كتاب: المرجعية الشيعية والسياسة في العراق (6)

بقلم: د. موسى الحسيني
ضريح الامام الحسين في كربلاء

لا شك ان هناك اسباب مختلفة مباشرة او غير مباشرة هي التي قادت السيد السيستاني للوقوع بمثل هذا الخطأ، يمكن تشخيص بعضها بما يلي:

1- بعد احتلال بغداد، بالرغم من ان السيستاني كان قد افتى بالجهاد ضد العدوان انزوى السيد واعتكف في منزله، وكما مر الاشارة له، في وقت كان فيه الناس في احوج ما يمكن لقيادة، او زعامة دينية، تهدأ من حالة الاهتزاز الفكري والتشوش النفسي الذي عانوا منه. وكما هو ثابت علمياً، يشعر الانسان عادة بالحاجة للقيم الروحية والدينية لتهدئة مشاعر الاحباط والاحساس بالفشل والهزيمة عند وقوع الشدائد والمصائب الكبيرة.
ان انسحاب السيد السيستاني هذا، خلق حالة من الفراغ في القيادة الدينية أو الروحية، مما فتح الباب واسعاً اما السيد مقتدى الصدر لأن يأخذ هذا الدور، رغم انه ليس مرجعاً دينياً ولا فقيه، بل رجل دين، وابن مرجع كبير، تداخلت هذه العوامل مع ما عنده من سمات الزعامة والقيادة، والقدرة على التعبير عن مطالب شعبه بطوائفه المختلفة، فألتف حوله مقلدي ابيه مع اعداد كبيرة من الشباب الشيعة ممن تتأجج فيهم المشاعر الوطنية والرغبة في الخلاص من الاحتلال.
ان الظهور الكبير للسيد مقتدى الصدر، ولا شك سيكون له اثاره في تأجيج نزعات الحسد والغيرة عند البعض من اتباع السيد السيستاني، خاصة حاشيته ووكلائه، الذين لابد أنهم عانوا من الاحساس بفراغ وغموض الموقف الذي يعيشونه. هذا اضافة الى ان وسائل الاعلام بدأت تعرض صور وتصريحات وكلاء السيد الصدر، مهملةً بشكل كلي السيستاني ووكلاءه.
لا شك ان مشاعر الحسد تفاعلت بشدة مع المركبات اللاشعورية للأحساس بالذنب، وما تخلقه هذه التفاعلات من اوهام، فتخيل بعضهم وكأن السيد مقتدى يشكل حاجزاً بينهم وبين رغبتهم في اداء ادوارهم الوطنية أو الاجتماعية، عبرت هذه الانفعالات عن نفسها بتوجهات بعيدة عن ما مطلوب منهم عمله في هذه المرحلة وبدأت تظهر مشاكل هي أبعد عن الدين أو الموقف المناسب للتعامل المعاناة الوطنية، وغدت الامور الثانوية التي يمكن ان تندرج تحت مفهوم المنافسة على الزعامة وكانها هي السبب وراء ما ألت اليه الحالة في العراق، وتناقلت وسائل الاعلام الاخبار عن صراعات حول من يمتلك الاحقية في ادارة العتبات المقدسة وهل يمتلك السيد مقتدى الصدر الحق في ان يحتل موقع المرجعية وشنوا ضده حملة قوية لتسفيه شعاراته ومواقفه الوطنية، شبيهة بتلك الحملة التي شُنت على المرحوم الشهيد والده السيد محمد صادق الصدر، بدوافع الخوف من قيادته التي بدأت من خلال استقطابها للناس تشكل تهديدا لطموحات الزعامة التي تضغط على نفوس بعضهم بشكل مرضي.
سواءً اكانت مشاعر الحسد هذه قد نفذت تلقائياً، وبحكم الطبيعة البشرية لنفس السيد السيستاني، أو انها أُستُثيرت من خلال حاشيته واتباعه الذين امتعضوا من ارتفاع اسهم شعبية السيد مقتدى الصدر، فكان رد فعل السيد السيستاني، على ما يبدو، بطريقة تشبه محاولة تأكيد الذات، وأشعار الاخرين بوجوده، وحجم قوته. لكنه لم ينطلق في ذلك من موقعه كفقيه، وهو ما يتفوق فيه على السيد مقتدى الصدر أو اي من الزعامات الدينية الاخرى. بل حاول ان يضع نفسه بموقع الزعيم الشعبي، وبرؤى سياسية، محكومة بعقدة الحفاظ على الموقف الوسط، أو المنزلة بين المنزلتين المعتزلية، التعبير عن رغبة القاعدة العريضة من ابناء الطائفة في الاستقلال ورفض الاحتلال، وتحاشي الاصطدام بقوى الاحتلال، أو إثارة امتعاضها منه. فكانت لعبة المطالبة بالانتخابات، وتعطيل هذا الطلب بربطه بارادة الامين العام لهيئة الامم المتحدة، لا بإرادة الشعب.
أي انه انطلق من موقع الزعيم السياسي ليدعم زعامته الدينية، فسجل فشلاً في ترسيخ دوره السياسي وبشكل يمكن ان يضعف مكانته الدينية. مع انه كان له يمكن ان يكسب الزعامتين الروحية والسياسية، لو انه قد انطلق من موقع الفقيه، باعلان ما مكلف به من واجب شرعي والافتاء بالجهاد الدفاعي، أو على الاقل الافتاء بمقاطعة المحتل وتحريم التعاون معه اذا كان هناك من الموانع العامة أو الشخصية ما يجعله يتردد في الافتاء بالجهاد. فمن الصعب ان يقتنع المسلم العراقي، شيعياً أو سنياً، ان منح امتياز زراعة وتوزيع التنباك في ايران لشركة بريطانية، اكثر اهمية في استثارة المرجعية من احتلال العراق، وتخريب بناه الاقتصادية والاجتماعية، وانتهاك حرماته المقدسة.
2- ان عملية اتخاذ القرار وهي عند المرجعية تساوي تحديد أو استنباط الموقف الشرعي من موضوع ما، تعتمد عادة على مجموعة كبيرة من العوامل، اهمها مصادر الحصول على المعلومات عن الموقف المطلوب اتخاذ قرار بصدده.
ومصادر المعلومات عند المرجعية تعتمد على ركيزتين:
الاولى، الحاشية: وتعني مجموعة المساعدين المقربين للمرجع والذين يساهموا بأدارة الشؤون اليومية للمرجعية. كجباية الاموال، والاشراف على توزيع بعضها، والاشراف على الاوقاف والمدارس الدينية، وتنظيم مواعيد المرجع، واستقبال ضيوفه، وغيرها من الشؤون الاخرى.
وتضم عادة اولاده أو بعض من اقاربه.
ويتميز افراد الحاشية بقدراتهم على التأثير في عقلية المرجع وتوجهاته، بحكم ما يمنحه القرب والتعامل اليومي من امكانية التعرف على طرق تفكير المرجع ورغباته، وما يثير حنقه أو رضاه.

الثانية، مجموعة الوكلاء: وتتشكل في العادة من ممثلي المرجع في المدن والمناطق المختلفة. ويقوم الوكيل عادة، بكل ما تقوم به الحاشية ضمن حدود المدينة او المنطقة منسب للعمل بها. اضافة للصلاة بالناس، والارشاد، ونقل فتاوي المرجع واجتهاداته لمقلديه.
هناك دائماً نوع من التنافس او الصراع الخفي بين هذين المصدرين، ويتهم الوكلاء افراد الحاشية، بأنهم ينزعون الى محاصرة المرجع وعزله عن مقلديه، ووكلائه، ومنع وصول الحقيقة أليه، كما هي في الواقع. وينَسِبْ الوكلاء اخطاء المرجع الى الحاشية، وعدم امانتهم في نقل الحقيقة اليه.
ولسنا على اتصال، أو معرفة مباشرة بالحاشية المحيطة بالسيد السيستاني، للحكم عليها، لكن ما يلاحظه الناس من بعض "اجازات الوكالة" التي منها السيد لبعض الناس الذين ليسوا غير مؤهلين، فقط، بل هم اقرب في ممارساتهم اليومية لدور رجل الاعمال، او البائع المتجول منه لرجل الدين التقي الورع المؤهل لان يمثل المرجعية. وعند الاستفسار عن المعايير التي اعتمدها السيد في منح مثل هذه الاجازات، يكتشف الانسان ان هذه الاجازات يمكن ان تباع وتشترى في بعض الاحيان دون اعتبار الاهلية الشخص. يمنح السيد هذه الوكالات على اساس تزكية اثنين من وكلاءه، أو احد الوكلاء، وأخر من الحاشية. كل اهلية هؤلاء الوكلاء على المرجعية هي قدراتهم بالاتصال بتجار الخليج، والتعامل معهم باسم المرجع للحصول منهم على ما لديهم من اموال الحقوق والخمس والزكاة والتبرعات، التي لا يصل منها في المحصلة النهائية لميزانية المرجعية إلا أذن الجمل، الذي يذهب جميعه وبما حمل لصالح (رجل الاعمال هذا- الوكيل) واولئك الذين رشحوه أو اعانوه على الحصول على الوكالة.
عندما تكون مصادر معلومات صاحب القرار غير دقيقة بهذا الشكل، سيكون القرار بالنتيجة ضعيفاً او بعيداً عن ملامسة جوهر المشكلة المطروحة، ولا يدل هذا على خلل في أعلمية السيد السيستاني الذي شهد له بها الجميع. بل يكون في مثل هذه الحالات بموقع الضحية. لكنه هنا يمثل مرحلة من تاريخ المرجعية أو الطائفة عامة، تصبح الطائفة مجسدة بمرجعيته هي الضحية.
يأمل الانسان ان يتجاوز السيد مكامن الخلل هذه، منعاً من الوصول لحالة من تراكم الاخطاء الى الحد الذي لا يتمناه الانسان، وان يأخذ المرجع دوره المكلف به شرعاً لمواجهة المحنة التي يمر بها شعبنا المسلم في العراق بشيعته وسنته، دون حساب لرضى أو زعل هذا الطرف أو ذاك، وبما يحقق مرضاة رب العالمين. بذلك سيتبوأ ا السيد الزعامتين الروحية والسياسية بدون منازع والله من وراء القصد. ويشهد الله اني كتبت ما كتبت حباً، وتقديرا ً، واجلالاً لمكانة السيد السيستاني، أملاً وكل المخلصين من ابناء الطائفة، ان نكون جنداً بقيادته، لعل الله يغفر لنا ما تقدم أو تأخر من الذنوب، وعلى اساس الرأي القائل صديقك من صدَّقْك لا من صَدَقك.
والموت حق، وقد علمنا جدنا الامام الحسين، صحة ما قاله الفيلسوف اليوناني ارسطو، حين وصف موت الجبناء بالموت غرقاً أو الموت على فراش المرض، واسمح لنفسي في ان اتفلسف أو أتطفل على الفلسفة، فاضيف لهما الموت بحادث سيارة، أو بصاروخ اميركي، او اسرائيلي جاء خطأ ليهدم بيت أو يقتل اولئك الذين اختاروا حالة "احسن ما تيسر"، واطفالهم، ليجلسوا ويتباكوا على منازلهم وذويهم، او يصرخوا هل تقبل هذا يا علي، يا ابا عبد الله الحسين، وكأن الحسين قد قال لهم ان يركنوا للذل والاستكانة والتباكي امام عدوان غاشم. د. موسى الحسيني