أحجية الزعامة وتحديات المستقبل

بقلم: ماجد كيالي

لا يتعاطى الفلسطينيون مع ياسر عرفات على أنه مجرد قائد سياسي، فقط، أو على أنه مجرد رئيس، فحسب، فهو بالنسبة لهم أكبر وأكثر وأعمق من ذلك، فهو زعيمهم وصانع هويتهم الوطنية وقاسمهم المشترك، وهو مؤسّس الكيانية الفلسطينية؛ ومن هذا كله يستمدّ أبا عمار مصادر قوته، وفي كل ذلك تتجذّر شرعيته، وعبر كل ذلك تكمن أسطورته.
فعلى مر أربعة عقود من الزمن، بعواصفها وزلازلها، مثّلت سيرة ياسر عرفات نهوض قضية وقيامة وطن وتطلّع شعب إلى الحرية، في إطار من الصراع على الزمان والمكان والمعنى؛ حيث استطاع الفلسطينيون، بحيويتهم وتضحياتهم، وبعنادهم وبطولاتهم، أن يفرضوا حقيقتهم، رغم محاولات الإنكار والنفي والتغييب الإسرائيلية، ومحاولات التهميش والتقييد في الواقع الإقليمي العربي، ورغم الصمت والتجاهل الدولي.
ومع كل الانتقادات التي يمكن كيلها له، والتي يمكن له بالتأكيد تقبّل أكثريتها، ولو على مضض، وعيا منه لمكانته الرمزية والوطنية، فإن التاريخ سيسجّل لياسر عرفات أنه صاحب المبادرة في إطلاق الكفاح التحرري ضد إسرائيل، الذي جاء بالشعب الفلسطيني من غياهب اللجوء والشتات والنسيان إلى معادلات السياسة في الشرق الأوسط، وأنه حافظ على مكانته المعنوية في قيادة الشعب الفلسطيني على اختلاف تلاوينه وتياراته، وأنه وضع شعبه المولع بالرموز والشعارات على عتبة الواقعية السياسية، إدراكا منه إلى حاجة الفلسطيني الماسة إلى تحويل حلمه الدائم في وطن متخيّل مسكون بالذاكرة، إلى وطن متعيّن على الخريطة، في عالم لا يعترف إلا بحقائق موازين القوى ومعطيات السياسة.
وتبدو مأثرة ياسر عرفات الفريدة أنه الزعيم الوحيد في هذا العالم العربي الذي يمحضه شعبه ثقته، ولو جاءت مشوبة ببعض الاختلافات، من دون أن يكون له سيادة إقليمية مباشرة على أي من التجمعات التي يعيش فيها الفلسطينيون، في الأراضي المحتلة وفي مناطق اللجوء المختلفة، وفي أماكن الشتات الشاسعة!
هذه الشخصية الإشكالية والبرغماتية لعرفات حيرت إسرائيل، كما غيرها، فهذا الرجل هو صاحب القرار في الكفاح المسلح ضدها وصاحب قرار التسوية والتعايش معها. وقائد المفاوضة والانتفاضة في الوقت ذاته. وهذا الرجل هو الشخص الذي وحّد الشعب الفلسطيني بمختلف تياراته، الوطنية والقومية واليسارية والدينية، من حوله. وهو الزعيم الذي ظل الفلسطينيون يجمعون عليه، بمختلف المراحل والمسارات، من مسيرة الثورة إلى مسار التسوية. وهو الذي استطاع نقل الوعي السياسي لشعبه من الشعارات إلى أرض الواقع، ومن التوهمات إلى الممكنات، ومن المطلق إلى النسبي. فهو أبو الواقعية والبرغماتية السياسية، برغم تمسكه بأهداب التاريخ ووقوفه عند تخوم الأسطورة!
عموما فقد فاجأ ياسر عرفات معارضيه، وربما أنه "خيّب" توقعاتهم منه، أو بالأحرى فإنه كشف ضحالة تفكيرهم وتجربتهم في السياسة، فهو، مثلا، لم يفرط بالوحدة الوطنية، إلى حد الذهاب للاقتتال الداخلي لفرض أجندته السياسية؛ ولم يتخلّ عن مشروعية خيار المقاومة المسلحة؛ كما لم يذهب إلى حد التفريط بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني مقابل دولة أو سلطة، على ما ادّعى هؤلاء، بل إنه مارس على العكس من كل ذلك، حتى أنه دفع ثمنا باهظا ثمن كل هذه الخيارات، فيما بعض المعارضة بقي في مواقع المتفرجين أو المشكّكين!
ولعل من قبيل الإنصاف القول أنه مع كل الملاحظات على إدارة عرفات للوضع الفلسطيني فإن هذا الرجل، وبرغم الظروف الصعبة والضغوط الهائلة التي تعرض لها، ظل صامدا، مسكونا بهاجس دوره التاريخي وقيمته الرمزية ومكانته في قلوب شعبه، وهذا ما جعل منه شخصية عصية على التطويع أو التنميط.
المفارقة أن الموقف الإسرائيلي والأمريكي، المتغطرس، تناسى أو تجاهل الحقيقة الساطعة والتي مفادها أن الرئيس عرفات هو الزعيم الذي استطاع نقل الوعي الفلسطيني، من المجال التاريخي والرمزي، إلى المجال البرغماتي والسياسي. أو من مجال الصراع والنفي المتبادل إلى مجال التسوية والتعايش المشترك، وفق صيغة دولتين لشعبين؛ مستثمرا في ذلك ثقة شعبه به بحكم مكانته التاريخية والرمزية والوطنية.
هكذا فإن أزمة عرفات على هذا الصعيد لم تكن كامنة فيه تحديدا، برغم ما قد يؤخذ عليه في هذا المجال في طريقة إدارته للوضع الفلسطيني وعدم حسمه لخيارات الانتفاضة المتضاربة، فهذه الأزمة ظلت كامنة أساسا في عدم نضج إسرائيل للذهاب بعملية التسوية إلى نهاياتها.
فبينما غامر ياسر عرفات بالانخراط في عملية التسوية وفي إقناع شعبه بوجاهتها، في ظروفه الصعبة، كانت إسرائيل بعملها وليكودها، تتآمر عليه؛ لأن هكذا تسوية، تتأسس على حضور الشعب الفلسطيني من الغياب إلى التاريخ، تؤكد شرعية وعدالة وأخلاقية الرواية الفلسطينية، وتنزع عن الرواية الصهيونية شرعيتها وادعاءاتها الأخلاقية، وتكسر احتكار اسرائيل لصورة الضحية؛ وهي أمور لم تبد إسرائيل جاهزة لها بعد.
بهذا المعنى فإن معركة إسرائيل ضد عرفات بدأت بالتهرب من استحقاقات عملية التسوية وبخلق الوقائع الاستيطانية التي تؤبّد الاحتلال، مرورا بحبك فخّ مفاوضات كامب ديفيد واتهامه بإفشالها، تمهيدا للإعلان فيما بعد بأنه لم يعد ذي صلة وأنه لم يعد شريكا بالسلام، واتهامه بولوج طريق العنف ووصمه بالإرهاب، وصولا إلى المطالبة بعزله أو تقييده، بدعوى إصلاح الحال الفلسطينية!
ويبدو أن إسرائيل في هذه المواقف والادعاءات إنما كانت تحاول التهرب من الأسئلة التي طرحتها عملية التسوية عليها، والتورية على واقع عجزها عن السلام الذي يتطلب الاعتراف بالآخر (الفلسطيني) ووضع حد لعملية الإنكار التاريخي لوجوده.
هكذا فبعد أن عجزت إسرائيل عن تغييب الفلسطينيين، للتغطية على جريمتها تجاههم، تعمدت القيام بجريمة أخرى بحقهم، عبر تشويه عدالة قضيتهم، ونزع شرعيتها والتشكيك بأخلاقيتها، بوصمهم بالإرهاب والترويج إلى عدم أهليتهم لحق تقرير المصير، وكانت المعركة ضد ياسر عرفات هي اختزال للمعركة الإسرائيلية الدائمة ضد الشعب الفلسطيني.
ومشكلة إسرائيل أنها تدرك تماما بأن استهداف الرئيس عرفات يعني العودة إلى مربع الصراع الأول، أو إلى المجهول، لأنه لن يوجد بعد عرفات، وفي المدى المنظور، البديل القادر على إقناع شعبه بالتسوية معها، أو بالتنازل عن المبادئ التي رفض أبو عمار التنازل عنها.
على ذلك فإن مرحلة ما بعد عرفات هي مرحلة صعبة ومعقدة فالرجل كان زعيما تاريخيا بامتياز، وهو رئيس منظمة التحرير وقائد حركة فتح ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، ومن الصعب إيجاد بديل في هذه اللحظات بحجم ياسر عرفات، على رغم وجود العديد من القياديين من رفاق درب عرفات، فالتاريخ هو الذي يصنع هذا الطراز من الزعماء، وليست مجرد قرارات..
من كل ذلك يمكن الاستنتاج بأن الفلسطينيون في مواجهة أعباء مرحلة انتقالية، بمعنى الكلمة، من النواحي السياسية والتنظيمية، ولا شك أنهم في هذه المرحلة بحاجة ماسة إلى إظهار أعلى تجليات الوحدة والصمود، وبذل جهد أكبر لترتيب البيت الفلسطيني، على أسس جديدة قوامها التعددية والديمقراطية والمأسسة واحترام القوانين والدساتير وأصول القيادة الجماعية..ولا شك أن حركة فتح بقيادتها وكادراتها تتحمل مسؤولية خاصة في هذا الاتجاه. ماجد كيالي