شارون: من ملك اسرائيل إلى خائنها

القدس - من باتريك انيدجار
شارون يريد انهاء حياته السياسية بانجاز يخلده

بعدما كان اليمين الاسرائيلي يمجد في الماضي ارييل شارون ويلقبه ب"ملك اسرائيل"، بات معسكره اليوم بعد مضي اربع سنوات على الانتفاضة يعتبره "خائنا" منذ اعلن عزمه ازالة مستوطنات.
ويشهد هذا التبدل في صورة الزعيم الاسرائيلي البالغ من العمر 76 عاما والذي كان يتباهى قبل وقت قصير بقدرته على ضمان امن مواطنيه بالقوة، على تطور سياسي تأثر باربع سنوات من العنف.
وفي حين لا يزال الفلسطينيون يعتبرون شارون "عدوا لدودا" لهم لانه يتحدث خصوصا عن التخلص من خصمه الدائم رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات، لم يعد رئيس الوزراء الاسرائيلي على ما يبدو "الجرافة" التي كان يلقب بها في الماضي حين كان يدعو الى حل عسكري يمهد لخوض مفاوضات من موقع القوة.
وتمثل خطته لفك الارتباط مع الفلسطينيين والتي تتضمن ازالة مستوطنات قطاع غزة الـ21 واربع مستوطنات شمال الضفة الغربية، عثرة تحرمه تأييد المتشددين اليمينيين الذين يشكلون معسكره منذ ثلاثين عاما.
وبعدما كان هؤلاء القوميون يمتدحونه عند انتخابه في شباط/فبراير 2001، بات بعضهم يتهمونه اليوم بانه "خان" قضية الاستيطان، حتى ان عددا منهم يتهمونه بالسعي الى ارتكاب "تطهير عرقي" في حق اليهود في قطاع غزة بمباركة صديقه وحليفه الرئيس الاميركي جورج بوش.
وقال مسؤول مقرب من رئيس الوزراء طالبا عدم ذكر اسمه "ان شارون فتح عينيه. ادرك ان حل النزاع يكون سياسيا بالمقام الاول".
واضاف "لقد تقدم في السن، وهو يعرف انها آخر ولاية له، وانه من غير المستحسن بالرغم من ماضيه العسكري المليء بالامجاد ان يحفظ منه التاريخ صورة الرجل الذي انهى حياته السياسية في الدماء والعنف".
وقد اعلن شارون اخيرا ردا على منتقديه "انني اتصرف بطريقة ديموقراطية. الليكود ضدي، لكنني ايضا رئيس الوزراء وانا مسؤول تجاه شعب ودولة اسرائيل".
وكان موقف شارون على قدر خاص من القسوة بالنسبة للمستوطنين الذين كانوا يرون فيه مثالا يحتذى به، وهو قد انتقل الى منزل في قلب الحي المسلم بالقدس الشرقية قبيل الانتفاضة الاولى التي بدأت في كانون الاول/ديسمبر 1987. كما انه قام في نهاية ايلول/سبتمبر 2000 بزيارة تنطوي على استفزاز كبير الى باحة المسجد الاقصى، اشعلت بصورة غير مباشرة فتيل الانتفاضة الثانية.
واكد النائب نيسان سلوميانسكي من الحزب القومي الديني الناطق بلسان المستوطنين في شباط/فبراير "ان شارون لن يفعل بنا ذلك ابدا. الاستيطان هو انجاز حياته ولن يدمره".
غير ان النائب ذاته عاد في مطلع حزيران/يونيو بعيد اقرار الحكومة خطة الانسحاب من قطاع غزة، واقر بان "شارون خان قضيته (..) وبات اسير الوهم بانه من الممكن التوصل الى السلام مع الفلسطينيين".
ويذكر هذا التطور في موقف شارون بمسار جنرال آخر سجل ماضيا عسكريا لا يقل مجدا عن ماضي شارون وتولى ايضا رئاسة الحكومة، وهو اسحق رابين الذي وقع اول اتفاقات مع الفلسطينيين وقتل في تشرين الثاني/نوفمبر 1995 برصاص متطرف يميني يهودي.
ولا تزال الشكوك تحوم حول نوايا شارون الحقيقية. ويؤكد المعلقون السياسيون على براعته في التلاعب بالرأي العام، مشيرين خصوصا الى انه اعلن خطته للانسحاب من غزة بعد قليل على كشف معلومات تتهمه بالضلوع في فضيحة مالية.
وما يغذي الشكوك ان الحصيلة التي حققها بعد اربع سنوات من العنف لا تزال موضع جدل، ولو انه تمكن من احتواء الانتفاضة.
ويأخذ منتقدوه عليه انه تردد طويلا قبل بناء "الجدار الامني" في الضفة الغربية الذي اثار ترسيمه فيما بعد موجة احتجاجات دولية والحق اضرارا بنحو 600 الف فلسطيني، بحسب منظمة بيت سليم الانسانية الاسرائيلية.
وتواصلت في عهده تصفيات الفلسطينيين المطلوبين وتكثفت، كما تكثفت عمليات اعادة احتلال قطاعات تابعة للسلطة الفلسطينية والاعتقالات وهدم المنازل وتوسع الحركة الاستيطانية في الضفة الغربية.