عرفات، وروح التجربة الحربية الفلسطينية

بقلم: السيد نجم
محرك سياسي وادبي للمقاومة

فقدت الأمة العربية رمزا من رموزها، بوفاة ياسر عرفات. وان بقيت السياسة دوما هى مجال الأخذ والرد والحيل، ولأن "عرفات" أحد الساسة الفلسطينيين، له وعليه ما للسياسيين، مع ذلك سيبقى محورا من محاور القضية الأم والمجسد لها خلال فترة من أهم فتراتها..لن نصدر أحكاما، فقط نذكر كيف تحقق ذلك: قررت جامعة الدول العربية انشاء منظمة التحرير الفلسطينية عام 1965م وكان من قادتها، معركة "الكرامة" تلك القرية الصغيرة بالأردن،شهدت أول مواجهة عسكرية بعد 48مع القوات الاسرائيلية وكان قائد المجموعة الفلسطينية التى واجهت العدوان عام 68. زاد الخلاف بين "عرفات" والقيادة الاردنية ورحل مع رجاله الى جنوب لبنان. أعلن صراحة فى جمعية العامة للأمم المتحدة أنه جاء حاملا غصن الزيتون فى يد والسلاح فى اليد الأخرى وكان ممثلا لانفتاح القضية الفلسطينية على العالم للمرة الأولى. رحل عن لبنان وأقام بتونس لفترة، ثم أقام فى رام الله مهندسا للانتفاضة الأولى والثانية وحتى آخر ساعات فى حياته.
المتابع للتجربة الحربية الفلسطينية، يرصد العلاقة الحميمة بين نشاطات الرجل وتاريخه الخاص، وقد امتزج وتشكل بتاريخ الابداع الفلسطينى.

نشرت الباحثة الكويتية "سحر الهنيدى" رسالة الدكتوراه التي حصلت عليها حول موضوع "الانتداب البريطاني لفلسطين"من إحدى الجامعات البريطانية. وقد أشارت إلى شخصية "هربرت صمويل" أول منتدب سام على فلسطين، أنه كان عضوا قياديا في النخبة اليهودية البريطانية، ومؤمن بفكرة إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
بعد عام واحد من الانتداب وقف أحد اللوردات في مجلس اللوردات، أعلن أن وعد بلفور مشحون بالديناميت، ووصف الظلم الذي يتعرض له عرب فلسطين بأنه "ظلم لا سابقة له في التاريخ"..إلا أن المخطط بدأ ولم ينته، وبعد عام من تولى "صمويل" ثار عرب إحدى المناطق الجبلية بفلسطين (في 25 يونيو/حزيران 1921)، فذهب إليهم المندوب السام في حراسة السيارات المسلحة، ليستقبله عرب المنطقة رافعين الأحذية القديمة على عصى مرددين الهتافات المعادية له ولليهود.
كما نشر مؤخرا أن أحد المصورين الصحفيين الأجانب اختفى في ظروف غامضة. ربما يعتبر الخبر عاديا لولا أن ذاك الصحفي هو الذي ارتكب الخطأ التاريخي والتقط الصورة الشهيرة، والتي باتت رمزا للانتفاضة الفلسطينية..صورة ذلك الصبي النحيف القصير (من ظهره) ثابتا على الأرض، رافعا يده اليمنى إلى أعلى رافعا الحجر في مواجهة الدبابة المتقدمة نحوه.
يبدو أنه منذ ذاك اليوم البعيد، عام 1921م لم تسقط الأحذية القديمة، وان استبدلت بحجر..وبدلا من الرجال والشباب، تولى المهمة الصبية والأطفال!
ومع ذلك يقول "د.محمد عبدالله الجعيدى" في تقدمته للببليوجرافي الهام عن الأدب الفلسطيني: "وللتدليل على الإهمال الذي لاقاه الأدب الفلسطيني، لأسباب غير موضوعية، تكفى الإشارة إلى أنه حتى عام 1967م، لم يعرف على صعيد البحث الجامعى غير أطروحتين جامعيتين. الأولى بعنوان:"حياة الأدب الفلسطيني الحديث من النهضة حتى النكبة" للباحث "عبد الرحمن ياغى (عن جامعة القاهرة). والثانية بعنوان:"موقف الشعر العربي الحديث عن محنة فلسطين من2-11-1917الى 31-12-1955للباحث "كامل السوافيرى" (عن جامعة القاهرة)."ص10
في البدء سعى العالم إلى أدباء الأرض المحتلة للتعرف على آدابهم، أليس الأدب هو المرآة وبحق، ثم فتحت الجامعات العربية والأجنبية أبوابها لمزيد من الدرس.
ربما التقسيم المناسب للأدب الفلسطيني (خصوصا للرواية)، يلائم القسمة حسب "التجربة الحربية" التي عاشها الشعب الفلسطيني.
المرحلة الأولى.. الفترة التي تبدأ مع بدايات القرن العشرين وحتى عام النكبة (1948م).
المرحلة الثانية.. الفترة من 1948 حتى 1967م.
المرحلة الثالثة.. الفترة من 1967 حتى بداية الانتفاضة الأولى 1987م.
المرحلة الرابعة..تلك الفترة التي عبرت عن انتفاضة الحجارة، وانتفاضة القدس.....

..المرحلة الأولى شهدت ثلاثة اتجاهات: الاتجاه الإحيائي الذي ينتمي إلى ملامح الأدب العربي عموما والانتماء إليه، وبرز جليا في الشعر وليس في الرواية- أما الاتجاه الثاني فهو الاتجاه الرومانسي، وربما هروبا من الواقع القاس المعاش ورفضا له، لكن دون أن ينسى أصحابه الوطن، فكانت الروايات: "صراخ في ليل طويل/جبرا إبراهيم جبرا"- "وحدي مع الأيام/عبد الحميد ياسين"- "عابرو السبيل/ نجوى قعوار فرح".
أما الاتجاه الثالث، وقد تبلورت الأحداث وأنتجت أفكارها وأناسها، فكان الاتجاه الواقعي النقدي. لقد اشتعلت الثورة هنا وهناك، واستشهد الأدباء قبل غيرهم. (يرصد هنا أن أول قصيدة كتبت على الأوزان الحرة في فلسطين كتبها "محمد إسعاف النشاشى" في أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي وكانت مرثية في الشاعر "أحمد شوقي"، كما شهدت تلك الفترة أول قصيدة نثرية للشاعر"حسن البحيري" بعنوان "أحلام البحيرة"..حيث كانت فترة فوران وتمرد على الواقع المعاش هناك والأحداث الدموية بداية من "ثورة البراق"، ثم الثلاثاء الحمراء حيث اعدم الشيخ فرحان السعدي، واستشهاد الشيخ عز الدين القسام، كما أجهض الإضراب العام بكل شراسة وقسوة المستعمر.)
كما أن تلك المرحلة السابقة على عام48، ومع اقتراب التاريخ المشئوم، بدت إرهاصات التوجس من "النكبة"، وقد عبر عنها الشعراء أسرع وأوضح من الروائيين. وهذه الروايات هي : "البطلة/خليل بيدس"، "الظمأ/ محمود سيف الدين الإيراني"، "، "أي السبيلين/نجوى قعوار"،و"فلسطين نستغيث/ عيسى العيسى"،ثم "مذكرات دجاجة/ اسحق موسى الحسيني".. وتعد الأخيرة هي أول رواية فنية وذات تقنية تتجاوز ما سبقها في كل إنتاج الرواية الفلسطينية وقد نشرت عام 1943م.
أما المرحلة التالية – حتى 67- فقد شهدت ميلاد الإذاعة الفلسطينية عام 1964م لأول مرة، وكانت البرامج الأدبية التي تعنى بأدب الوطن، ثم كان كتاب "أدب المقاومة" لغسان كنفاني الذي وضع المصطلح على طاولة البحث وفى ذمة التاريخ لأول مرة، حيث عرض لفكرة "المقاومة" في الأدب الفلسطيني، وقد نشر عام 67 ثم مزيد ومنقح في طبعة تالية في 1968م..(كما صدر كتاب لا يقل أهمية في الشعر الفلسطيني بعنوان "ديوان الوطن المحتل" عام 1968م/ يوسف الخطيب).
صحيح أن الخبرة المضافة مع التجربة المعاشة ليس بالضرورة تثمر فورا أدبا معبرا وجيدا، خصوصا في فن الرواية. إلا أنه يمكن الإشارة هنا إلى تلك المرحلة تحديدا كانت للشعر ومنجزاته التي عبر عن نفسها على مستوى العالم العربي، والعالم الخارجي، بعد 67، فكان الشعراء الذين أضافوا إلى إنتاجهم إنتاجا أكثر توهجا، وشعراء ولدوا مع النكبة أو قبلها، من الأسماء الواجب الإشارة اليها:( إبراهيم طوقان- فدوى طوقان- عبد الرحمن محمود- توفيق زياد-مؤيد إبراهيم- توفيق زياد- محمود درويش- سميح القاسم- سالم جبران..)
أما الرواية فقد صدر منها: "صراخ في ليل طويل/ جبرا إبراهيم جبرا"، "فداء فلسطين/ رجب توفيق"، "المجموعة 778/ توفيق قناص"..وغيرها. لم تكن الرواية بثقل وقيمة الشعر فنيا خلال تلك المرحلة.
ومع كل ما كان في 67 خرج الفلسطيني إلى معنى الثورة، تتأجج ويعلو النشيد حتى عبرت عن نفسها في انتفاضة.لعل أوضح ملامح تلك الفترة (التالية ل67) أن كثرت الدراسات العربية وغيرها حول الأدب الفلسطيني، وبالذات الجانب المقاومى فيه..مثل دراسة"محمود درويش شاعر الأرض المحتلة/ رجاء النقاش- القاهرة1969م" و"الحركة الشعرية في الأرض المحتلة/ صالح أبواصبع- بيروت 1979".
ويمكن الإشارة إلى أهم الدراسات عموما في الرواية الفلسطينية تحديدا..(عدد خاص لمجلة الآداب البيروتية /عدد مارس1964م- "في القصة والرواية الفلسطينية"/إبراهيم خليل- جهد خاص لإبراهيم السعافين والأقرب إلى الهدف المنشود في "الرواية في فلسطين في عهد الانتداب" و"نشِأت الرواية والمسرحية في فلسطين حتى 1948" و"الرواية في الأردن"- "الأدب والمعركة"/جهد توثيقي"- "الرواية في الأدب الفلسطيني(1950-1957) و"الرواية والحرب"/ بقلم أحمد عطية أبو مطر"- عدد خاص من مجلة أقلام العراقية في فبراير 1975"- "الاغتراب في الرواية الفلسطينية/بسام خليل فرنجية"- الأدب الفلسطيني المعاصر في المعركة/ثريا عبد الفتاح ملحس 1970"- "زمن الاحتلال:قراءة في أدب الأرض المحتلة/خليل سلامة السواحرى"- "مراجعات ومتابعات في الرواية والقصة الفلسطينية/شمس الدين موسى"- "في الأدب الفلسطيني الحديث قبل النكبة وبعدها/ عبد الرحمن ياغى"-"أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 1948-1966/ غسان كنفاني (ويجدر الإشارة إلى أهمية هذا الكتاب، حيث يعد إشارة هامة لميلاد أدب المقاومة كاصطلاح وكحقيقة – دار الآداب ببيروت1966) – "الرواية في الأردن/ فخري صالح"- "نماذج المرأة البطل في الرواية الفلسطينية/ فيحاء عبدا لهادى"- "أدب الانتفاضة الفلسطينية في الأرض المحتلة، أدب الحجارة- العدد الثالث والعشرين 1989/ مجلة الكاتب العربي" – "أدب المرأة الفلسطينية/كمال فحماوى"- "الشخصية في الرواية الفلسطينية المعاصرة/محمد أيوب" – "نقد الذات في الرواية الفلسطينية/ مصطفى عبد الغنى"- "في الرواية الفلسطينية/ نبيه القاسم"- "الأرض والثورة قراءات في الرواية الفلسطينية/وليد أبوبكر" ).بالإضافة إلى ما سبق توجد العديد من الدراسات المفردة حول رواية أو مجموعة روايات أو حول كاتب بعينة، بالذات "غسان كنفاني" الذي يحتل الصدارة.
والآن يمكن الإشارة إلى عدد غير قليل من الأسماء الروائية الفلسطينية، وقد احتلت موقعها الإبداعي عن أعمال عالية القيمة الفنية: جبرا إبراهيم جبرا – غسان كنفاني – رشاد أبوشاور- يحيى يخلف – غالب هلسا- نبيل خوري – سحر خليفة – ليانة بدر..وغيرهم
كما أشار محمود قاسم في كتابه "الأدب العربي المكتوب بالفرنسية" عن "إبراهيم الصوص" الدبلوماسي الفلسطيني الذي شاء أن يخاطب الفرنسيين بلغتهم وطريقة تفكيرهم، فكانت روايته "بعيدا عن القدس"، تلك الرواية التي يمكن أن تصنف برواية تجربة التهجير أو الطرد..تلك التي ترتبط بالحروب. وقد عرض الروائي لتجربة طرد أسرة من بيتها في القدس حيث التشرد عام 1935م. أما وقد أحب أحد الشباب العربي "نبيل" الفتاة اليهودية الجارة "جابريللا"، ثم تزوجا.. وتمضى الحياة على الرغم من التناقض بين الزوجين بسبب الحب. وأرى في تلك الرواية خصوصية الكتابة بلغة غير العربية، وفى خصوصية التجربة.

وقفة مع الانتفاضة

تعتمد الانتفاضة على ظاهرة جديدة لم تبشر بها معطيات التقنيات الحديثة كوسيلة للصراع، ألا وهما الحجر والاستشهاد أو التفجير الذاتي للفرد المقاتل. هذا في جانب "الوسيلة" أما في جانب الأسباب فلم تعد الصراعات القومية والأيديولوجية أو الحضارية هي بؤرة التفجير حسب التفسيرات المختلفة للحروب والصراعات السابقة وحتى العقد الأخير من القرن الماضي.بل تعد الانتفاضة حالة خاصة يلزم تأملها والبحث في جذورها المتشابكة بين الصراع من أجل الأرض وضد الطرد والتهجير بل والإبادة..والصراع من أجل الهوية والذات التراثية المعاصرة.. والصراع ذا الطابع الديني والأنثروبولوجي..والصراع السياسي والاقتصادي والاجتماعي من أجل حياة أفضل، وربما من أجل "الحياة" ذاتها!!
يبدو أنه يجب علينا أولا ثم على الآخر..أن يتفهم الجميع خصوصية الانتفاضة، وألا تغرينا تحليلات ومقولات الأبواق الأخرى أيا ما تكون، وعلى الآخر أن يسمعنا مهما كانت توصيفاته ومعطياته.ولا يبقى إلا إبراز دور المبدع (الكاتب والفنان) لرصد تلك الثورة الجديدة"الانتفاضة" حفاظا على جوهر هويتنا المقاومة ضد القهر والظلم.
لعل الشعر كما هو حال الشعر دوما سباقا في كل المواقف الحياتية الخاصة/ العامة، وهو حال الشعر مع الانتفاضة الفلسطينية. كما كانت القصة القصيرة عنصرا مشاركا وإيجابيا، مع قلة عددها نسبيا مقارنة بالقصائد الشعرية.
وان كانت الرواية من أرسخ الأشكال التعبيرية الأدبية في تنوع مواقفها ومساحتها الزمانية والمكانية، وبالتالي تتيح مجالا كبيرا للتعبير عن الأحداث الكبرى في حياة الأفراد والشعوب..الا أنها أيضا أقل الجناس الأدبية كما في الإنتاج لخصوصية الرواية التقنية، واحتياج الروائي إلى البعد الزمني اللازم لتعمق الفكرة والبحث عن أغوارها، ولأهمية توافر الرؤية البانورامية لتلك الأحداث الهامة.
وهو ما لم يتوفر في الانتفاضة. ومع ذلك كانت هناك بعض اليوميات أو السير الذاتية التي تفاعلت بين الذات الأدبية والانتفاضة، ومنها "يوميات الاجتياح والصمود- تفاصيل المأساة لحظة بلحظة" وهى اليوميات التي كتبها الكاتب الفلسطيني "يحيى يخلف".
وفى إشارة سريعة لبعض القصص القصيرة المعبرة عن الانتفاضة، هناك بعض الأفكار التي حرص الكاتب الفلسطيني على رصدها والتعبير عنها، وهى:
:قسوة العدو الإسرائيلي في مواجهة الانتفاضة.. وهو ما عبر عنه "محمد نفاع" في قصة "الجنرال".. ذاك القائد العسكري الذي أمر بجمع الأطفال لقتلهم أمام أعين أمهاتهم.
: دور المرأة في الانتفاضة.. وهو من إيجابيات الانتفاضة أن جعلت من دور المرأة في الحياة متكاملا، وغير مقتصر على الدور التقليدي للمرأة بل شاركت في الكفاح. ففي قصة "صباح بعد انحسار الغطاء" للكاتب "سعيد نفاع". تظل المرأة تعانى الآم المخاض، بينما زوجها في المعتقل الإسرائيلي، تسترجع ذكرياته معها، وتفرح عندما تلد، وكأن حضور زوجها (المتصور) وقد حضر مع لحظات الولادة، حقيقة واحدة.
: دور القيم الروحية في تزكية الانتفاضة..وهو ما عبر عنه القاص ""فياض فياض" في قصة "طز..قيد له"، فيكون نداء "الله أكبر" داخل المسجد محفزا لمواصلة الانتفاضة،وقد أشار إلى محاولة اليهود سرقة المقدسات الإسلامية في القدس.
: إبراز الجانب الإنساني للإنسان الفلسطيني على الرغم من كل الوحشية التي يتعرض لها..وهو ما برز في قصة "الحاجز" للقاص "نبيل عودة" حيث يستوقف الجنود الإسرائيليين أحد الأطباء الفلسطينيين لعلاج مصابا إسرائيليا، وبعد تردد يوافق الطبيب.
: وهناك بعض القصص التي انشغلت بنقد الموقف العربي، مثل أحداث الحرب الإيرانية/ العراقية، وكذلك أحداث غزو الكويت.. وهو ما أثر بدرجة ما على ما يجرى على الأرض الفلسطينية. وضح ذلك في قصص:"دماء/ محمود سعيد"، و "الجندي الآخر/عبد الستار خليفة".

قليلة هي الرواية المعبرة عن تجربة "الانتفاضة" (نسبيا). وقد أشار اليها "د.مصطفى عبد الغنى" في كتابه "الاتجاه القومي في الرواية" يقول:" ويلاحظ في ذلك كله أن الروائي لم يصنع بطلا واحدا- على كثرة الأبطال الأسطوريين وغلبة أدوارهم –وانما تحولت الانتفاضة- في حد ذاتها- إلى حالة (أسطورية) غير عادية، تنسج خيوطها هذه الحركة اليومية المستمرة من نضال آلاف الكوادر والمقاتلين في الأرض المحتلة، أو داخل المعتقلات الإسرائيلية غير الإنسانية، وحالة الحصار التي تفرض على المخيمات بشكل مستمر لإرغامهم على التسليم، أو استخدام الأسلحة المحرمة دوليا، وما أكثرها، للنيل من الأطفال والنساء والشباب الفلسطيني، أو –حتى- بمواجهة أولئك المتعاونين مع القوى الصهيونية ضد حركة المقاومة واستمرارها.." ص340
من تلك الروايات :"الحواف/أحمد يعقوب"، "زغاريد الانتفاضة/ محمد وتد"، "الجراد يحب البطيخ/راضى شحاته"، "العربة والليل/ عبدالله تائه"، "
وقد اعتمدت محاور تلك الروايات على عنصرين أساسين:
: تصوير وقائع نضالية/مقاومة..حيث كتب الروائي "محمد نصار" رواية "نزيف القلب" راصدها مجزرة "مخيم جباليا" ضمن أحداث الانتفاضة حيث استشهد ثمانية عشر فلسطينيا. صور الروائي الكثير من صور الاضطهاد والقسوة في معاملة الأسرى والمعتقلين وذويهم.تتبع الروائي أحد الأسرى الذي أشفق على زوجته وطلب منها الموافقة على تطليقها. رفضت الزوجة، لكنه طلقها، لتتزوج ابن عمها وتصاب بمرض تفقد بعده الذاكرة. أما وقد خرج الأسير من المعتقل، لم يعثر على أسرته، حتى وجد زوجته المريضة تسير في إحدى المظاهرات وتصرخ للإفراج عن زوجها الذي لم تعرفه.
: تصوير الحياة اليومية في ظل الاحتلال.. كتب الروائي "عبدالله تايه" رواية "العربة والليل" التي تتضمن تفاصيل أحوال سكان المخيم تحت ظل أوامر حظر التجول المستمرة والممتدة والتي تصل لعدة أيام. فيقل من يخرج للعلاج أو لشراء طعاما لأطفاله، أو حتى للعثور على جرعة ماء.
إجمالا يمكن القول بأن الخطاب الأدبي خلال الانتفاضة تحريضيا ومتفائلا، والشخصيات إيجابية..وربما قصة "اسحب تربح" للقاص "صبحي حمدان" تبرز هذا الجانب بقدر من البساطة حينما تعامل مع بائع الترمس الذي يسعى للانتهاء من البيع سريعا حتى يتفرغ للمشاركة في أعمال الانتفاضة الجارية في شمال المدينة !
لم يعد الكاتب الفلسطيني حريصا على تلك البكائيات التي شاعت في شعره وقصصه منذ 1948م..حتى أن الدارسين استسهلوا استحضار موضوع "سقوط الأندلس" في الشعر الفلسطيني قبل الانتفاضة، وتعددت الدراسات حول الموضوع نفسه. وهو بالحقيقة التي تعامل بها الأديب الفلسطيني مع موضع الأندلس حتى أن استحضار رموز الأندلس المكانية/ الأدبية /بل وبعض الحكومات العربية، مع استحضار الوقائع الأندلسية الشائعة..كان من الظواهر الفنية في الأدب الفلسطيني قبل الانتفاضة.
المتابع للتجربة النضالية لياسر عرفات يلتقط صداها جليا بالمنجز الأدبى الفلسطينى خلال العقود الأخيرة،حيث انتقلت القضية الفلسطينية بقيادته، من شعب يبحث عن أرضه، الى شعب متمسك بأرضه ويموت من أجلها. تماما كما انتقل الأدب الفلسطينى من التعبير عن الأحوال المطلقة المتشائمة الى التعبير عن الآنى الدال والمتفائل المفعم بالشحن.كما كان توظيف رمز "الأرض" و "المرأة" و"الاغتراب" من محاور هذا الملمح، بالاضافة الى التعبير عن تجربة التهجير والطرد. ثم أصبح المنجز الأدبى للتعبير عن اليومى المعاش، المرتكز على حقيقة التمسك بالأرض، والصمود بالمعنى العام.
وليس أقل من أن يقال أخيرا، أنه خلال فترة نضال "عرفات"، تبلورت القضية الفلسطينية وتجسدت حقيقة مشرقة فى تاريخ النضال العربي، تماما كما جسدت فنون الكلمة الفلسطينية هوية وطموح الانسان الفلسطيني.. يكفى أن نشير الى أن الجيل الذى ولد مع وبعد نكبة 48، من داخل الأرض الفلسطينية، هو الذي يقود الساحة الابداعية اليوم. السيد نجم Ab_negm@yahoo.com

Mb_negm@hotmail.com