العيش في أقصى شمال الأرض تحت الصفر

اليرت (كندا) - من ستيفاني بيرتويزيه
بابا نويل لا يصل دائما إلى تلك البقاع

عند اعلى نقطة آهلة على مدار السنة من الكوكب الى شمال الدائرة القطبية تقيم "النخبة المجلدة" الكندية كما تلقب، وسط بيئة ساحرة بقدر ما هي معادية يخيم الليل عليها خمسة اشهر في السنة وتنخفض فيها الحرارة الى ادنى درجاتها لأكثر من اربعة اشهر.
ومع اشتداد الظروف الطبيعية تتحول الحياة اليومية العادية الى معضلة حقيقية بالنسبة الى المجموعة المؤلفة من نحو 75 شحصا المقيمة في محطة اليرت شمال شرق جزيرة ايلسمير على مسافة حوالى 800 كلم من القطب الجغرافي.
وتعتبر هذه المحطة العلمية والعسكرية منذ انشائها في الخمسينات ابان الحرب الباردة اقصى نقطة آهلة باستمرار في شمال الارض.
ويتباهى العسكريون والمدنيون العشرة الذين يقيم معظمهم في المحطة ما بين ثلاثة وستة اشهر بانهم يتناولون وجباتهم في "اقصى مطعم الى شمال الكوكب" ويمارسون الرياضة في "اقرب قاعة رياضية الى القطب".
ويقول براد غوالشماي وهو يقود آليته العسكرية المجنزرة المكيفة للسير على الطرقات المكسوة بالجليد في هذه المنطقة الوعرة "ان ابنة شقيقي تحسدني لانها مقتنعة بانني سارى بابا نويل".
وبعد ان خدم هذا العريف البالغ من العمر 28 عاما مدة سنة في حر الصحراء الافغانية، وصل في آب/اغسطس الى هذه الصحراء القارسة موطن الذئاب البيضاء والثعالب والجواميس البرية.
ويقول غوالشماي راويا انطباعاته "الصمت هنا مذهل. هذا الصباح كنت جالسا على جبل جليد والصوت الوحيد الذي كنت اسمعه كان طقطقة الجليد".
غير ان الحياة في محطة اليرت اقرب الى التحدي منها الى الصورة الرومنطيقية عن الشمال الكبير. ويقول قائد المحطة الميجور كريس دانيل "اننا على سفينة وسط محيط ثلجي. لا يمكننا الاعتماد سوى على انفسنا، ليس في وسعنا الاتصال بالرقم 911" الخاص بالطوارئ.
فالطرقات هنا لا تقود الى مكان وحتى شعوب الانويت لم تستقر في نقطة شمالية بعيدة الى هذا الحد.
واقرب مدينة كندية الى المحطة تبعد 3475 كلم، وهي مدينة ادمونتون بولاية البرتا. والوسيلة الوحيدة للوصول الى اليرت هي طائرات هيركوليز القديمة التابعة للدفاع الكندي. وتقوم احدى هذه الطائرات بالرحلة مرة في الاسبوع من ترينتون شرق تورونتو بولاية اونتاريو لتموين المحطة بالمواد الغذائية والمعدات ولتبديل الفرق العاملة فيها.
وكل ما تتلقاه اليرت من براميل الوقود وصناديق البيرة وصولا الى شاحنتي فرق الاطفاء والصهاريج الضخمة، يصل اليها عن طريق الجو. ويمكن لهذه المحطة المقطوعة تماما عن الجنوب الاستمرار لبضعة اشهر بدون تلقي تموين. فهي تستمد المياه من بحيرة مجاورة وتمكنها مولدات تعمل على المحروقات من انتاج الكهرباء.
لكن حين لا تهبط اي طائرة هركوليز على المدرج المواجه للمحيط القطبي سواء بسبب الاحوال الجوية او عطل ما، يشتد الاحساس بالعزلة على المقيمين في المحطة.
وتقول آلانا غيلمور البالغة من العمر ثلاثين عاما "عليكم التأقلم مع الامر". وتوضح انها حين وصلت الى المحطة للمرة الأولي العام الماضي "كانت بهجتي كبيرة". وتذكر آلانا التي تعمل مساعدة طبيب ان اي طائرة لم تكن عندها حطت في اليرت منذ خمسة اسابيع، ظل خلالها المقيمون في المحطة "بدون مواد طازجة وبريد، كما ان الذين كانوا انهوا مهمتهم كانوا يرغبون في العودة الى منازلهم".
وان كان معظم العاملين في المحطة تطوعوا لهذه المهمة، الا انهم يجمعون على ان "ستة اشهر كافية". فبالرغم من ان اليرت ارض كندية، الا ان التوجه اليها يشبه الخدمة في الخارج.
وتقول آلانا "اصف الحياة هنا بالعيش على كتلة جليدية. ولا يمكن اطلاقا الادعاء باننا ننعم برفاهية العيش في كندا".
وتسود الالفة بين اعضاء فريق المحطة الذين يتضامنون للعيش على سفينة واحدة مثل عائلة كبرى، غير انها عائلة ستبقى بلا ذاكرة جماعية، اذ ان ندرة من افرادها ستعود الى المحطة.