الرؤيا، نموذجٌ جيد لتكنولوجيا أدب الأطفال

بقلم: أحمد فضل شبلول
مشهد النساء وهن يقطعن أيديهن عند رؤية يوسف

تأتي القصة الإسلامية "الرؤيا" لتشكل إضافة جديدة إلى رصيد القصص الإسلامية المحرَّكة للأطفال، من خلال أسطوانة مدمجة C.D سهلة الاستخدام، ولا تحتاج إلى تحميل أي جزء منها على القرص الصلب (الهارديسك)، ومزودة بالتقنيات الرقمية الحديثة، وتحكي للأطفال قصة النبي يوسف عليه السلام، منذ أن شاهد في منامه أحد عشر كوكبا والشمس والقمر له ساجدين، فقال له أبوه لا تقصصْ رؤياك على أحد، ولكن أخوته يعلمون فيحاولون قتله، أو التخلص منه، بإلقائه في الجُب أو البئر، إلى آخر القصة القرآنية المعروفة.
وقد قام المركز الهندسي للأبحاث التطبيقية، بإعداد وتنفيذ هذه القصة، وأنتجتها شركة المنار للتكنولوجيا، ضمن سلسلة أحسن القصص، وأطلقت عليها "الرؤيا".
***
الشاشة الأولى تعرض علينا خمسة خيارات:
1 ـ عرض متواصل وشامل للرواية بالصوت والصور الكرتونية الملونة والرسوم المتحركة للأشخاص والأماكن والمناظر الطبيعية تتخللها الآيات القرآنية، والأناشيد الإسلامية، والألعاب الإلكترونية.
2 ـ عرض الرواية بالصوت والصور دون هذه الأناشيد والألعاب، ويتفرع هذا الاختيار إلى اختيارين: عرض الرواية بكاملها، أو عرض مشهد معين من مشاهدها الأحد عشر.
3 ـ عرض الأناشيد (صوتا وصورا فقط) دون الرواية.
4 ـ عرض الألعاب الإلكترونية الأربعة.
5 ـ عرض صوتي ـ تصاحبه مناظر طبيعية ـ لبعض الآيات القرآنية المتعلقة بقصة النبي يوسف من خلال وصلة بعنوان "عِبرة".
وعند اختيار أحد هذه الخيارات تتحوَّل الشاشة لعرض هذا الخيار، مع ملاحظة ترجمة القصة والحوار والآيات القرآنية الواردة بالقصة إلى اللغة الإنجليزية، في شريط أسود يظهر أسفل الصورة، ليسهل متابعتها من المشاهدين أو المستخدمين الذين لا يعرفون اللغة العربية، ويعرفون الإنجليزية باعتبارها اللغة الأكثر انتشارا في العالم الآن.
ولا تبدأ القصة المحرَّكة بقصة يوسف عليه السلام مباشرة، ولكن تبدأ من خلال وجود وباء في إحدى القرى، وتتكرر قصص وفاة أهل القرية، إلى أن يصيب الوباء أمَّ أحد الغلمان، فيسأل حكيم القرية عن الحل، فيعرض عليه الحكيم نقوش الرؤيا التي سجلها الجد الأكبر على الجدران حيث يكمن الدواء، ولكن لا أحد يعرف قراءة هذه النقوش، ويتمكن هذا الغلام من فك شفرة لغة النقوش من خلال الكتاب المسحور الذي أعطاه إياه حكيم القرية، ومن خلال الكتاب المسحور يقرأ الغلام ما به من قصص وحكايات، وخاصة قصة يوسف الذي يفسر الرؤى، ومن ثم يدخل الطفل القصة ويعرف أسرارها، ويترك لنا قصة يوسف لتتحدث بنفسها، وبعد انتهاء القصة ورؤية عظماء الرجال، والاتعاظ بما جاء فيها من أحداث ومواقف ومحن، يجد الغلام العلاج، وتشفى الأم، ويتراجع الوباء بالقرية.
وليس من الصعب أن نكتشف أن الوباء الذي ألمَّ بالقرية، هو وباء الجهل الذي تفشَّى فيها، وأودى بحياة عشرات من أهلها، وعندما تصدى الغلام له عن طريق فك رموز اللغة، أي عن طريق العلم والقراءة ومعرفة أحوال البشر وقصصهم والاستفادة منها، يُرفع الوباء أو البلاء عن القرية الجاهلة، وتتماثل أمه للشفاء.
يلاحظ أثناء عرض القصة، وجود الكورس أو الجوقة التي تعلِّق على الأحداث، وهي تقنية من تقنيات المسرح استفاد منها منفذ البرنامج أو القصة، كما يلاحظ حُسن استخدام الألوان وحُسن توزيعها، وأيضا تلوين الصوت حسب الموقف، ولا أبالغ إذا قلت إن هناك ممثلين أو مؤديين محترفين، وليسوا هواة، كانوا وراء هذا الأداء الصوتي المتميز طوال القصة.
في وصلة الأناشيد، توجد خمسة أناشيد هي: الرؤيا، واللقاء، والمؤامرة، والمراودة، والسجن. وكل نشيد يعبر عن الموقف الذي تمر به القصة، أو يمر به النبي يوسف.
في محنة إلقاء يوسف في البئر (المؤامرة)، تنشد الجوقة قائلة: في ظلام الليل ذاكَ
كان شيطانٌ هناكَ
يوقدُ الأحقادَ والنيرانَ
من هذا لذاكَ
وفي محنته مع زوجة عزيز مصر (المراودة) تنشد الجوقة قائلة: غلَّقت أبوابَها
جهَّزت أسبابَها
وقالتْ: هيتَ لك
قلتَ: لا أبدًا محال
إنه ربي تعال
ذو الجلال
الذي آوى وأخرج من ضلال
واصطفاني من نبيًّ
فارتضى مني نبيا
وارتفعتُ بإذنه قَدْرًا عليّا
وفي محنة سجنه (السجن) تُعلِّق الجوقة قائلة: من ظلمةِ سجنِكَ يا يوسف نبعتْ أنوار
بلغْ يا يوسف رفقاء السجن الأخبار
لا يخفي شيء من علم الله القهَّار
وفي نهاية القصة (اللقاء) تعلِّق الجوقة قائلة: تم اللقاء
وأتى الضياء
وتحقَّق الحلمُ الجميل
زال البلاء
بعد الشقاء
وتكشَّفَ الهمُّ الثقيل
هذا جزاء الصابرين
المؤمنين الثابتين
إلى آخر هذه الأناشيد التي تُضيف بُعدا غنائيا أو فنيا جميلا للقصة، في لغة فصحى سليمة ونطق سليم، وإيقاعات موسيقية هادئة، سواء إيقاعات التفعيلة أو البحور الشعرية المستخدمة مثل: الرجز والرمل والكامل والمتدارك، أو الإيقاعات الصوتية المنغَّمة، حيث لا توجد سوى آلة الدف المصاحبة لهذه الأناشيد والأغنيات.
وفي جميع مشاهد القصة ـ وعددها أحد عشر مشهدا ـ لا تظهر صورة يوسف عليه السلام، ولا صورة أبيه يعقوب عليه السلام، اتباعا للتعاليم الإسلامية في عدم ظهور صور الأنبياء والرسل والصحابة والعشرة المبشرين بالجنة، رضوان الله عليهم جميعا، في شاشات التلفزيون والسينما وعلى خشبة المسرح، وفي الرسوم المتحركة، والفنون التشكيلية من رسم ونحت وخلافه، وتمتد هذه التعليمات لتشمل الأسطوانات المدمجة، وشبكة الإنترنت أيضا كما نرى.
لذا نجد الراوي في أسطوانة "الرؤيا" يقول: قال يوسف، أو قال يعقوب، ثم ينطق بنص الآيات القرآنية المناسبة للموقف.
***
أما وصلة الألعاب فهي تحتوي على أربعة ألعاب هادفة لا دماء فيها، ولا ألفاظ قتل وانتقام كما نلاحظ على الألعاب غربية الصنع التي تدعو في معظمها إلى القتال والعنف وإسالة الدماء، والإعلاء من قيمة الفردية والأنانية، عن طريق الرعب، والقوة المطلقة التي تمحو في طريقها كل شيء يهدد بقاءها، وهي لا تقل في تأثيرها ـ إن لم تزد ـ عن تأثير مجلات الأطفال التي انتشرت خلال سـنوات السبعينيات والثمانينيات مثل: سوبرمان، وطرزان، والوطواط، وغيرها.
اللعبة الأولى على سبيل المثال تحتوي على ميكروب مرضي أو فيروس يهاجم القرية، وتظهر هذه الميكروبات والفيروسات في صورة قنابل هابطة على القرية لتدمرها وتفتك بها، والمطلوب أن يساعد اللاعب غلام القرية في تفجير هذه القنابل قبل سقوطها على الأرض، والتفجير يكون عن طريق وضع المؤشر الدائري في أسرع وقت ممكن على القنبلة وهي تهبط، والضغط على الزر الأيسر للفأرة لتفجير القنبلة أو إفسادها في الهواء قبل وصولها إلى الأرض.
وتمنح اللعبة لاعبها أكثر من محاولة، وأكثر من مستوى، وهي تعتمد في الأساس على سرعة استخدام زر الفأرة، وسرعة توقُّع اللاعب للأماكن التي ستهبط منها القنابل، وسرعة ملاحقتها قبل سقوطها.
ومن خلال موضوعات الألعاب الأربعة، نلاحظ أنها تنتمي إلى بيئة القصة المحرَّكة، حيث غلام القرية الذي يتمنى شفاء أمه، فلجأ إلى حكيم القرية الذي أطلعه على النقوش والكتاب المسحور، ولعل قنابل الميكروبات أو الفيروسات التي تهاجم القرية وتهبط عليها، هي قنابل الجهل التي كادت تودي بحياة هذه القرية.
***
وعلى ذلك تجمع أسطوانة الرؤيا بين القصة الدينية، والأناشيد، وتلاوة آيات قصيرة من القرآن الكريم، والألعاب المسلية المفيدة التي تحمل قيم الخير ومحاربة الشر المتمثل في الميكروبات والفيروسات المدمرة.
لذا اعتبرها نموذجا جيدا للأسطوانات المنتجة إسلاميا للأطفال، التي تدخل في عِداد تكنولوجيا أدب الأطفال الإسلامي التي تعني تثقيف الطفل المسلم من خلال الوسائط المتعددة التي تناسب عصر التكنولوجيا أو العصر الرقمي الذي نحياه حاليا. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية