ايران والمقاربة الامريكية الجديدة

بقلم: هشام القروي

خلافا لما توحي به مظاهر التوتر بين طهران وواشنطن على قاع من النزاع والجدل حول المفاعلات النووية، تحدث تقرير صدر حديثا عن ضرورة مقاربة جديدة للتفاهم مع ايران على أكثر من مستوى. التقرير يحمل عنوان "ايران: زمن مقاربة جديدة"، وقد أعدته "مجموعة بحثية مستقلة" بدعم من مجلس العلاقات الخارجية بإشراف د. زبيغنيو بريجنسكي (المستشار السابق للرئيس كارتر لشؤون الأمن القومي) ود. روبيرت م. غايتس، مما يضفي عليه هالة خاصة من الجدية، ودرجة معقولة من المصداقية لدى دوائر السلطة والقرار في واشنطن، وذلك بالرغم مما يعلنه مجلس العلاقات الخارجية من استقلالية فكرية ومؤسساتية إزاء الحكومة الأمريكية. ولكن لا يمكن الاعتقاد أن مثل هذه التقارير تكتب دون أن يقرأها أحد. فالباحثون في هذه الأوساط يعملون من أجل التأثير. وهذا ليس سرا.
التقرير بحجم مائة صفحة، ولن نستعرضه بالكامل، وإنما حسبنا أن نشير في هذه العجالة الى بعض النقاط والتوصيات المهمة. فمع وجود القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان، أصبح التجاور مع ايران في حكم الأمر الواقع، وبعد ربع قرن من اندلاع الثورة الاسلامية، يعترف التقرير بأن ايران تمثل "تحديا قويا وفرصة للولايات المتحدة". والمشاكل المطروحة على بساط البحث ترتبط باهتمامات واشنطن السياسية والأمنية المتنوعة في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر، من ذلك: الانتشار النووي والدعم الحكومي للارهاب والعلاقات بين الدين والسياسة وضرورات الاصلاح السياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط. وينطلق التقرير من استنتاج، وهو أن ايران – بالرغم من وجود عدم رضا شعبي ومعارضة سياسية مهمة – ليست على أبواب ثورة ثانية. فالقوى التي تمسك اليوم بالسلطة محافظة على النظام القائم لا تزال قوية وهي تمثل الطرف الوحيد الذي يمكن التفاوض معه. ولذلك، فإن أي مسعى أمريكي لقلب نظام الحكم وأي محاولة لتغيير النظام من الخارج لن يكتب لهما النجاح. ويعتقد معدو التقرير أنه بالرغم من أن ايران حاولت استغلال الوضع الغامض على حدودها لممارسة النفوذ، فإنه لا يمكن إقصاؤها من الحضور والتأثير في التشكيلة الحكومية سواء في العراق أو في أفغانستان.
وهناك نقاط يؤكد عليها التقرير بشكل خاص، منها:
1- ليس من المستحسن تأجيل الحوار مع ايران الى أن يتم حل قضية الطموحات النووية، فكما فتحت الولايات المتحدة قناة للحوار والعلاقات البناءة مع الصين – وقبلها مع الاتحاد السوفياتي السابق – بالرغم من تحفظها على بعض سياساتها، يمكن أن تفعل نفس الشيء مع ايران.
2- عوض السعي الى "صفقة كبرى" مع طهران، فسيكون أكثر واقعية انتقاء محاور للتقارب يمكن أن تجمع البلدين حول مصالح مشتركة، والتدرج شيئا فشيئا.
3- العقوبات الاقتصادية من طرف واحد لم تأت بنتيجة. لذلك يوصي التقرير باستعمال سياسة أخرى تعتمد التشجيع على أساس أن المبادلات التجارية والاقتصادية قد تكون أكثر فائدة.
4 – ينبغي أن تشجع الولايات المتحدة الديمقراطية في ايران دون استعمال خطاب محوره تغيير النظام، مما قد يثير ضدها حساسيات وطنية.
5 – ينبغي استغلال التغييرات التي وقعت في كل من أفغانستان والعراق لفتح حوار حول مسائل تهم الطرفين، مثل الاستقرار الاقليمي، وربما أيضا الارهاب والانتشار النووي.
ويؤكد التقرير في هذا السياق أنه يتعين على الولايات المتحدة فتح حوار مباشر، أي استئناف وتوسيع مفاوضات جنيف التي استمرت لمدة 18 شهرا مع ايران، في أعقاب أحداث 11 سبتمبر. وهذا الحوار قد يتهيكل حول "تشجيع الانخراط الايراني الايجابي في عملية دعم سلطة الحكومتين العراقية والأفغانية وإعادة بناء الاقتصاد". وفي هذا الاطار، فإن إعلان مبادئ من نوع إعلان شانغاي 1972 (مع الصين) يمكن أن يعطي خطوطا عامة لالتزام ايراني-أمريكي جديد ويحدد أهدافا مشتركة للحوار.
نكتفي بهذا القدر من المعلومات عن هذا التقرير الهام، مع التذكير بأنها مجرد مقاربة من مجموعة مستقلة (وإن كانت ذات تأثير)، وأنه في المقابل توجد مقاربات أخرى قد لا تتبنى بالضرورة هذا التمشي، بل قد تعارضه تماما لتتبنى مفاهيم أكثر صدامية. (نشر بالاتفاق مع جريدة العرب بلندن) هشام القروي