الفلوجة: شعلة ضياء ودرس في جغرافيا الأمة

بقلم: حسن الحسن

سيربرنتسا، سراييفو، كوسوفا، غروزني، قندهار، قندز، فطانة، العامرية، جنين، أم قصر، الفلوجة وغيرها كثير كثير كثير، كلها أسماء لمسمى واحد، شلالات دماء تفجّرت، وسالت لتعلم الأمة جغرافيا نسوها ولتجلوَ عقيدة غفلوا عنها ردحا طويلا من الزمان.
جغرافيا تجعل للأمة دارا واحدة هي دار الإسلام والتي امتدت على مدى صعيد الأرض الطيبة الطاهرة من أندونيسيا إلى الأندلس. وعقيدة التوحيد التي تنصّ على وحدتها، جاء في وثيقة المدينة التي سطرها النبي الكريم عليه السلام "وأنّ المؤمنين أمة واحدة من دون النّاس". هذه الأمة التي قال الرّب عزّ وجلّ بحقها "وان هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون".
إنها أمة خير وشهادة ورسالة، نعم هي كذلك على الرغم من الوهن والنزيف والألم، ورغم مصابها بحكامها ورويبضات الذلّ وعلماء السلطان ومظاهر الفساد. أمة لم تعقم ولم تعجز وأنجبت ليوثا، زادهم الإيمان، وشعارهم لن نحني الرأس إلا لرب الأرض والسماء.
في كل بقعة من الأرض هم، وليس رجال الفلوجة آخرهم، أولئك الذين رفضوا إلقاء السلاح، وأبوا أن يذبحوا كالنعاج، وأثبتوا بمداد الدماء خروجهم من عداد الغثاء، وأوقفوا أنفسهم على إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة.
في الفلوجة تعلمنا دروسا جديدة في الجغرافيا، فهذه المرة اضطرتنا بسالة الغر الميامين، تعلم أسماء كل أحياء الفلوجة بل كل ممراتها وطرقاتها، فقد دافعوا عنها شبرا شبرا، حتى بات جيش الأباتشي يفرح بانتصاراته الجوفاء ويرقص فرحا لدخوله زقاقاً من حي الجولان أو بعض أحياء الجغيفي والعسكري والشهداء والمعلمين، والتي ما فتئ أن فرّت منهم مرتزقة العلوج لا تلوي على شيء بعد سويعات.
إنه نصر بكل معانيه ذلك الذي يحققه أبطال الفلوجة حتى ولو سقطت، فهو نصر الإرادة والعزيمة والصدق والإيمان على الخنوع والذل والواقعية البغيضة والجبن. هو نصر ولا ريب، في لقاء ثلة مؤمنة صابرة قليلة العدد وشحيحة العدة، مع فرعون العصر أمريكا، التي يشرف وزير دفاعها رامسفيلد ورئيس هيئة أركانها مايرز على تفصيلات المعارك وكأنهم يخوضون حربا ضد الاتحاد السوفياتي. فهنيئا يا أهل الفلوجة بظفركم وبنصركم وبشهادتكم، وكفاكم شرفا أنكم قد طردتم الأمريكان ورددتموهم على أعقابهم في سابقة ينطبق عليها قوله تعالى "قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة، يرونهم مثليهم رأي العين، والله يؤيد بنصره من يشاء،إن في ذلك لعبرة لإولي الأبصار".
يكفي الفلوجة فخرا أنها صفعت بقوة تلك الجيوش البليدة التي يفترض بها أنها حماة الأوطان وحراس الأمة، تلك الجيوش التي مللنا انتظار تحركها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في بيروت وفي جنين وفي بغداد وفي أم قصر وفي بقاع كثيرة بات المسلمون فيها أهون من الأيتام على مأدبة اللئام.
لقد هانت تلك الجيوش الجرارة الهدّارة على أنفسها وهانت عليهم أمتهم، وها هم يرونها تذبح من الوريد إلى الوريد، من غير أن يهتزّ لهم جفن، وكأنهم أشربوا في قلوبهم العجل. تلك الجيوش التي غلبت عليها البلادة، وتحولت بفضل وليّ الأمر والزعيم الملهم وعلماء البلاط والزور والبهتان إلى حماة دور العهر والفجور وطلاب للدراهم والقروش. وإلا فما بالهم يصمتون صمت أهل القبور، لا يقوون على الحراك إلا لضبط أمن القصور وتصفية كل شريف عفيف عز عليه أمر أمته، بحجة القضاء على الإرهاب وتعميم الأمن في البلاد.
فلتهنأوا يا أهل الفلوجة بمن أنجبتم، ولكم أن تفخروا في كل زمان بما قدمتم، فدفاعكم عن كل شبر من كل حي، أحيا في الأمة جذوة لن تنطفئ قبل أن ترد أعداء الأمة اللئام عن الديار، وغني عن القول يا مقاتلي الفلوجة الشرفاء أنكم ربحتم البيع، ربحتم البيع، ونعم البيع كان ذاك مع الله القائل "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة" ووصف أمثالكم بأنهم "رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا". حسن الحسن، بريطانيا alhasan@alnahda.com