مرحلة تحويل الجيوش العربية الى جيوش من العاطلين: الجيش العراقي مثالا!

بقلم: سمير عبيد

لم تعد الجيوش العربية رقما صعبا في المعارك الإستراتيجية، ولم تعد لها هيبة أمام الدول التي تقرّر أو تقوم باجتياح ذاك القطر العربي او الاخر، لقد حُيّدت الجيوش العربية بشكل شبه كامل، وأصبحت عبئا على دولها وشعوبها، ولم تكن القضية صدفة، بل نتيجة إستراتيجية اتبعتها الدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة ومعها إسرائيل، والدول التي رفعت التكنولوجيا شعار للعصر الحديث، والتي قررت منع تلك التكنولوجيا على الدول العربية والعالم الثالث تقريبا، كي تبقى هذه الدول دون المستوى المطلوب في التطور، وتبقى دائما بحاجة للمساعدة من الدول الكبرى والتي تمتلك التكنولوجيا وأسرارها، ومن يظن أن التكنولوجيا هو جهاز الكمبيوتر فقط فهو مخطئ، وحتى أجهزة الكمبيوتر المستوردة من أميركا، والدول الكبرى إلى الدول العربية خاصة، والعالم الثالث عامة، كانت ولازالت تحمل رقائق دقيقة جدا، تجعل الدول الكبرى أو المصدرة تعرف ماذا يدور في المؤسسات الحساسة، وفي الدائرة سين أو صاد، وفي الدول التي هم يريدون التجسس عليها ومعرفة أسرارها.
كانت الجيوش مهمة جدا في السابق وتحديدا في الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق، وكانت الدول مقسمة من ناحية التحالف والولاء بين الدولتين، والجيوش العربية كانت لها دور في الحروب التي كانت بين العرب وإسرائيل، ولكن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي نتيجة فشله في أفغانستان سياسيا وعسكريا، ومن ثم فشله اقتصاديا في الداخل، بدأ موسم بروز القوة العظمى الوحيدة في العالم وهي أميركا، والتي اعتمدت على نظام الاعتماد على التكنولوجيا، والحرب عن بعد وتحييد الجيوش في الطرف الآخر، وتحديدا في منطقة المصالح الأميركية وهي منطقة الشرق الأوسط، ولقد قامت بخطوات إضعاف الجيوش القوية في المنطقة، فالجيش العراقي المنظم والقوي مثلا دفعوه نحو الدولة الفتية والخارجة من الانقلاب توا وهي إيران كي يصطدم بها، واستمرت المعركة بين البلدين ولثمان سنوات (1980 ـ 1988) وكانت حربا ضروس وبمعنى الكلمة، وحرب دمار للبنية التحتية للجيشين وعناصر القوة فيهما، وحربا كان فيها الجندي العراقي والإيراني يطرحون السؤال نفسه ودون جواب وهو: لماذا نحارب، ولماذا الحرب؟
ولكن الغاية كانت واضحة وهي لأضعاف الجيش العراقي وكسر شوكته، وإضعاف العراق كدولة، والتقليل من الكم في عدد الرجال القادرين على حمل السلاح والقتال، وهكذا كانت الحالة مع الجيش الجزائري الذي أغرقوه في الرشاوي والمحسوبية والتناحر بين صنوفه، ثم دعموا الخلايا التي أوصلوها للإرهاب بالسلاح والمال والحماية أحيانا لتكون ضد الجيش الجزائري من الجبال ولسنين طويلة، وبالمقابل ادخلوا الجيش في اللعبة السياسية ليفسَد ويُفسد، ويتحلّل حتى وصل لحالة الترنح والتفتت، وبالمقابل تحمّل الجزائر الفوضى الأمنية و الاقتصادية العارمة، والوصول إلى الاحتقان السياسي والبطالة وأصبح هناك مصطلحا سياسيا متداولا في العالم وهو (الجزأرة)، مثلما أنتشر مصطلح (اللبننة، والصوملة) وغيرها.. ولو نظرنا للعراق والجزائر فنراهما الدولتان القويتان واللتان لهما نفس الخواص في عناصر القوة من حيث الاقتصاد القوي، والنفط والغاز، والجيش القوي، والعدد الكبير في الرجال القادرين على حمل السلاح، وارتفاع نسبة المتعلمين بين صفوف الشعبين، والتشبث بالعروبة والوطن العربي، والتفاعل مع القضية الفلسطينية والقضايا العربية والإسلامية. أما بقية الجيوش العربية فتم تحييدها من قبل، ورُسم خط سيرها، وتم الاتفاق على حجمها، وطريقة تسليحها ضمن الاتفاقيات التي تم ابرامها مع إسرائيل وبأوامر أميركية، مع دفعها نحو الداخل لتكون صمامات أمان للأنظمة الحاكمة، كما حصل في مصر، والمغرب، والأردن... فمثلا تحول قادة الجيش المصري إلى محافظين في المدن ضمن قانون الطوارىء المستمر منذ عقود في مصر، والذي أصبح عبئا على الشعب المصري والمعارضة المصرية كلها الآن.
نستطيع القول.. خرج الجيش العراقي من الحرب مع إيران، وهو ليس بذاك الضعف، على الأقل كانت القيادة في العراق وصدام حسين يشعر بذلك، فتم استدراجه نحو الكويت خصوصا عندما قالت لصدام السفيرة الأميركية السابقة في بغداد السيدة غلاسبي، عندما شكى صدام عندها حول ضغط الكويت على العراق، وقال يجب أن نصحح الأوضاع بيننا وبينهم، فقالت السفيرة الأميركية معلقة "هذه مسألة تخصكم لوحدكم، ونحن لا نتدخل فيها"، وأعتبرها صدام الضوء الأخضر للهجوم نحو الكويت، وحصل ما حصل، فكانت فرصة جيدة للولايات المتحدة أن تنهي عناصر القوة المتبقية في الجيش العراقي والتي تصب في مصلحة إسرائيل، ومن جانب آخر لتجرّب حربها عن بعد، وتبدأ بالشروع الأميركي للمنطقة، ومن بنوده إستراتيجية تحييد الجيوش العربية، والوصول إلى شعار عدم فاعلية الجيوش العربية في المعارك الإستراتيجية، وفعلا قرروا الحرب في عام 1991، وأخرجوا الجيش العراقي من الكويت، وبمعارك أديرت عن بعد، واستعملت فيها الطائرات وبشكل ليس له مثيل من قبل، وكذلك الصواريخ التي كانت تأتي من القواعد الأميركية في المنطقة ودول أخرى، ومن السفن الراسية في الخليج والمحيط والبحر المتوسط، وكانت مشاركة الجيش بسيطة وليست بالمشاركة المعروفة عن الجيوش في المعارك السابقة، ولقد استعملت فيها الأسلحة المحرمة دوليا والتي تحتوي على اليورانيوم المنضب، وهنا يمكن أن نطلق عليها بداية تاريخ تحييد الجيوش العربية، وبداية تقاعدها من ناحية المعارك الإستراتيجية العسكرية، لتتحول إلى جيوش وظيفتها حماية الأنظمة والحكام، وقتل الشعوب عندما تتحرك أو عندما يحس هذا الحاكم او ذاك انه في خطر، كما وظيفتها غلق أفواه المعارضة في البلد سين أو صاد، واستمرار الحزب الحاكم أو العائلة الحاكمة أو المجلس الحاكم في الحكم، وضمن هذه الإستراتيجية تحوّلت الجيوش من دفاعها عن الأوطان والمواطن والنظام، إلى دفاعها عن الحاكم وقمع المواطن.. وهذا ما تريده الولايات المتحدة لكي يكون التفوق إلى إسرائيل وجيشها في المنطقة، لذا لم يبق أمامها إلا الجيش السوري الذي يبدو دنت الأيام وحسب قرار مجلس الأمن المرقم (1559) و التي فيها سيكون محيدا، وجيشا عاطلا عن العمل كما حصل مع الجيش العراقي الذي تحول إلى جيش من العاطلين، اضطر قسم منه للعمل مع دوائر الاحتلال، وهنا نعطي مثالا على ذلك، عندما نشرت صحيفة البيان الإماراتية في 10/9/2004 خبرا قالت فيه "تدفع وزارة الدفاع الأميركية آلاف الدولارات شهريا لعشرات من الضباط الكبار السابقين في عهد الرئيس السابق صدام حسين لتقديم المشورة للمسئولين الأميركيين والعراقيين حول سبل وضع حد لعمليات المقاتلين في شمال العاصمة مقابل الحصول على (250) دولارا نظير حضورهم اجتماعين في الشهر". أي أصبح الجيش العراقي يعمل لدى دوائر الاحتلال، وهي إستراتيجية الإذلال وكسر العزيمة، لذا التحق قسم كبير من الضباط والجنود بالمقاومة العراقية، أو فضلوا مهنا أخرى، ولذلك قامت قوات الاحتلال بتأسيس الجيش العراقي، وضمن مواصفات خاصة من ناحية التسليح والتدريب والأهداف والواجبات، واعتمدت قوات الاحتلال في تأسيسه على أفراد مليشيات الأحزاب الحليفة لواشنطن، والتي لقسم كبير منها علاقات قوية مع إسرائيل، كما أصبح واجبها الانقياد لأوامر قوات الاحتلال وتحت الفقرة التي جاءت ضمن قانون الدولة العراقية الذي صدر عن قوات الاحتلال، ووافق عليه مجلس الحكم، وكتبه اليهودي (نوح) الذي يحمل الجنسية الأميركية والإسرائيلية ووالده لازال مستوطنا في أحدى المستوطنات في الأرض المحتلة في فلسطين، والذي ينص "يكون واجب الجيش العراقي هو محاربة الإرهاب والعمل مع القوات متعددة الجنسيات" وتبين أن هذا القانون لم تتم كتابته من قبل مجلس الحكم، بل جاء مكتوبا وجاهزا من الولايات المتحدة، وطالبوا مجلس الحكم التوقيع عليه، وهذا ما كشفه أخيرا الدكتور أحمد الجلبي... ولو نظرنا إلى عنوان ما يسمى بالإرهاب نراه عنوانا مطاطا وعائما، لذا من خلاله شاهدنا الجيش العراقي الجديد يقتل الشعب العراقي كل يوم، فشاهدناه كيف قتل الشعب العراقي في الفلوجة، والنجف، والكوت، والبصرة، والعمارة، والكوفة، وتلعفر وغيرها من المدن بحجة مطاردة الخلايا الإرهابية، وليس بعيدا عندما نرى الجيش العراقي سيشترك ضد لبنان وسوريا، ودول أخرى بحجة مطاردة الإرهاب أيضا، وهي سياسة (فرق تسد) داخل البلد نفسه، وداخل المجتمع نفسه، ثم داخل الوطن العربي كله.
يبدو أنها الصفة الجديدة للجيوش العربية، وهي العمل ضمن دوائر الاحتلال، وأخذ الأوامر من الأميركان ودوائرها والتي يسيطر عليها اليهود الذين لديهم شعار مصلحة إسرائيل فوق كل شيء، ومن ثم هي مرحلة تحول الجيوش إلى جيوش من العاطلين عن العمل، ومن ثم خلاصة المرحلة التي قالت في العراق، وستقول في الدول المقبلة وهي تشكيل جيوش بديله مهمتها حماية الجماعات التي تختارها واشنطن لتكون منها القيادة، وكذلك حراسة المخططات الأميركية وأهدافها في المنطقة.
فهل سيصبح الجيش السوري عاطل عن العمل هو الآخر، وسيتحول إلى جيش مهمته حماية المخطط الأميركي، والقسم الآخر منه سيلتحق بالمقاومة ويكون حليفا للمقاومة العراقية، وهل سيحدث هذا مع الجيش اللبناني والجيوش العربية الأخرى؟
يبدو ان الجيوش العربية ستصبح، ومن حيث لا تدري، الحارس على المخطط الأميركي الجديد في المنطقة، والمنفذ لما تريده إسرائيل في المنطقة، وسوف تطبق الوصفة العراقية على الجيوش العربية والتي تقوم على حلها واحد بعد آخر، وإعادة تكوينها ضمن مواصفات معروفة، وأهداف وواجبات معروفة، و في مقدمتها محاربة ما يسمى بالإرهاب وقمع الشعب بحجة الملف الأمني، ومطاردة ما يسمى بالإرهاب، والذي للآن لا تُعرف حدوده، ولا تُعرف مدة المعركة على الإرهاب!.
إلى متى نصدق ما تقوله الولايات المتحدة الأميركية.. ومتى سنقول لها لا ، وألف لا ؟
الجواب:
عندما نتمكن من تشخيص العملاء والخونة، ومن ثم رص الصفوف، والاتفاق على هدف واحد شعاره "الدين المعتدل، والوطن الموحد، والوحدة الشعبية، والحرية في القرار، ورفض العبودية والاحتلال والتدخل الأجنبي والخنوع لأي طرف والعمل الجماعي بصدق وإخلاص". سمير عبيد، كاتب وسياسي عراقي samiroff@hotmail.com