الطوفان: فيلم سوري ينتقد حزب البعث

بيروت - من هنري معمرباشي
الفيلم يشرح أزمة المجتمع السوري

في اشارة عميقة المغزى صفق جهور لبناني غفير بحرارة لفيلم المخرج السوري عمر اميرالاي "الطوفان" الذي ينتقد بشدة النظام البعثي والذي تزامن عرضه الثلاثاء مع اليوم الاول من الانسحاب الجزئي للجيش السوري من لبنان.
ويظهر فيلم اميرالاي الوثائقي الذي يعرض للمرة الاولى في بلد عربي في اطار مهرجان سينمائي مساوئ 35 عاما من حكم البعث في سوريا الذي طبع المجتمع بايديولوجيته المتحجرة.
يقيم عمر اميرالاي في دمشق. وقد فاز فيلمه الذي انتجته قناة "ارتي" الفرنسية الالمانية جائزة افضل فيلم قصير في بينالي السينما العربية الذي اقامه معهد العالم العربي في باريس هذا الصيف. ورغم ذلك بدأت بالفعل حملة في الصحف التونسية لمنع عرضه في مهرجان قرطاج السينمائي التونسي الذي سيقام في تشرين الاول/اكتوبر المقبل.
وقبل 33 عاما اخرج اميرالاي فيلمه الاول عندما كان من اشد المتحمسين لعملية تحديث البلاد تحت راية حزب البعث العروبي الاشتراكي والذي يمجد فيه بناء اول سد كبير يقام على نهر الفرات ويعتبر مفخرة لسوريا.
وتمر السنين على بحيرة الاسد ويعود المخرج الى المكان ويتوقف عند بلدة الماشي (400 كلم شمال شرق دمشق) التي تجسد صورة البلد الذي صاغه البعث منذ 40 عاما وهنا يشعر بالاسف لغلطة شبابه ويخرج الطوفان.
وبدون تعليق يظهر الفيلم اسلوب سير نظام يرافق فيه النفاق الايديولوجي المواطن من الطفولة الى الكبر.
وبدون اي تدخل او انتقاد تسجل كاميرا عمر اميرالاي الخطابات: رئيس البلدية والنائب البعثي منذ نصف قرن الذي تمجد كل كلمة يقولها الحزب والرئيس الراحل حافظ الاسد او معلم المدرسة الذي نراه وسط تلاميذه يعدد انجازات النظام بل ويشرح معنى كلمة .. حرية.
ويظهر مغزى الفيلم واضحا من خلال نظرة الكاميرا اللاذعة. وخطاب تمجيد البعث يرتد عليه ويجعله موضع استهزاء وسخرية.
كذلك تقول النهاية الكثير حيث تتوقف الكاميرا على مشهد لاربعة اجهزة كمبيوتر في صناديقها وقد وضعت على الارض بجوار حائط فصل دراسي في الوقت الذي يتشدق فيه المعلم بمزايا تكنولوجيا المعلومات التي ادخلها الى سوريا الرئيس الشاب بشار الاسد.
وفي مشاهد سابقة يظهر مدير المدرسة يشرح بفخر وبصوت جهوري كيف استورد الرئيس حافظ الاسد اساليب البعث بعد زيارة لكوريا الشمالية.
ويثير الفيلم الذي يعرض في واحدة من اكبر دور العرض في بيروت ضحكات الجمهور اللبناني الشامت. ويقول احد المشاهدين "اننا نضحك رغم اننا نريد البكاء".
لكن ربما ينبئ عرض هذا الفيلم بعالم عربي في حالة تغيير حتى وان كانت هذه التغييرات تفرض عليه دائما من اعلى.
فاليوم شهد هامش الحرية المحدود اتساعا. واصبح النظام اكثر تساهلا ولم يعد البعث يفرض منذ عام الزي الالزامي حتى وان كان يتعين ان يكون المعلمون من اعضاء الحزب.
لكن في تونس لقى الفيلم نقدا قاسيا قبل بضعة ايام في مقال لصحيفة "الشروق" مما ينذر باعادة النظر في عرضه في ايام قرطاج السينمائية.
واعتبر مقال هذه الصحيفة الواسعة الانتشار الذي نشرته قبل ايام الصحف السورية ان المطالبة بعرض هذا الفليم الوثائقي تترافق مع الحملة التي تشن منذ بضعة اشهر على سوريا.