انتفاضة... سنة خامسة

بقلم: هشام القروي

هاهي انتفاضة الأقصى تدخل سنتها الخامسة، دون ان يهدأ أوارها، ودون أن تستطيع اسرائيل أن تلين ارادة المقاومة والتحرر لدى شعب فلسطين، بالرغم من الثلاثة ألف قتيل الذين قدمهم وعدد أكبر من الجرحى، وتضحيات جسيمة. هذه الثورة العارمة جددت كل منطلقات العمل الكفاحي الذي كادت تغمره فضائح الفساد في سنوات قليلة من الحكم الذاتي، مما اعطى للشعب الفلسطيني فكرة عما ينتظره في ظروف تتسم بالتسلط وغياب الديمقراطية الحقيقية.
بالطبع، يربط البعض مفهوم "انتفاضة الأقصى" بالمكان الذي انطلقت منه يوم 28 سبتمبر/ايلول 2000، عندما قطع أرييل شارون ميدان المسجد الأقصى، محاطا بالقوات الاسرائيلية، في تحد سافر لمشاعر المسلمين، مشيرا بتلك الطريقة الى أن اسرائيل ستعيش بالقوة وحدها. وقد رد الفلسطينيون الفعل بشكل ربما لم يتصوره أعداؤهم. بيد أن الانتفاضة فيما أرى لم تكن تعبيرا عن موقف الغضب تجاه ارييل شارون وحسب، فهو لم يكن في السلطة عندما أثار ردود الفعل تلك، وانما زعيم المعارضة. بل تغذت الانتفاضة أيضا من فشل السلطة الفلسطينية الوليدة في الظهور للعالم بأسره – ولشعبها قبل كل شيء – بمظهر المؤسسات العقلانية التي إذ اكتسبت شرعيتها من شعبيتها، فهي تحسن التصرف بما تملكه من صلاحيات. بدلا عن ذلك، ظهرت السلطة الوطنية كالعديد من دول الاستقلال العربية: الكثير من الادعاءات والقليل من الانجازات. الكلام الكبير والتنفيذ "الصغير"...اضافة الى استشراء الفساد وانتشار الولاء المصلحي للأشخاص وشراء الذمم. مما أدى – ويؤدي – في العديد من الحالات الى أنواع من ردود الفعل الشعبية والفردية، تتوزع بين احتقار السلطة الوطنية وازدراء كل إنجازاتها (بالرغم من أن بعضها ايجابي طبعا)، والتمرد والتعبير عن الغضب بشكل عنيف أحيانا. هذه الصورة العامة لازمت المجتمعات العربية الناشئة في دول ما بعد الاستقلال الى اليوم. ويبدو أن الثورة الفلسطينية أيضا لم تفلت منها، ففي الوقت الذي سعت فيه الى التحول من منطق أجهزة الثورة الى منطق أجهزة الدولة، أصابها بعض ما أصاب قوى عربية أخرى قبلها. ومن ثم، فلم تكن الانتفاضة مجرد رد فعل ضد شارون أو ضد اسرائيل أو ضد عملية السلام وحسب. إن هذا التبسيط لم يعد يقنع أحدا. ينبغي أن نرى الانتفاضة كظاهرة اجتماعية وسياسية وحتى ثقافية مرتبطة بوضع محلي ووضع اقليمي ووضع دولي. وآنذاك يمكن أن نحللها بالاستناد الى هذه المحاور، لفهمها الفهم الأصح.
فالانتفاضة تدخل سنتها الخامسة، بهذا الزخم والقوة اللذين لم يتناقصا، فيما يقبع ياسر عرفات في "اقامته الجبرية" دون أن يستطيع أي حاكم عربي – مهما ادعى "الوصول" و"طول الباع والذراع" و"الصولة" و"الصيت" لدى واشنطن أو غيرها من العواصم المتنفذة – أن يخفف عنه الضغط، ولا نقول: أن يحرره، فالأمر يبدو شبه مستحيل. ولذلك أقول إن عجز السلطة الوطنية الفلسطينية من عجز "الحكم الذاتي" في كل أنحاء العالم العربي. وهذا ما يبدو أن الشعب الفلسطيني أدركه بفطنته وحدسه، وهو ما جعله يثور. وفي ثورته درس لجميع العرب. فمازالت الثورة الفلسطينية (الانتفاضة) تعبيرا عن سخط المجتمع العربي على الظلم والتسلط، على المستويات الثلاثة للعمل السياسي: المحلي، والاقليمي، والدولي. هناك رفض لمنطق القوة يشترك فيه الشعب العربي على امتداد وطنه، من المحيط الى الخليج. يظهر هذا الرفض بأشكال شتى من خلال التعبيرات الاجتماعية للمجتمع المدني، عندما يسمح له بالنشاط، ومن خلال العنف عندما لا يوجد حل آخر. هشام القروي http://www.hichemkaroui.com/