقرير في 16/11/2004 يؤكد أن المسئولين الأميركيين يقدرون عدد المقاتلين الأجانب في الفلوجة بـ 5% فقط!!!.. ولقد جاءت تصريحات رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش الأميركي الجنرال ريتشارد مايرز مفاجأة هي الأخرى عندما قال "يتمثل الخطر في عناصر النظام السابق" وبحضور الجنرال كيسي وهذا تفنيد علني لِما دأب المسئولون الأميركيون قبل معركة الفلوجة التشديد على دور المقاتلين الأجانب!!.
لذا أصبح من حق الشعب العراقي والعربي أن يطرح الأسئلة التي لم تنته على القادة العرب الذين ارتضوا دور الكومبارس في المسرحيات الأميركية، وعلى حساب سمعتهم وسمعة دولهم وشعوبهم وأمتهم، والسؤال:

إلى متى تبقون على هذا الحال.. ومن خولكم إهانة الأمة والشعوب بهذه الطريقة؟ الا تدركون الفرق بينكم وبين القادة العرب الذين سجلوا مواقف خلدت أمثال المرحوم جلالة الملك فيصل ملك العربية السعودية عام 1973، ومواقف الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، والرئيس السوري الراحل حافظ الأسد عندما أجبر القادة الأميركان القدوم حيث هو، وأشترط بعدها أن يكون لقاء القمة مع الرئيس الأميركي كلينتون على أرض محايدة هي جنيف؟

لماذا تنزلق أم العرب مصر العروبة لتكون مجرد "جرسون" يهيئ الموائد للأميركان وإسرائيل كلما طلبوا منها ذلك، فهذا لن نقبله، ولا تقبله الأمة العربية، فمصر الأم الكبرى للدول العربية، ومصر هي أم العرب، ومن ينكر هذا فهو لا يعرف أبجديات السياسة العربية.
لهذا نقولها أمام الملأ نحن نحب مصر، ومن محبتنا لها نعتب ونصرخ أن مصر في خطر، وعندما تكون مصر في خطر فالأمة العربية كلها في خطر، فدور مصر العروبة أكبر من أن تكون وسيطا صغيرا بين شرطة غزة وشرطة العدو الصهيوني، أو بين فصيل سوداني بسيط والحكومة السودانية، فهذه المهام تقوم بها منظمات شبه حكومية، وليست دولة بمستوى مصر الكبيرة.
لذا نريد لمصر الابتعاد الفوري عن هكذا أفعال ما هي إلا خدمة لقسم إداري في الخارجية الأميركية، أو لقسم مخابراتي في وكالة المخابرات الأميركية، فقيمة مصر قيمة العرب، وقيمة العرب هي قيمة مصر، ونحن نعلم هناك أطرافا عربية ودولية تريد الضعف لمصر، لذا نطالب مصر حكومة وشعبا أن تكون بمستوى المسؤولية؟.
لذا فالشعب العراقي يريد الموقف العربي الأصيل من مصر، والذي يقول الحق والحقيقة، ولا يمرر وجود الاحتلال، وأفعال الحكومة التي هي غير شرعية، وأن تبتعد مصر من دور المُعبّد للطرق غير المعبّدة، والطريق إلى بغداد غير معبّد، وغير شرعي بوجود الاحتلال وماكينة القتل والدمار التي تمارسها قوات الاحتلال ومليشيات حكومة علاوي.
يطالب الشعب العراقي بجدول زمني لانسحاب القوات الأجنبية من العراق وفي مقدمتها القوات الأميركية، كما يطالب الشعب العراقي أن تتحرك مصر والجامعة العربية للقيام بمشروع المصالحة الوطنية داخل العراق، وذلك من خلال مؤتمر شعبي كبير تدعى له جميع فئات الشعب العراقي السياسية والاجتماعية والدينية، ويصار إلى إصدار ميثاق شرف ينص على خروج جميع التواجد الأجنبي والعربي والإقليمي (من مخابرات، وشركات نهبت ولازالت تنهب بخيرات الشعب العراقي)، كما يصار إلى تشكيل خلية كبرى ـ عراقية عربية ــ لتنظيف العراق من التواجد الصهيوني وبسرعة، وإيجاد صيغة عربية عراقية لمعالجة وضع القواعد الأميركية التي تم إنشاءها في العراق، والتي وصل عددها إلى 12 قاعدة ومنها بأساسات مضادة للضربات النووية، ثم العمل على مؤتمر إنقاذ العراق السياسي - والذي يأت بعد المصالحة الوطنية ـ وبعد إعلان الجدول الزمني لأنسحاب القوات الأجنبية، ويكون هذا المؤتمر بإشراف الأمم المتحدة، والبرلمان الأوربي، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وجامعة الدول العربية، بشرط عدم استثناء أي طرف عراقي، ومطالبة الدول العربية بالوقوف مع الشعب العراقي للخروج من محنته الخانقة، وذلك بالمساعدة في عمليات أعمار العراق، ويترتب على الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا وأسبانيا جزء كبير من عمليات الأعمار، والبناء، وإصلاح المواطن العراقي الذي شرخت مخيلته وعواطفه وإنسانيته الحرب والدمار والقتل والبطالة والمخدرات، وغيرها من الأمور التي جلبها الاحتلال الأميركي بديلا عن الحرية والديموقراطية والرخاء الذي وعد بها الرئيس الأميركي الشعب العراقي.
فالتاريخ الوطني الناصع سيفتح جناحيه لمن يريد الخلود من الرؤساء العرب ليقول كلمة حق في مؤتمر شرم الشيخ يناصر بها الشعب العراقي، ويدين المجازر بحق الإنسان ودور العبادة، والمدن التي تهدمت على ساكنيها، فهذا أكثر ثوابا من دور الكومبارس، والشهادة الزور ضد العراق وشعب العراق!.

اللهم أشهد إنّا بلغنا!. سمير عبيد، كاتب وسياسي عراقي samiroff@hotmail.com