كتاب: المرجعية الشيعية والسياسة في العراق (5)

بقلم: د. موسى الحسيني
القوات الاميركية تجاوزت لاحقا كل الخطوط الحمر في مناطق العتبات المقدسة

يعتبر الجهاد عند الشيعة، كما هو عند بقية المذاهب الاسلامية الاخرى، ركناً من اركان الدين، مثله مثل الصلاة والصوم والزكاة والحج، ولا يقل اهمية عن اي من هذه العبادات. واتفق فقهاء الشيعة، من اصحاب المدرستين، على أحقية الامام الوصي وحده في اعلان الجهاد الابتدائي، اي حالة اعلان الحرب لفتح بلاد أخرى بهدف نشر الدعوة الاسلامية، إلا انهم (اي الفقهاء) تركوا حق الافتاء في الجهاد الدفاعي - اي مقاومة احتلال اجنبي- للفقيه أو المرجع. وكما لاحظنا من خلال سلوك أئمة الشيعة المعصومين، وحتى غالبية فقهاؤهم، يميزون بين طبيعة نظام الحكم وشخصية الحاكم وبين البلد او الدولة الاسلامية، التي تتخذ هويتها هذه من خلال كون جمبيع أو أغلبية سكانها من المسلمين، كما هي الدولة الاموية والعباسية والعثمانية، ونفس الامر يمكن ان ينسحب على الدول الاسلامية الحالية والعربية من ضمنها.
لم يشذ السيد السيستاني عن هذه القواعد الفقهية التي يجمع عليها مجتهدي ومراجع الشيعة، والدليل على ذلك مبادرته للافتاء على مقاومة العدوان الاميركي الاخير على العراق، بأيام قليل قبل الحرب. إلا ان السيد لجأ للعزلة والانزواء بعد انتصار قوى الاحتلال. واثار بذلك تساؤلات الكثير من الشيعة وبقية المسلمين. هل يجوز لزعيم، قائد، مرجع، فقيه ان ينزوي بمثل هذه الاحوال، وجزمات جنود اليمين المسيحي المتطرف تدوس على كل ما هو مقدس؟ فجأة خرج السيد من عزلته وصمته ليدعوا لاجراء الانتخابات كبديل عن اتفاق نقل السلطة الذي تم بين بريمر وموظفيه من العراقيين العاملين فيما سُمي بمجلس الحكم. لكن المفارقة العجيبة ان السيستاني تخلى أو ألغى مطلبه الخاص في اجراء الانتخابات، عندما وضع شرط اجرائها بموافقة الامم المتحدة. تلك الهيئة الدولية التي لم يعد يُخفى على الجميع، في انها تحولت بعد العدوان على العراق – على الاقل- الى شبه مؤسسة تابعة لادارة الرئيس بوش، تنحصر مسؤولياتها في تبرير التوجهات الاميركية المعادية للعرب والمسلمين، وشرعنة سلوكيات هذه الادارة. اي انها سوف لن تنصح باتخاذ موقف يمكن ان يزعج او يشوش على النوايا الاميركية اتجاه العراق. اي كمن يقول انا اطالب بالانتخابات اذا وافقت اميركا على هذا الطلب. أو كمن يقول لجائع منقطع، يتضور جوعاً، خذ هذه التفاحة، سد بها رمقك، وانقذ حياتك من الموت ولكن انتبه الى ان التفاحة مسمومة..!
فالسيد وكما ذكرنا طالب بالانتخابات، ورفض هو بنفسه مطلبه بنفس الوقت من خلال نفس الاعلان.
ان مطالبته هذه لا يمكن ان تفهم إلا تحت عنوان "المناورة" اللبقة، أو صورة من صور استعراض القوة تظل في جوهرها أدنى من ان تثير بحجمها واتجاهها حفيظة قوات الاحتلال، وتوحي للناس بأنه ادى واجبه الشرعي بمواجهة بعضٍ من ممارسات المحتل. أدرك بريمر طبيعة اللعبة، فأظهر بشكل مكشوف استخفافه بها، من خلال تصريحاته المتتالية بالتأكيد على المضي في انجاز ما يسمى باتفاق نقل السلطة. وحرك موظفيه في مجلس الحكم لنقل رسالته هذه للسيد السيستاني. وشارك الامين العام لهيئة الامم المتحدة بدوره في اللعبة، فارسل رسالة للسيستاني، نقلها عنه الباجه جي مفادها: "اذا أردنا ان نلتزم بالموعد المحدد لنقل السلطة والسيادة في 30 حزيران الى العراقيين، من الصعب ان تجري انتخابات تعكس حقيقة الرأي العام الشعبي العراقي."
ثم تم اخراج اللعبة بالشكل الذي يحفظ ماء وجه السيد، بتوصية من الابراهيمي مندوب الامين العام لهئية الامم المتحدة، وبنفس لغة "اللعم"، التائهة بين لا.. ونعم. نعم للانتخابات لكن الوقت غير مناسب الآن. أو ان "انتخابات مبكرة قد يكون ما شأنها افادة المتطرفين اكثر من المعتدلين، وقد تعزز انقسام المجتمع العراقي."
وهي نفس النغمة التي يتكلم بها السيد ولو بكلمات ومصطلحات اخرى.
او كما يقول احد اعضاء مجلس الحكم عدنان الباجه جي "اذا ما اردنا ان ينتهي الاحتلال وتنتقل السلطة ونحصل على السيادة في 30 حزيران فلا مجال لاجراء انتخابات الان، الوقت غير كاف."
اما كيف يمكن ان ينتهي الاحتلال بدون وجود قيادة وطنية يمكن ان تستلم السلطة. واية سيادة هذه التي سيهبها بريمر لموظفيه.!
استثمرت سلطة الاحتلال وموظفيها من العراقيين فرصة دعوة السيد السيستاني لاطلاق حملة اعلامية مكثفة لتبرير استمرار الاحتلال بأعتباره "احسن ما تيسر"، وقبول السيستاني بتأجيل البحث في موضوع الانتخابات، يقدم دالة جديدة على صحة ذلك الطرح.
بغض النظر عن صحة او خطأ كل هذه الاطروحات، إلا ان ما هو ثابت، هو انتصار ارادة بريمر على كل ما عداه. اي انتصار الرأي الذي قال به الحاكم الاميركي في ان ليس هناك من حل بديل لاتفاق نقل السلطة إلا بالطريقة التي ارتآها هو. استوعب بريمر بذلك موقف السيستاني نفسه ليحوله الى دليل أخر يؤكد صحة وسلامة خطته. فها هو المرجع الاعلى يتوقف ويسحب مطالبته بالانتخابات – وهذا يعني في المحصلة النهائية القبول باستمرار الاحتلال بشكل سافر ومباشر، أو بشكله المقنع كما نص على ذلك اتفاق نقل السلطة. وبنفس الطريقة الوقحة التي يصف بها بريمر ابطال المقاومة، بأنهم اجانب. فانه قد لا يتردد المحتل غداً في ان يتهم كل من يطالب بانهاء الاحتلال بأنه خارج على رأي المرجع وقناعاته. وهذا يمثل شكلاً من اشكال الرد على الفقيه، "والرد على الفقيه... كالراد على الله، وهذا بحكم الشرك." وجزاء "حد الشرك" معروف.
لعل بريمر استند لهذه القاعدة الشرعية لتبرئة ذمته عند اغتيال الدكتور عبد اللطيف المياح بعد ظهوره على شاشة الجزيرة ليعلن تأييده للمطالبة بالانتخابات. اي ان السيد السيستاني وقف موقف من يشرعن استمرار الاحتلال من خلال مطالبته بأجراء الانتخابات، ومن ثم تراجعه عن هذا المطلب بعد اقتناعه التام برأي الابراهيمي في ان ليس هناك من حل غير ما قال به بريمر.
لم تتوقف سلطة الاحتلال عند هذه الحد لاثبات ان سيادتها تعلو على كل ارادة، فقامت وبعد ايام قليلة من تراجع المرجع عن مطالبته بالانتخابات، بابدال المجلس البلدي المحلي في كربلاء، دون استشارة احد، أو الاخذ برأي المرجعية في هذا الامر في تحدي مقصود يقول للاخرين أن لا صوت يعلو فوق صوت بريمر حتى في معقل المرجعية نفسها.
كل ما حققه السيستاني من مكاسب في لعبة المطالبة بالانتخابات، هو الظهور الاعلامي المكثف على الصفحات الاولى لكبريات الصحف العالمية، وشاشات التلفزيون.
عند تحليل معنى هذه الحملة الاعلامية المكثفة، وفقاً لمناهج الحرب النفسية، ومناهج علم النفس الاجتماعي في الدعاية والاعلان، يمكن القول ان الغاية المرجوة من هذه الرسالة هي: لاحظوا ان هذا الرجل العظيم الحريص على مصلحة شعبه، اقتنع اخيراً ان ليس هناك من حل لمستقبل العراق غير ما تراه وتخطط له سلطة الاحتلال.
حاشى ان نتهم السيد بما يمكن ان يوحي بالمساس بنزاهته ووطنيته، لكن ما لا يمكن تجاوزه هو انه اجتهد فأخطأ، خطأً جسيماً يحسب عليه بحسابات غلطة الشاطر، وقدم بذلك خدمات جليلة ما كانت تحلم بها قوة الاحتلال ولا حتى في الخيال. إلا ان ما يتمناه المرء هو ان لا يكون هذا الخطأ اساساً لتراكمات جديدة من الاخطاء، بما يمكن ان يجعله في موقف لا يحسد عليه، دنياً ولا دنيا. (كتب هذا الفصل قبل احداث النجف الاخيرة). د. موسى الحسيني