بشرى تنطلق من القاهرة نحو جمهور عربي واسع

أجرى الحوار عبر البريد الالكتروني عبد الكريم الكيلاني
«الجمهور عاوز كده» كلام فاضي

وسط حالة الفوضى والتزاحم التي تشهدها الساحة الغنائية حالياً، يلمع نجم "بشرى" في سماء الأغنية العربية بصوتها الدافئ وأدائها المعبر وحضورها المتميز وجمالها الهادئ مما جعلها تأسر القلوب والآذان، وأن تلفت الأنظار إليها، لتؤكد أن الأصالة الفنية باقية.
حصلت بشرى مؤخراً على جائزة أفضل مطربة عربية من مهرجان الأغنية العربية "أوسكار" والذي أقيم مؤخراً بمدينة شرم الشيخ، كما حصدت أغنيتها المصورة "فكري احتار" ثلاث جوائز أخرى في المهرجان ذاته وهي أفضل إنتاج فيديو كليب وأفضل تصوير وأفضل ألحان.
وعبرت بشرى عن سعادتها الغامرة بالجوائز الأربعة التي لم تكن تتوقعها مؤكدة أن هذه الجوائز منحتها ثقة كبيرة في نفسها، إلا أنها في الوقت ذاته تلقي على عاتقها بمسؤولية كبيرة مما يجعلها تفكر جيداً في خطواتها الفنية القادمة وفي اختياراتها سواء بالنسبة للكلمة أو اللحن أو الفيديو كليب.

و عن بدايتها الفنية تقول بشرى:

نشأت وسط عائلة تعشق الطرب الأصيل وتأثرت بعمالقة الغناء من أمثال أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وليلى مراد ونجاة الصغيرة وحفظت الكثير من أغانيهم بالإضافة إلى حبي للقراءة والثقافة وخاصة تتبع حياة كبار الفنانين، مما شجعني على الغناء منذ طفولتي من خلال الحفلات المدرسية وحفلات الأطفال والمناسبات والحفلات القومية، ولقيت تشجيعاً كبيراً من الجميع مما ساهم في تشكيل موهبتي وتنميتها تدريجياً. وبعدها التحقت بمعهد الموسيقى حيث درست العزف على البيانو وأصول الغناء. وأثناء دراستي في المعهد تقدمت للإذاعة المغربية وقدمت الكثير من الأغنيات في إذاعة المغرب وتونس بالإضافة إلى المشاركة في العديد من الحفلات.
وفي تونس تقابلت مع السيدة رتيبة الحفناوي التي رشحتني للغناء في الأوبرا والحضور للمشاركة في مهرجان الأغنية العربية عام 1997م. ومن هنا كانت الإنطلاقة الكبيرة وبداية شهرتي حتى أطلق علي "صاحبة الصوت الوردي".
بعد غياب ثلاث سنوات عن الساحة الغنائية بسبب حادث مأساوي فقدت فيه والدتها وأخيها؛ عادت بشرى للتألق بقوة من خلال مهرجان أوسكار وألبومها الغنائي الجديد "خدها مني كلمة"، والذي تعتبره نقلة نوعية مهمة في حياتها الفنية التي تأمل أن تقودها إلى موقع متقدم في عالم الغناء والطرب وسط عشرات الأصوات التي تملأ الساحة الغنائية العربية الآن. كيف تلقيتِ خبر حصولك على جائزة أفضل مطربة عربية من مهرجان أوسكار الفيديو الكليب لعام 2004؟ كنت في حالة توتر وخوف أثناء الحفل حين سمعت إسمي. إعتقدت إنني أحلم. وأذهلتني المفاجئة حينها شعرت بمسؤولية كبيرة. أحياناً كثرة الجوائز الفنية تضعنا في موقع مسؤول وخوف من خطوات مستقبلية لا تقبل المخاطرة برصيدنا الفني. منذ بدايتها اتجهت بشرى للأداء الأغنية الكلاسيكية التي تعبر عن الطرب العربي الأصيل، فهل الساحة الفنية الآن مهيأة لهذا اللون؟ بات الفن في شكل عام معرضاً لأزمات فنحن نرى في الفترة الأخيرة تضارباً في الأنغام الموسيقية والغنائية من خلال المزج بين النغم العربي والغربي ونجد أن البعض يريد تقليد الغربيين والغربيون يريدون تقليد العرب وهذا أمر غريب بينما الطرب موجود ويبقي طرباً له مستمعوه وأنا متأكدة من أن زمن أصالة الأغنية العربية سيعود لأن لا أحد يستطيع أن ينكر أصلة وجذوره وهذا لا ينفي أن تبقى الأغنية خفيفة وإيقاعية وذات مضمون حساس وتجارية في الوقت نفسه. والجمهور العربي متذوق وما زال يحب الأصالة وأكبر دليل أن معظم الفنانين يغنون في حفلاتهم لكبار الفنانين... مهما تطورت الأغنية ودخلت المعاصرة يبقى للأصالة مكانة خاصة عند الجمهور. هل يعيقك التزاماتك بالأصالة الفنية نحو إنطلاقك للنجومية بسبب ما تشهده الساحة الفنية الآن؟ لا أظن ذلك. الأصالة الفنية قد تعرقل الإنطلاقة، مستحيل! أي فنان يريد الاستمرارية يستمر من دون أساس فني متين. الأصالة التي أبتغيتها ليست إلا حافزاً قوياً ومتيناً لأعتلي المسارح الغنائية بثقة بلا خوف وحافزاً آخر يجعلني قادرة على إ ختيار الكلمة واللحن الجيدين. الكثير من الفنانين اليوم يقعون في فخ الإختيار ويحتارون ماذا يريدون وأغلبية إختياراتهم نابعة من أذواق فنية متاحة للجميع. صوتك أوبرالي فكيف تم تدريبه على الغناء الشرقي؟ في البدايات عندما توجهت نحو إختيار القصائد ذات الألحان الصعبة أحسست بمدى أهمية دراسة المقامات العربية ومنذ ذلك الحين بدأت التدرب على أداء الموشحات خصوصا القديم منها لأنها تعطي الصوت آفاقا رحبة للانطلاق.
العقبات الإنتاجية هي أكثر ما يعيق المطربين خاصة مع إزدياد الفنانين في الساحة، فكيف كانت تجربتك مع شركات الإنتاج؟
- شركة ITS السورية للإنتاج شعارها الصوت الجيد والفن الراقي. هذا ما ساعدني على تحقيق هدفي الفني والعمل على اختيار أعمال جيدة، وإلا لما أكملنا المسيرة. مشكلة صعبة للفنان ، إذا كان وراءه شركة إنتاج هدفها الوحيد الربح. لكن ITS ربحها الفن الجيد لا مجرد طرح ألبومات بهدف الربح. امتلأت الساحة الفنية بالعديد من المطربات بشكل كبير، فهل يعتبر هذا في رأيك حافزاً لكِ أم دافعاً للإحباط؟ - أية فنانة من جيلي، أعتبرها منافسة لي، والعمل الجيد يساعد الفنان على إثبات ذاته، ليس الشكل فقط هو المقياس. مازالت هناك فسحة كبيرة للأصوات الجيدة. سأقول لك أمراً مهماً، من يملك الصوت يشعر بقيمته على المسارح الكبيرة كجرش وقرطاج، هذان المسرحان امتحان صعب لكل من يريد الغناء فيهما، وجمهورهما مخيف لا يقبل بسهولة ولا يتجاوب مع الفنان إن لم يكن يملك صوتاً جميلاً يستطيع أن يشد إليه الحضور. الشكل الجميل من دون صوت مجدّ باطل. الكثير من المطربات يغنين بأجسادهن في محاولة للوصول السريع إلى الشهرة والنجومية، فكيف تجد بشرى لها مكاناً لدى الجمهور وهي تعتمد على الأصالة في الغناء؟

"الجمهور عاوز كده" كلام فاضي، لا يعقل أن نطرح على الجمهور أي فن مبتذل بحجة- أن الجمهور "عاوز كده" لأنه جمهور واع ومدرك تماماً ما هو جيد وما هو ردئ. نحن من نظلم الجمهور عندما نقدم إليه فناً رديئاً وليس العكس. حين لا يحسن الفنان الاختيار في أعماله يقول أن "الجمهور عاوز كده" مَن مِن الفنانين طرح هذا السؤال على جمهور وسأله أي نوع من الفن تريد؟ معظم الأغاني المصورة التي تحقق شهرة واسعة، هي التي تتعمد فيها المغنيات إظهار المفاتن بصورة مبالغ فيها.. فما رأيك في هذا الاتجاه السائد حالياً؟ - من المؤسف أن يسود مثل هذا الاتجاه في عالم الغناء، فالذين يسلكون هذه الطرق "تجار" يتخذون من الفن وسيلة لتحقيق مآرب خاصة، وقد شوهوا صورة الفن النظيف بنشاطهم المريب، وهم يسيئون إلى التراث الغنائي العربي كله، ولكنهم لن يستمروا طويلاً في الساحة لأنه في النهاية لا يصح إلا الصحيح. وجمهورنا العربي ذكي ويستطيع أن يميّز بين الصوت الحقيقي من الصوت المبتذل والسخيف. وما يحدث الآن هو ظاهرة مؤقتة مثل فقاعة الصابون سرعان ما تزول وتختفي، لأن الفن أرقى من ذلك بكثير، فهو غذاء للروح والوجدان، وليس غذاءً للجسد.وأنا أرفض كل هذا العري في الأغاني المصورة التي تكاد تخرج على السيطرة، فالجمهور العربي لا يزال يحافظ على حدّ معين من القيم الأخلاقية، وأي اختراق فجّ لهذه القيم لن يمرّ بسهولة! ولكن الجمهور العربي نفسه هو الذي يصفق لهؤلاء ويطلب أغانيهم التي تحقق أعلى معدل للمبيعات في سوق الكاسيت؟ هذا صحيح للأسف، والسبب في ذلك أن الوسط الغنائي الآن دبّت فيه الفوضى، والجمهور يطلب مثل هذه الأغاني الرائجة لأن شركات الإنتاج الفني والقنوات الفضائية المتخصصة تروج لها ليل نهار، في حين لا تحظى الأغاني العربية المحترمة بمثل هذا الاهتمام. - فالإعلام يتحمل نصف المسؤولية، وتتحمل شركات الإنتاج النصف الآخر من المسؤولية في الترويج لهؤلاء العارضات أجسادهن والراقصات اللواتي يتصدرن المشهد الغنائي العربي الآن. ما الذي ينقص الأغنية المغربية لتنتشر في الوطن العربي كما هي حال الأغنية المصرية أو اللبنانية أوالخليجية؟ هناك الكثير من المطربين المميزين على الساحة المغربية، ولكن ما ينقصهم هو إيصال الأغنية المغربية إلي العالم العربي في شكل مميز، بالرغم من أن عبد القادر دوكالي الذي قدم قصائد وأغنيات مغربية وشارك في أفلام مع ممثلين كبار من كل العالم العربي بينهم الفنان الراحل فريد الأطرش ساهم في نشر ألاغنية المغربية في فترة الستينات من القرن الماضي ولدينا مطربون معروفون على مستوي الأغنية الشعبية مثل حميد الساهر من مراكش الذي يؤدي الأغاني الشعبية والمفهومة ولها لون معين ولكن لا يوجد في المغرب شركات إنتاج تستطيع أن توفر للفنان مجالاً لإيصال لهجة بلدة إلي البلدان العربية الأخرى. نجحتِ في تصوير أغنياتك بشكل وأداء تمثيلي جيد، فهل تفكرين في دخول مجال التمثيل؟ عرض علي التمثيل أكثر من مرة ولكنني أتهرب من الموافقة بسبب خجلي من التمثيل نفسه لأنه أمر صعب علي لذا لا أدخل إلى مجال لا أستطيع أن أكون فيه ناجحة مئة في المئة على رغم أن التمثيل عمل جميل لكنة يحتاج إلى موهبة وهواية وحب للعمل نفسه حتى يتمكن الفنان أن يعطي فيه ويستمر ولكن أن يكون التمثيل هدفاًلأشياء ثانية فأنا أرفضه حتى لو كان سيدعمني كمطربة وعندما أشعر بأنني جاهزة لأداء دور أقتنع به وأتعامل مع نفسي فيه كممثلة قد أوافق. هل كان للفن تأثير على حياتك الشخصية وخاصة حياتك العاطفية؟ ولو تعارض طموحك الفني مع حياتك الشخصية فأيهما تختارين؟ بالتأكيد كان للفن تأثير كبير جداً على حياتي الشخصية، فلم أعد أنعم بالاستقرار نهائياً خاصة وأنني أعشق الحياة الاجتماعية والأجواء العائلية، فالفن جعلني مقيدة ومفتقدة للحرية التي تمكني من ممارسة حياتي الاجتماعية، فحياتي الآن ليست ملكي وإنما ملك لفني وجمهوري. منذ فترة كان لي تجربة عاطفية توجت بالخطوبة وكنت أتمنى أن تستمر، ورغم موافقته على استمراري بالمجال الفني إلا أنه لم يكن يتوقع أن تكون طبيعة المجال الفني بهذا الشكل من المجهود والمشغوليات وكثرة التنقل وعدم الاستقرار مما أدى إلى عدم إستمرار الارتباط بسبب تمسكي بفني الذي اضطرني إلى التضحية بحياتي العاطفية. لذا أفضل أن يكون إ رتبا طي بإنسان من المجال الفني لأنه أقدر على تفهم طبيعة حياتي كفنانة. ما هو جديد الفنانة بشرى؟ أصدرت مؤخراً ألبومي الغنائي الثاني "خدها مني كلمة" والذي اعتبره نقلة فنية مهمة في حياتي، حيث يحوي الألبوم سبع أغنيات متنوعة في شكلها الفني، تعاملت فيه مع مجموعة متميزة من الملحنين مثل سامي الحفناوي وأشرف سالم وشكيب العاصي وشاكر الموجي، ومن الشعراء الغنائيين: الشاعر الكبير عمر بطيشة وعزت الجندي وأمير طعيمة ومدحت العدل ومحمد الصواف.. وتم تصوير اغنيتين من الألبوم هما "خدها مني كلمة" و"فكري احتار" والتي حصلت على جائزة أفضل فيديو كليب في مهرجان أوسكار الفيديو كليب في مدينة شرم الشيخ. أيضأ أقوم بالتحضير لعدة جولات فنية في الوطن العربي. ما هي الحكمة التي تؤمن بها بشرى وتتبعها في حياتها؟ "اتقِ شر من أحسنت إليه" و"من خاف نجا". أجرى الحوار عبرالبريد الالكتروني: عبدالكريم الكيلاني