أين العرب والمسلمون من التركيبة مجلس الأمن المقترحة؟

بقلم: د. علاء أبو عامر

في الأيام الأخيرة للحرب العالمية الثانية أجتمع في منتجع يالطا على البحر الأسود المنتصرون في الحرب وقرروا أن يحكموا العالم من خلال مؤسسة دولية تكون فيها السيادة والكلمة لهم من خلال مجلس أعلى تنفيذي سمي بمجلس الأمن الدولي وأراد هؤلاء المنتصرون أن تكون دول العالم المهزومة والدول المتخلفة من المستعمرة وشبه المستعمرة والمحمية والموصى عليها...الخ أعضاء شرف ضمن سوق كبيرة سميت بالجمعية العامة للأمم المتحدة هذه السوق أراد لها هؤلاء المنتصرين أن تكون سوقاً للتهليل وفن الخطابة فحسب. فكل ما يصدر عنها لا قيمة له إذا لم يوافق عليه الخمس الكبار أصحاب الرأي والمشورة والعقل، فإن استحسنوا قراراً ربما يمرروه وإذا رأى أحدهم غير ذلك فمن حقه أن ينسف أي مشروع من جذوره ويحيله إلى ورقة قمامة لا معنى لها حتى لو أجمع عليها العالم بفئتيه المتحضرة والمتخلفة.
أريد للأمم المتحدة بأجهزتها المختلفة أن تكون بشكل أو بأخر أشبه ما تكون بنظام الحكم الديمقراطي المتبع في العالم الغربي فالرئيس صاحب القرار النهائي وهنا الرئيس هو مجلس الأمن أو ما يمكن أن نطلق عليه تسمية السلطة التنفيذية بينما تشبه الجمعية العامة حالة البرلمان وهو السلطة التشريعية وتركت السلطة القضائية لمحكمة العدل الدولية ووضع الميثاق ليكون بمثابة دستور أو نظام أساسي دولي.
وكما في الحياة السياسية الداخلية في أي بلد من البلدان ذات الممارسة الديمقراطية الناشئة تبقى الديمقراطية صلبة طالما كان هناك وعي لمخاطر تحول الزعيم إلى دكتاتور متفرد يفرض إرادته على الآخرين، ويحدث ذلك فقط عندما تضعف الهيئات الأخرى وهي الهيئات الرقابية كالبرلمان والقضاء وأحزاب المعارضة وهي في حالة مجلس الأمن الدول الأربع الأخرى (روسيا، فرنسا، بريطانيا، الصين ) إذ بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ومعسكره ضعفت القوى الدولية المناوئة لأميركا وأصبحت هذه الدول لا تبحث عن المنافسة والمواجهة مع الولايات المتحدة بقدر ما أصبحت تصارع من أجل البقاء والحفاظ على مكتسباتها السابقة في مجلس الأمن ضمن التركيبة التي أفرزتها الحرب حيث فقدت مكانتها التاريخية نتيجة انتهاء الحرب الباردة وبرزت الولايات المتحدة كإله أوحد يريد أن يتحكم بمصير العالم وحده دون شركاء ويريد أن يتحلل من القيود التي يفرضها عليه الميثاق وكل القوانين الدولية وتسعى إلى أفراغ المنظمة الدولية من مضمونها الحقيقي كمنظمة راعية للأمن والسلم الدوليين وترغب في تحويلها إلى أداة تمنح الشرعية لنزوات حكامها المصابين بهوس القوة والعظمة وتمنح الشرعية لكل أعمال الجريمة المنظمة التي ترتكبها صنيعتها وربيبتها إسرائيل وكل الدول المارقة من حليفاتها في غزو العراق.. دول العالم الثالث النامية ومعها بعض من دول العالم المتقدم ومن خلال كتلة حركة عدم الانحياز سعت ومازالت تسعى إلى دمقرطة العلاقات الدولية من خلال طرح مفاهيم جديدة للعلاقات الدولية وبلورة قواعد جديدة للقانون الدولي بشكل يتفق مع الواقع الدولي وهذا يلاحظ من خلال الإعلانات والقرارات التي تصدر عن الجمعية العامة والوكالات المتخصصة والمؤتمرات الدولية الأخرى.
وتناضل الحركة من أجل مناهضة محاولات الهيمنة في فرض أنظمة سياسية أو أيديولوجيات معينة على الدول الأخرى، وهي طريق تضامن واقعية بين الدول التي تسعى إلى المحافظة على بقائها والتعبير عن هويتها من خلال التطلع إلى نظام دولي جديد مناهض لكل أشكال الامبريالية والاستعمار، والاستعمار الجديد والتمييز العنصري، ونقض الهيمنة ورفض مناطق النفوذ، وعدم القبول بالاحتلال والتدخل الأجنبي.
ويقوم مبدأ دمقرطة العلاقات الدولية على أساسين:
الأول: مبدأ المساواة ويستند إلى ثلاثة مبادئ هي: مبدأ الحصانة، ومبدأ التعامل بالمثل، ومبدأ عدم التمييز.
الثاني: مبدأ الاستقلال ويتضمن: مبدأ عدم التدخل، مبدأ حق تقرير المصير، ومبدأ السيادة الدائمة على المصادر الطبيعية.
من هنا وبغض النظر عن كل الإجحاف الذي يمثله مجلس الأمن بفعل الهيمنة الأمريكية عليه إلا أن هيئة الأمم المتحدة ما زالت تعتبر ملاذ للدول والشعوب الضعيفة والمستضعفة الذي تستطيع من خلاله صيانة استقلالها وسلامة كياناتها والحصول على دعمها لتحقيق رفاهيتها وأن تعزز مكانتها ونفوذها عن طريق الاتفاق مع غيرها من الدول من أجل تحقيق أهداف سياسية مشتركة.
لقد شهدت العلاقات الدولية منذ انهيار المعسكر الاشتراكي تغيرات كبرى أثرت على كل الاستراتيجيات العالمية إذ في ظل وجود قطب واحد مهيمن على السياسة الدولية ممثلاً بالولايات المتحدة أصبحت دول العالم الثالث بشكل عام والعربية والإسلامية منها بشكل خاص في مواجهة فرضت عليها من الغرب وتحديدا من زعيمة العالم الحر الولايات المتحدة وكون هذه الدول والتي هي أساسا دول عدم انحياز لا يربطها حلف دفاعي، وفي ظل عدم وجود معسكر مقابل يحميها من تدخلات الولايات المتحدة تجد هذه الدول نفسها في خشية من التدخل في شئونها الداخلية بل أن بعضها يخشى التقسيم، فالسياسة الأمريكية الحالية هي سياسة غابية.
ويزداد الضغط على هذه الدول من أجل تبني القيم التي أخذت تسود العلاقات الدولية مثل اقتصاد السوق والتعددية السياسية وحقوق الإنسان، فاضطرت الكثير من هذه الدول إلى التأقلم مع ذلك، لأن الانسحاب من المشاركة في النظام الدولي الجديد يؤدي إلى خسائر قد تكون فادحة إذ ربما قد تخسر هذه الدول المكاسب المالية والمساعدات والأفضليات التجارية أو قد تتعرض إلى العزلة أو التهميش، فضلاً عن أن معاداتها للولايات المتحدة الأمريكية بوصفها الطرف الرئيس في النظام الدولي قد يترتب عليه مخاطر أمنية ربما تصل إلى التضحية بسيادة الدولة.
هذا من ناحية من ناحية أخرى تسعى مجموعة من الدول التي حققت إنجازات علمية واقتصادية على الصعيد الدولي إلى تحويل ذلك إلى إنجازات سياسية من خلال تغيير التركيبة الحالية لمجلس الأمن الدولي وتوسيعها لتشمل دول جديدة.
الولايات المتحدة وافقت على عضوية اليابان وألمانيا، ولكن من الواضح أنهما لن تكونا عضوين دائمين إلا إذا تحقق ذلك بالنسبة للدول الأخرى.البرازيل اقترحت خمسة أعضاء دائمين جدد بدون حق " الفيتو" وهي: ألمانيا واليابان والهند ونيجيريا والبرازيل.
وفي خضم الدورة الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة تعهدت البرازيل وألمانيا واليابان والهند بدعم بعضها
في مساعيها لشغل مقاعد دائمة في مجلس الأمن الدولي وقد اجتمع زعماء هذه الدول في نيويورك على هامش المناقشات الوزارية السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة، وأصدروا بيانًا مشتركًا نقله عدد من المواقع الإخبارية على شبكة الانترنت تعهدوا فيه بدعم ترشيحات دولهم بعضها للبعض الآخر. وأعلن البيان هذه البلدان كمرشحة 'شرعية' لعضوية دائمة في مجلس أمن موسع، والذي يعد توسيعه أحد الموضوعات الرئيسة خلال مناقشات الجمعية الجارية حاليًا، والتي افتتحت يوم الثلاثاء. وفي معرض إشارته إلى أن عدد أعضاء الأمم المتحدة قد ازداد أربعة أضعاف ما كان عليه عند تأسيسها في عام 1945، قال البيان: إن مجلس الأمن المؤلف من 15 عضوًا ينبغي توسيعه بالنسبة للدول الدائمة وغير الدائمة العضوية على حد سواء، بما في ذلك الدول النامية والمتقدمة كأعضاء دائمين جدد. وأشار البيان إلى ضرورة تمثيل أفريقيا أيضًا في العضوية الدائمة للمجلس. تجدر الإشارة إلى أن أي بلد أفريقي لم يحضر الاجتماع الرباعي الذي عقد يوم الثلاثاء لأن القارة ما زالت منقسمة بشأن البلد الذي يتوجب عليها دعمه. ويتنافس على ذلك الآن كل من مصر وجنوب أفريقيا ونيجيريا.
لا يوجد بين هذه الدول أي بلد عربي وإسلامي سوى نيجيريا ومصر وهي الدول التي تطالب بمقعد دائم يمثل القارة السوداء ومن المؤكد أنه إذا اؤخذ بهذا المبدأ فسوف يكون المقعد الإفريقي من نصيب جمهورية جنوب إفريقية وليس غيرها لأسباب معروفة ولا داعي لشرحها، يبقى هناك أمل للعرب والمسلمين في الدخول كأعضاء دائمين لمجلس الأمن وهو الطلب إلى دول العالم بتطبيق نظرية صموئيل هنتغتون المسماة "صدام الحضارات" وإلى أن تطبق هذه النظرية والتي أقترح بموجبها توزيع القوى والمنظمات الدولية الرئيسية على أساس أن يكون لكل حضارة من الحضارات الرئيسية مقعد واحد دائم على الأقل في مجلس الأمن ومن ضمن هذه الحضارات العالم الإسلامي والذي يمكن أن تشغل دوله هذا المقعد بشكل دوري أسوة بالحضارات الأخرى يظل مليار مسلم في العالم بدون تمثيل إلا إذا حملت نيجيريا هذه المسئولية.
صنع الغرب من العالم الإسلامي خصماً له في صراع القرن الواحد والعشرين فالمسلم والعربي بشكل خاص في بداية هذا القرن هو عدو الإنسانية والحضارة والتقدم كما تروج الدعاية الصهيونية وبات الجميع يهاجمنا اليوم والسبب برأي البعض هو نظرية هنتغتون وأصدقائه من المحافظين الجدد وإذ كان الأمر كذلك فلنقنع العالم بأن هنتغتون رجل جيد ومنصف ونصنع له تماثيل في بلادنا لعل ذلك يشفع لنا لدى أعدائنا فيدخلونا من الباب الواسع إلى المجلس كون الاستجداء والاسترخاء هو كل ما يستطيع حكامنا فعله ذلك كان في الأمس واليوم وسيكون غداً وإلى أن يشاء الله أمر آخر وإلى أن نلحق بركب الأمم المتمدنة والمتحضرة والمتقدمة صناعياً وتكنولوجياً وهي الأسس التي تؤهلنا للمنافسة على مقعد كهذا، علينا أن نقبل بالفتات فالذي يقبل بالاحتلال والعبودية وأن تنتهك مقدساته وسيادته وتهتك أعراض نساؤه لا أمل له في مكان تحت الشمس فمكان أمثال هؤلاء هو العتمة والظل الأبدي. د. علاء أبو عامر، أستاذ العلاقات الدولية - غزة