السيد الأستاذ الدكتور العميد

بقلم: أحمد فضل شبلول
هل نستمع إلى تحذيراته؟

"أكتب متيقنا أن الطوفان يقترب، والسفينة محطمة، والموت يدق الأبواب".
هكذا ينهي مصطفى بيومي روايته القصيرة "السيد الأستاذ الدكتور العميد" التي تُعري إحدى بؤر الفساد الجامعي، حيث يكون الراوي شاهدا على سيرة أحد أساتذة الجامعة الذين تدرجوا في المناصب دون وجه حق، متخطيا زملاءه، نتيجة نفاقه لكل رئيس جامعة يحتل كرسي الرئاسة، ونتيجة إشرافه على الجريدة أو النشرة التي تصدرها الجامعة، فيكيل الثناء والمديح لكل رئيس جديد، مبشرا بعهده الذي ستزدهر فيه الجامعة الإقليمية التي يعمل بها لتكون أفضل جامعة في البلاد، واضعا صورته الملونة الباسمة في إطار ذهبي كبير، ولاعنا الرئيس السابق الذي كان سببا في تخلف الجامعة وترديها عن الجامعات الإقليمية المماثلة. وهكذا مع كل وافد جديد على كرسي الرئاسة، ليظل في مكانه عميدا للكلية التي لم يعرف أحد في أوساط تلك الجامعة، وغيرها، لماذا أنشئت أصلا هذه الكلية، التي لها قسم مماثل في إحدى الكليات التابعة للجامعة نفسها.
لقد سمحت علاقة ود قديمة بين الراوي والعميد، أن يعرف الأول عن الثاني ما لم يعرفه هو عن نفسه، وأن يحدثنا عن جذوره العائلية الضاربة في عمق المتاهة والإثم، حيث علاقة الأم بالعم بعد وفاة الأب مباشرة، وقد كانت رواية "الأب الروحي" لماريو بوزو التي قرأها العميد بعد إلحاح من أحد أصدقائه اليساريين عام 1976 تلامس مناطق روحية في حياته، وهو لا يقرأ حتى في مجال تخصصه الجامعي إلا بعد إلحاح طويل، وسرعان ما يضيق بالكتاب الذي يقرأه فلا يكمله، ولكنه في الوقت نفسه لديه القدرة على أن يتحدث عن أي عمل قرأه، أو قرأ نصفه، أولم يقرأه، مستشهدا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي حفظها في صغره، وتوقفت ثقافته عند هذا الحد.
هذا على المستوى العلمي، أما على المستوى السياسي، فلم يكن السيد الأستاذ الدكتور العميد منتميا لأي تيار سياسي، فمنذ أن كان طالبا في الجامعة رفع شعار أن السياسة مهزلة، والخلاص بالصعود الفردي هو الأمل الوحيد المتاح. وبالتالي يتغافل عن انتخابات مجلس الشعب، وينصرف عن النشاط السياسي داخل الجامعة، ويصم آذانه عن الشعارات والهتافات المطالبة بالديمقراطية، أو تطبيق الشريعة الإسلامية. وكل همه أن يكون الأول في دراسته فحسب.
لم يسع لكسب أصدقاء جدد، بل أنه يفقد أصدقاءه القدامى واحدا فواحدا. ولكن تظل علاقته بالراوي هي الوحيدة المتميزة حتى بعد عودته من الإعارة بإحدى الجامعات الخليجية.
لقد اتخذ من الراوي حائط مبكى وكرسي اعتراف، فيبوح بين يديه إلى أن يتقيأ صديد الروح. إنه يعترف للراوي ويمضي، فتزداد ثقوب الروح الصدئة اتساعا. بل يكتب له في إحدى المرات قائلا (أكتب إليك الآن لأعترف بأنني أكره أمي وزوجتي وأبي وأولادي وعمي، وأكره نفسي فلا أطيق النظر في المرآة. صدقني إذا قلت لك إنني أكره مقعد العميد الذي أجلس عليه، وأكره المقعد الذي أتطلع إليه، وأكره الحياة المحسوبة التي تحكمنا وتدفعنا إلى صراع وحشي بغيض. أخون زوجتي الآن وأنتقم لأبي، وأكتب إليك حتى أستريح).
ويلجأ الراوي ـ أو الكاتب ـ إلى استدعاء شواهد أدبية معادلة لروح الدكتور العميد الخربة، فيستدعي على سبيل المثال قصيدة الأرض الخراب لأليوت، وقصيدة كيريالسون للويس عوض التي تتحدث عن الأب في ديوانه "بلوتولاند"، وقصيدة "تذكارات" لصلاح عبد الصبور في مسرحيته الشعرية "ليلى والمجنون"، وشخصية الدكتور منير عبد الحميد فكار في رواية "أطفال بلا دموع" لعلاء الديب، وغيرها.
ويبدو أن الدكتور العميد رأى في الدكتور منير عبد الحميد فكار مرآة لنفسه، فكلاهما على حد تعبير الراوي "يعدو لاهثا وراء السراب، ويعاني من ظمأ لا ترويه أنهار الدنيا، وتضنيه أمراض الجسد والروح، ويخشى الموت وحيدا ذات مساء كئيب في مكان مغلق لا يؤنسه فيه أحد".
لذا أرسل العميد في طلب رواية "أطفال بلا دموع"، لقراءتها، وطلب من الراوي أن يلتقيا في مكان هادىء ليتحدث معه عن تلك الرواية التي سحرته.
ويمضي الراوي في تشريح شخصية العميد، وتفكيكها على هذا النحو، فيكشف في أماكن أخرى من الرواية عن علاقته بسكرتيرته الحسناء ذات الأرداف الثقيلة، وسائق سيارته، والطالبة السمراء المومس المدمنة التي تنام مع كل من يطلبها، ولكنها رفضت طلب العميد بالنوم معها، لأنها تكرهه، بل تقوم بتسجيل حديثه معها ورغبته في النيل منها، فتقول له: "أنا مومس صاحبة مزاج .. لا يضاجعني إلا من يروقني. أنت غير مريح. لك ألف وجه .. مليون داهية أنت والكلية ومباحث الآداب"، وترسل له نسخة من شريط التسجيل حتى يكف عن مطاردته لها. وهنا تثور ثورة العميد، ويدبر مؤامرة لها، بأن يصورها في لقاء جنسي شاذ مع أحد المعيدين في شريط فيديو، فالصورة أكثر تأثيرا، وأشد خطرا من الصوت. ويسأله الراوي: "هل رضيت أن تنام معك بعد أن شاهدتما الشريط". لكنه لم يجب.
وتصل أخبار العميد إلى زوجته، بعد زواجه من فتاة قاهرية تستزفه بلا رحمة، وكان صاحب الوشاية وكيل الكلية الموتور الذي أرسل صور حفل الزواج الجديد إلى زوجة العميد الأولى. ولم يبق الوكيل في منصبه بعد هذه الوشاية، فقد فوجئ الجميع باستقالة الوكيل وأن تسجيلا جنسيا فاضحا مع إحدى طالبات الدراسات العليا أقنعه بالانسحاب وتقبيل الأقدام معتذرا.
هكذا تكشف رواية مصطفى بيومي القصيرة صورا من صور الفساد داخل الجامعة وخارجها، ولكن لا يملك الراوي أو الشاهد على الأحداث سوى أن يتطلع من شرفته الجامعية الصغيرة يرقب من خلالها الجموع محبطا يائسا، متذكرا الصوفي بشر الحافي الذي أفزعه زحام الناس في السوق ففر هاربا ولم يعثر عليه أحد.
ولكن الراوي ليس صوفيا، ولا يملك أن يكون، لذا قرر أن يواجه الواقع بفساده وعفنه وتشظيه على هذا النحو، ويكتب ـ معبرا عن الضمير الجمعي اليقظ الحارس للقيم والمثل مهما كانت لحظات الظلام ـ محذرا ومتيقنا أن الطوفان يقترب، والسفينة تتحطم، والموت يدق الأبواب، إذا لم ننهض من كبواتنا وعثراتنا، ونطهر الثوب والجسد من كل الأدران.
فهل نستمع إلى تحذيراته، ونأخذها على سبيل الجد مرة واحدة؟ أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية