الإصلاح في السعودية بين الدين والدولة

بقلم: ابراهيم الهطلاني

في الغالب لا يسلم من شوائب النقص والخلل كل عمل يتناول الشأن السعودي بشكل عام وقضية الإصلاح بشكل خاص والمثارة حاليا على المشهد السياسي دون اعتبار للمعالم التاريخية والأحداث السياسية الملازمة للنشأة الأولى للتكوين السعودي في المنطقة، لذلك نحن في حاجة إلى قراءة منهجية متحررة من كل رغبة أو رهبة (ماعدا الحقيقة) لنصل إلى ملامح ومطامح الانطلاقة الأولى في النصف الأول من القرن الثامن عشر ميلادي وتحديدا مع بداية نشاط الشيخ محمد بن عبد الوهاب في منطقة نجد.
كانت منطقة نجد على المستوى السياسي مقسمة إلى عدة مناطق نفوذ عائلي وقبلي فعلى سبيل المثال كانت الرياض تخضع لحكم دهام بن دواس والعيينة تحت حكم آل معمر وفي الشمال آل علي أما القصيم (بريدة) فيحكمها حجيلان بن حمد وفي الأحساء بنو خالد، وقبائل بنو يام وزعيمهم المكرمي في نجران والحجاز تحت حكم الأشراف بينما لم يتعدَ نفوذ (آل سعود) حدود الدرعية.
كما كانت الحياة اليومية لأهل نجد تختلف إلى حد بعيد عن أوامر ونواهي الدين الإسلامي وتتداخل عباداتهم وعقائدهم مع بعض التصورات والتصرفات الموروثة والمنقولة إليهم من خارج حدود أراضيهم هذا الوضع الديني والاجتماعي أثار في نفس الشيخ محمد بن عبد الوهاب روح الغيرة والمبادرة نحو إصلاح الوضع الديني الذي وصفه الشيخ بن غنام وكان من المقربين للشيخ بقوله: إن أكثر المسلمين قد ارتكسوا في الشرك وارتدوا على الجاهلية وانطفأ في نفوسهم نور الهدى فقد كان في نجد يقصدون قبر الصحابي الجليل زيد بن الخطاب رضي الله عنه في (الجبيلة) يدعونه لتفريج الكرب وكشف النُوَب وقضاء الحاجات.
بدء الشيخ دعوته في (حريملا) فتبعه البعض وعاداه آخرون من أهل البلدة وحاولوا الاعتداء عليه وعندما أحس الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالتهديد المباشر على حياته وعلى دعوته انتقل إلى العيينة وعرض دعوته على أميرها عثمان بن حمد بن معمر الذي قبل كلام الشيخ بل كان يشاركه في إزالة المخالفات الدينية المنتشرة بين أهل العيينة.
استقر الشيخ في العيينة وتزوج فيها الجوهرة بنت عبدالله بن معمر كما ذكر المؤرخون النجديون مع مواصلته في الدعوة محتسبا مجتهدا بعلمه وعمله داعيا مؤيدا بحماية من بن معمر حتى وصل خبر الشيخ إلى سليمان بن محمد بن غرير آل حميد زعيم بني خالد في الأحساء وكان الخبر يحمل في طياته نذر الخطر والتحذير من هذه الدعوة الجديدة.
وعلى اثر تلك المعلومات المغلوطة والمشحونة أرسل (بن حميد) بخطاب تهديد إلى بن معمر يقول فيه (إن هذا المطوع الذي عندك فعل وفعل، وتهدد عثمان، وقال اقتله، فان لم تفعل قطعنا خراجك الذي عندنا في الأحساء، وخراجه عندهم كثير..).
اخذ ابن معمر تهديدات ابن حميد على محمل الجد واخبر الشيخ بتهديد بن حميد ثم طلب منه راجيا مغادر( العيينة) وتنفيذا لطلب ابن معمر غادر الشيخ متوجها إلى الدرعية حيث التقى بأميرها محمد بن سعود الذي توصل معه إلى اتفاق بدعم الدعوة الجديدة مقابل ذلك اشترط الأمير على الشيخ شرطين نوردها بنصها كما أوردها ابن غنام على لسان ابن سعود مخاطبا الشيخ:نحن إذا قمنا في نصرتك، والجهاد في سبيل الله، وفتح الله لنا ولك البلدان – أخاف أن ترتحل عنا وتستبدل بنا غيرنا، والثانية إن لي على الدرعية قانونا (مالاً) أخذه منهم في وقت الثمار، وأخاف أن تقول لا تأخذ منهم شيئا، فقال الشيخ: أما الأولى فابسط يدك: الدم بالدم والهدم بالهدم، وأما الثانية فلعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك الله من الغنائم ما هو خير منهم.
وقد تحققت الآمال والرغبات التي ندم عليها ابن معمر لاحقا وبدأ البناء على أساسين الدين والسيف.
ذلك الاتفاق الذي تم في عام 1744م شكل منعطفا تاريخيا في الحدود الزمنية والمكانية لشبه الجزيرة العربية وما يحيط بها من دول وكيانات سياسية حيث تمت عملية الاتحاد والمؤازرة بين الدين والسياسة في الجزيرة العربية ليستفيد كلاهما بحسب اهتمامه وأهدافه، فقد كان صاحب الدعوة مهتما بنشر فكره والسعي للإصلاح الديني أما حليفه صاحب الدرعية محمد بن سعود فهمه يتعدى إلى الحكم وبسط السلطة على اكبر مساحة ممكنة بنفس المنطلق الديني والعنوان الايدولوجي المرفوع آنذاك.
كانت المواجهات العسكرية والدينية تندلع من حين لآخر بهدف بسط الفكر والسلطة على امتداد جزيرة العرب بل وتعدت الحدود في كثير من الأوقات حيث وصلت القوات النجدية أو الوهابية كما يطلق عليها آنذاك إلى العراق والشام وجنوب الجزيرة العربية مستحضرة المبدأ والمنطلق الايدولوجي في كل تحركاتها بل تجعله هدفا معلنا وسببا فاصلا للحرب والسلم، ولقد هيمن هذا التلازم على مسار الحكم السعودي خلال فترته الأولى التي استمرت حتى عام 1818م بنهاية حكم الأمير عبدالله بن سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود الذي استسلم لقائد الحملة المصرية آنذاك إبراهيم باشا ثم نقل من مصر إلى العاصمة التركية حيث اعدم بعد محاكمة عسكرية سريعة.
أما فترة الحكم السعودي الثاني التي بدأت حقيقة على يد الأمير تركي بن عبدالله عام 1820م وانتهت في عهد الأمير عبدالله بن فيصل عام 1884م قد خلت من أي نشاط ديني أو إصلاحي إذا ما استثنينا عملية تنظيم (هيئة الأمر بالمعروف..) الدينية الرسمية، لان أفراد الأسرة السعودية كانوا مشغولين باستعادة ملك آبائهم في البداية ثم شُغلوا بالنزاعات البينية على الحكم في منتصف الفترة ليصل الحكم إلى يد آل الرشيد معلنة نهاية الفترة السياسية السعودية الثانية.
أما حديثنا الحالي عن الإصلاح السياسي في الدولة السعودية المعاصرة يعتبر من الأمور الشائكة والأكثر حساسية بسبب تعدد أطرافه الداخلية والخارجية واستمرار العناصر السياسية والثقافية المهيمنة في المشهد السعودي الحالي.
شهد التاريخ السعودي الحديث منذ توحيده في كيانه الحالي عام 1932م عدة أحداث أسهمت إلى حد بعيد في صياغة الأفكار والتوجهات الداخلية وإضافة عدد من المفاهيم الجديدة في القاموس الثقافي والسياسي السعودي بدءً بتأسيس حركة (الإخوان السعوديون) في النصف الأول من القرن العشرين مرورا بالمد اليساري والناصري خلال الستينات والسبعينات الميلادية وحتى حرب الخليج الثانية وهي المحطة التي سنبدأ الحديث منها لما لهذا الحدث من تأثير مباشر في تحريك الفعاليات الثقافية والسياسية السعودية في الداخل نحو الممارسة الفعلية والبحث في إشكاليات المجتمع السعودي.
بعد حادثة (جهيمان) في أواخر عام 1979م بعدت سنوات سُمح باستئناف اللقاءات الدينية وأخذت الأنشطة الدينية تستعيد حيويتها بشكل تصاعدي حتى بلغت ذروتها في السعودية قبيل حرب الخليج الثانية وبرز في هذه الأثناء (شيوخ الصحوة) وهم الدعاة الشباب وأكثرهم من الأكاديميين وقد استحوذوا على ثقة كثير من أبناء منطقة الخليج واستطاعوا كسب ثقة شريحة كبيرة من جيل الشباب من الجنسين مع الإبقاء على قوة ومتانة علاقتهم بكبار العلماء (السلفيون التقليديون) والاستظلال بدعمهم وحمايتهم أمام السلطة السياسية.
كون الدعاة الجدد حلقة وصل بين الشباب خاصة وبقية الشعب وبين المؤسسة الدينية الرسمية وقد برع هؤلاء (السلفيون الحركيون) في ربط الفقه التقليدي بالواقع السياسي والمشكلات المستحدثة وظهر مصطلح (فقه الواقع) واُلفت فيه الرسائل وعقدت له الندوات واللقاءات العامة.
ساهم غزو العراق للكويت عام 1990م وما تبعه من تصميم عالمي لتحرير الكويت في رفع الصوت الشعبي السياسي في منطقة الخليج بشكل عام والسعودي بشكل خاص وملفت وكان ذلك نتيجة مباشرة للوجود الأمريكي سواء العسكري أو المدني وتركيز الاهتمام العالمي بهذه المنطقة (النفطية) وتسليط الأضواء عليها لأهداف مختلفة،زاد هذا الانفتاح والتواصل العابر للحواجز والموانع من تطوير المفاهيم الحقوقية عند كثير من شرائح المجتمع وزاد نسبة الجراءة في دم الشعب السعودي وهو أمر مقلق للسلطة السياسية.
وفي نفس الوقت كان هناك اهتمام آخر ولأغراض أخرى هدفه مجموعة من الأكاديميين والحقوقيين السعوديين إضافة إلى (شيوخ الصحوة) الذين برزوا من خلال خطب المساجد والمحاضرات وهذه النخبة عرفت لاحقا (بالإصلاحيين).
وما كادت تنتهي حرب الخليج الثانية عام 1991م حتى ظهرت مشاكل ونواقص متعددة دفنت وتراكمت عبر السنين لتنفجر في وقت واحد كأنه بركان اخرج المستور أو زلزال كشف عيوب البناء.
أزمات مالية، ديون، بطالة، مشاكل اجتماعية، تردي في الخدمات العامة، إشكاليات قضائية وأمنية، أمام هذه الحزمة من المشاكل نشرت مجلة (الجزيرة العربية) من لندن في عام 1990م خطاب يتضمن مجموعة من المطالبات الإصلاحية موقعة من اكثر من 40 مثقفا ورجل أعمال سعوديين، وفي العام التالي أي 1991م قام الشيخ (التويجري) بإعداد خطاب (المطالب) ثم قامت مجموعة أكاديمية لأعدادها بشكل نهائي وعرضها على الملك فهد بعد أن ذيل بأكثر من 400 توقيع.
وفي العام التالي قام مجموعة من أساتذة الجامعات السعودية من إعداد خطاب آخر وبتذييله بأكثر من 100 توقيع تمهيدا لتقديمه إلى الملك تتضمن عدة ملاحظات ومطالب لتصحيح الأوضاع الداخلية وهو ما عرف (بمذكرة النصيحة) عام 1992م وقد كان الرد من قبل الدولة على هذه الخطوة الجريئة سريعا وقاسيا وقد تعرض الموقعون إلى إجراءات عقابية مادية ومعنوية بعد استجابة المؤسسة الدينية (كبار العلماء) للتوجيهات الرسمية بإصدار فتوى مضادة للمطالب الإصلاحية.
مرت عدة سنوات والساحة الداخلية تفتقر إلى الدعاة المؤثرين في المجتمع لان اغلبهم تم اعتقاله وكثير من الشباب السعودي الذين فقدوا القدوة والقيادة الدينية المباشرة اصبحوا عرضة للتيارات الفكرية والسياسية الجديدة.
اعتبرت السلطة أن هذه المطالب تعبر عن جراءة وتعدي على السلطة السياسية والدينية وان التسامح مع هذه المجموعة يفتح الباب لخطوات أخرى ربما تفوقها جراءة.
وهناك من المراقبين والمهتمين بالشأن السعودي يرون أن التعامل الرسمي القاسي مع مواطنين أكاديميين ومثقفين استخدموا الأسلوب السلمي وبالكتابة أيضا لعرض آراءهم ووجهات نظرهم لم يكن موفقا وكان الأولى التعاطي مع هذه القضية من منطلقاتها الفكرية والإنسانية وحتى السياسية وعدم اللجوء إلى مجابهة الأنشطة السياسية السلمية بالإجراءات الأمنية التي أثبتت فشلها خاصة مع تغير السياسة الأمريكية القديمة في المنطقة التي كانت تقتصر في تعاملها ودعمها على النظام العربي الرسمي.
إلا أن أحداث 11 سبتمبر دفعت السياسة الخارجية الأمريكية إلى عمل توازن ما بين علاقاتها ومصالحها مع الجهات الرسمية من جهة ومع الفعاليات الشعبية والحزبية من جهة أخرى في منطقة الخليج وبالذات في السعودية وهي البلد التي ينتمي إليها اغلب منفذي العمليات الانتحارية في نيويورك وواشنطن وهو حدث دفع راسم السياسة الأمريكية إلى التدخل المباشر لإجراء إصلاحات حقيقية وجذرية في المنطقة العربية تشكلت أول ملامحها في الإعلان عن المشروع الأمريكي للإصلاح في الوطن العربي الذي سيغير القوالب الثقافية والسياسية القديمة في المنطقة سواء أكان ذلك بيدنا أم بيد عمر. إبراهيم الهطلاني Hemah99@hotmail.com