ما فعلت الولايات المتحدة في العراق وما فعله لها

بقلم: ماجد كيالي

بات العراق يحتل المشهد السياسي على الصعيد الدولي، كما على الصعيد الإقليمي. ففي هذا البلد تجري اختبارات الحرب العالمية الرابعة، بتجلياتها الأمنية والسياسية والاقتصادية والثقافية، والتي من ضمنها: أولا، الصراع على المصالح بين الدول الكبرى في المنطقة العربية، ولاسيما الصراع على نفط الشرق الأوسط؛ ثانيا، تحديد مصير الحرب الأمريكية على الإرهاب، بالمضامين والوسائل التي اتبعتها إدارة الرئيس بوش؛ ثالثا، امكان تجاوز الصراع العربي ـ الإسرائيلي، في الترتيبات الأمنية والسياسية والاقتصادية المفترضة للشرق الأوسط؛ رابعا، مدى قدرة الولايات المتحدة على ترسيخ هيمنتها كقطب أوحد، على الصعيد الدولي، بمعزل عن المرجعيات الدولية؛ خامسا، إضفاء نوع من الشرعية على مبدأ "الحرب الوقائية"، كبديل عن سياسة الحوار والدبلوماسية والمفاوضة التي رسختها حقبة الحرب الباردة، ومسارات الاعتماد والتعاون الدولي.
وكانت الولايات المتحدة شنت الحرب لإسقاط نظام صدام حسين (السابق) واحتلال العراق، بدعوى سعيه لامتلاك أسلحة دمار شامل وعلاقته بالجماعات الإرهابية، وبدعوى نشر الديمقراطية والازدهار فيه، وتحويله إلى نموذج يحتذى في المنطقة العربية.
جدير بالذكر، أيضا، أن الإدارة الأمريكية، في حربها على العراق، أنها كانت تعتقد بأنها ستلقى في هذا البلد استقبال الفاتحين، بحيث يكلل الشعب العراقي هامات جنودها بالورود، ويدين لها بالعرفان. وفوق هذا وذاك فإن المنظرين للحرب على العراق في هذه الإدارة، لاسيما المنتمين إلى تيار "المحافظين الجدد"، كانوا يتخيلون بأن عدوى النموذج العراقي ستنتقل، كبقعة زيت، إلى البلدان المجاورة، على طريقة "الدومينو" ما يسهل تغيير الشرق الأوسط، بمعاييره السياسية والاقتصادية والثقافية والقانونية، وبما يتلاءم مع المصالح والاولويات والرؤى الأمريكية.
وفي خضم هذه التخيلات والتوهمات، لم يلق المخططون في البيت الأبيض والبنتاغون بالا للفاعلين الدوليين الآخرين، خصوصا "الشركاء" في أوروبا، بل إنهم أطلقوا مصطلح "أوروبا القديمة"، أو "أوروبا العجوز" للنيل من الموقف الأوروبي، الذي مثله الرئيسان الفرنسي والألماني (شيراك وشرويدر)، المعارض لحرب العراق، وذهبوا إلى الحرب برغم معارضة المجتمع الدولي، حرصا منهم على قطف "الجائزة" لوحدهم، وظنا منهم أن القوى الدولية المعارضة للحرب لن تلبث أن تعود إلى بيت الطاعة الأمريكي محفوفة بعبارات الندم والاستغفار.
اللافت أن أي من هذه الأمور لم يحصل، والأنكى أن الولايات المتحدة باتت تواجه في كل يوم مشكلة جديدة في العراق لم تخطر على بالها، ولم تحسب لها حساباً؛ ولعل هذا ما دفع الرئيس الفرنسي، جاك شيراك، للتصريح مؤخرا بأن "الولايات المتحدة فتحت أبواب جهنم في العراق وعجزت عن إغلاقها".
ولعل تفسير ذلك يكمن في أن الولايات المتحدة، التي كانت مسكونة بهاجس دورها "الرسولي"، والتي كانت غارقة في العمى الأيدلوجي (التغييري والانقلابي)، والممسوسة بجبروت القوة التي تمتلكها، لم تكن تجد نفسها معنية بتفحص حججها ومقولاتها وسياساتها إزاء العراق، ولم تكن معنية بالتكهن بردود الفعل عليها في المجتمع العراقي، وفي عموم المنطقة العربية، فضلا عن انعكاسات هذه السياسة على مكانتها أو صورتها على الصعيد الدولي.
النتيجة أن الولايات المتحدة، وبحسب المثل الشعبي "بدل أن تكحلها عمتها"، فبدلا من أن تجلب الديمقراطية والاستقرار والازدهار في العراق، بات العراق مرتعا للخراب والدمار والقتل العشوائي. ففي ظل الوجود الأمريكي بالذات تحول العراق إلى مقتلة يومية للعراقيين والأمريكيين، وللمقيمين من كل الجنسيات، كما بات مرتعا خصبا لكل الجماعات التي تعتقد بضرورة محاربة الاستكبار الأمريكي.
هكذا لم يعد يشعر العراقي وغير العراقي، في ظل الوجود الأمريكي في العراق، بالاستقرار ولا بالأمان الجسدي أو المعيشي، مع فلتان الأمن وطغيان نظام الطوارئ وانهيار القطاعات الاقتصادية ودمار البني التحتية.
وفي ظل الوجود الأمريكي برزت الانقسامات الاثنية والطائفية في العراق أكثر من أي وقت مضى، بل إن هذه الانقسامات باتت أحدى المبررات التي تتذرع بها الإدارة الأمريكية للإبقاء على الاحتلال بحجة حفظ الاستقرار، أيضا!
من كل ذلك يبدو أن الإدارة الأمريكية فوجئت بما يسمى واقع "نكران الجميل"، لدى العراقيين، الذين لم يعاملوا جنودها معاملة المحررين، وإنما معاملة المحتلين، فهم بدلا من أن يغمروهم بالأرز والرياحين، غمروهم بمشاعر النقمة والغضب، فضلا عن الرصاص والسيارات المتفجرة. ومن الواضح أن الإدارة الأمريكية فوجئت أيضا بالمعارضة الشيعية للاحتلال، التي لم تعد تقتصر على المعارضة السلمية، وإنما باتت جزءا من المعارضة المسلحة.
الواضح أن الولايات المتحدة، في غمرة حماسها لمشروعها التغييري في العراق، لم تأخذ باعتبارها طبيعة المجتمع العراقي، بتكويناته وتعقيداته الطائفية والاثنية، وأنها استهترت بروحه الغريزية وقيمه القبلية، كما لم تول اهتمامها لمصالح الأطراف الإقليميين والدوليين الآخرين، وفوق هذا وذاك فهي لم تفحص مدى ملاءمة اطروحاتها الانقلابية التغييرية لمستوى التطور الثقافي والسياسي والاقتصادي في العراق.
الواضح أيضا، أن الولايات المتحدة لم تأخذ في اعتبارها لدى غزوها للعراق أنها تتحرك في منطقة من الرمال المتحركة، فالشرق الأوسط ليس أوروبا، ولا جنوب شرق أسيا، وصورة الولايات المتحدة هنا لا تبعث على الارتياح، فثمة ملفات مفتوحة بين الشعوب العربية، والإدارات الأمريكية، أهمها ملف الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وانحياز أمريكا الدائم واللامحدود لإسرائيل، مقابل الاستهتار بحقوق العرب وكرامتهم. وهنا ثمة شبهة تتعلق بمحاولات الهيمنة الأمريكية على نفط الشرق الأوسط. وثمة ملف يتعلق بمناهضة الإدارات الأمريكية، طوال العقود الماضية، لمسعى الشعوب العربية للنهوض بحقوقها وحرياتها وأوضاعها: السياسية والاقتصادية والثقافية. وفوق كل ذلك فثمة ملف يتعلق بدعم الولايات المتحدة للتيارات الأصولية المتطرفة، إبان حقبة الصراع ضد الشيوعية.
أما على الصعيد الدولي فإن سياسة الإدارة الأمريكية أدت إلى عزل الولايات المتحدة، التي باتت تفقد كل يوم حليفا في حربها في العراق، فقد انسحبت أسبانيا من تحالف الحرب، وضعف موقف حليفها بلير في بريطانيا، وقوي مركز شيراك وشرويدر، بعد انضمام أسبانيا بحكومتها الجديدة للموقف المعارض للسياسة الأمريكية في العراق، وهاهو الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان يشكك علنا بشرعية الحرب من زاوية القانون الدولي.
من كل ذلك يمكن الاستنتاج أنه لم يكن ثمة مبالغة في التقييمات التي توصل إليها مؤخرا تقرير المجلس القومي للاستخبارات الأمريكية، وهو هيئة تضم مختلف أجهزة ووكالات الاستخبارات في الولايات المتحدة، بشأن السيناريوهات المحتملة للوضع في العراق.
وكان هذا التقرير، الذي صدر قبل أيام، أثار ضجة في الأوساط السياسية الأمريكية لإشارته إلى ثلاثة سيناريوهات متشائمة لمستقبل الوضع في العراق، وهو ما ينافي كل ادعاءات الإدارة الأمريكية، التي خاضت بناء عليها حرب احتلال العراق. السيناريو الأول، وهو يتحدث عن امكان إيجاد نوع من الاستقرار ولكن الهش في العراق، على الصعيد الأمني والسياسي والاقتصادي. والثاني، يتحدث عن تعزز مناحي الانقسام في العراق بسبب تركيبته الاثنية والطائفية وبسبب ازدياد نزعات التطرف فيه، ما يعوق جهود بناء حكومة مركزية ويؤثر بالتالي على الجهود الرامية إلى إقامة ديموقراطية في العراق. والثالث يتحدث عن سيناريو أكثر تشاؤما يتمثل بنوع من الحرب الأهلية في العراق، بين المكوّنات الثلاثة للمجتمع العراقي، السنة والشيعة والأكراد؛ وهو سيناريو مدمر للعراق ويمكن أن يقوض الاستقرار الإقليمي، أيضا.
الثابت أن الإدارة الأمريكية التي لم تبد أية استجابة لهكذا تقييمات (أمريكية ودولية وعربية) طوال المرحلة السابقة، لن تأخذ هذا التقرير باعتبارها، ايضا. ومعنى ذلك أن "أبواب جهنم" ستبقى مفتوحة في العراق، ما لم تتغير المعطيات الدولية والإقليمية. والمشكلة أن اللهيب لن يطال العراق لوحده ولكنه سيطال الاستقرار الإقليمي، أيضا، ومن ضمنه مصالح الدول الكبرى في هذه المنطقة؛ وهذا ما ستجلبه، على الأرجح، سياسة الغطرسة الأمريكية وادعاءاتها الانقلابية. ماجد كيالي