رياض السبناطي: ملك القصيدة وملحن الأطلال

السنباطي: وضع الحانا خالدة لأم كلثوم

القاهرة - في هدوء مثل كل عام مرت الجمعة الذكرى الثالثة والعشرين لرحيل الموسيقار المصري الكبير رياض السنباطي الذى ودع الحياة في أيلول/سبتمبر عام 1981 بعد رحلة طويلة من العطاء والابداع الفنى.
مرت الذكرى دون ان يتذكره أبناء الوسط الفني إلا القليلون وكأنهم أرادوا تحقيق رغبة السنباطي الذى عرف في حياته بالعزوف الشديد عن الاعلام حتى قيل عنه إنه متكبر ويحب العزلة على غير الحقيقة.
رأى البعض في هذا العزوف كما يقول الشاعر والباحث محمد آبو سعيد سببا في عدم حصول رياض السنباطي على التكريم الذى يليق بإبداعه وفنه في حياته وبعد وفاته وذلك رغم فوزه بجائزة الدولة التقديرية.
كان السنباطي يرى أن "البعض يحرقون أنفسهم ويحرقون طاقاتهم الفنية في أحاديث لا جدوى منها."
نشأ السنباطي في أسرة فنية بقرية سنباط في محافظة الدقهلية حيث كان والده الشيخ محمد السنباطي ملحنا ومطربا ومنشدا ذائع الصيت.
وكان رياض يصاحب والده ويغنى في الافراح حتى أطلقوا عليه اسم "بلبل المنصورة". ومن المصادفات الجميلة في حياة السنباطي أنه التقى في طفولته بكوكب الشرق أم كلثوم بمحطة القطارات في قرية درين حيث كانت هى أيضا تصاحب والدها في الغناء.
وبعد 17 عاما من لقاء الطفولة التقى العملاقان من جديد حيث كانت أم كلثوم قد بدأت تشق طريقها الفني وكذلك السنباطي الذي كان قد قدم مجموعة من الالحان لمطربين ومطربات جدد من خلال شركة (اوديون) وذلك أثناء عمله مدرسا للعود بمعهد الموسيقى.
أما البداية الحقيقية لرياض السنباطي فكانت عام 1935 عندما قدم رائعة "على بلد المحبوب" لاحمد رامي وعبده السروجى. وهى الاغنية التى يعيش بها السروجى بين الناس حتى اليوم ثم غنتها من بعده أم كلثوم إعجابا بها.
وكانت أغنية على بلد المحبوب سببا في تمسك أم كلثوم بالسنباطي الذى ضمته لملحنيها محمد القصبجي وزكريا أحمد ليكونوا فريق "الفرسان الثلاثة".
وكان السنباطي في ألحانه الاولى لام كلثوم شديد التأثر بأسلوب محمد القصبجى ناسجا على منواله ثم بدأت شخصيته الفنية تستقل وخرجت ألحانه بطريقته الخاصة المميزة حسبما ذكرت رتيبة الحفني في كتابها (أم كلثوم معجزة الغناء العربى).
وفتحت ألحان السنباطي لاغاني أم كلثوم أبوابا أظهر من خلالها قدراته الفنية في التلحين حيث غنت له ام كلثوم أشكالا متنوعة من الاغانى منها التقليدي والمعاصر.
ومن أشهر ما قدم السنباطي لام كلثوم من أغنيات (الربيع) و(يا ليلة العيد) و(حيرت قلبى) و(فاكر لما كنت جنبى) و(غلبت أصالح في روحي) و(هلت ليالى القمر) و(جددت حبك ليه) و(قصة حبي) و(عودت عينى) و(دليلى احتار) و(هجرتك) وكلها من أشعر رامى.
كما لحن السنباطي لكوكب الشرق من أشعار بيرم التونسى (ظلمونى الناس) و(شمس الاصيل) و(الحب كده). ومن أشعار عبد الفتاح مصطفي قدم لام كلثوم (لسه فاكر) و(اقولك إيه عن الشوق) ومن كلمات عبد الوهاب محمد (ح اسيبك للزمن).
وعرف السنباطي بأنه ملك القصيدة بدون منازع حيث لحن العديد من الروائع الخالدة استطاع أن ينفرد في وضع موسيقاها بأسلوب مميز متطور. وكان السنباطي يقول إن "الشعر أرقى أنواع الادب فيجب والحالة كذلك أن تكرس له أرقى أنواع التلحين."
ومن القصائد التي لحنها السنباطي بالطريقة التقليدية (أراك عصى الدمع) لابى فراس الحمدانى. وكان قد لحن هذه القصيدة عبده الحامولى وغنتها ام كلثوم عام 1926 وأعاد زكريا احمد تلحينها وغنتها ام كلثوم عام 1944 ثم لحنها رياض السنباطي بعد أن أضاف إليها ثلاثة أبيات وغنتها أم كلثوم عام 1964.
ثم اتجه السنباطي في تلحينه للقصيدة إلى أسلوب وسط بين القديم والحديث ومن مثال ذلك قصيدة (اذكرينى) لرامى.
ثم أوجد رياض بعد تجارب عديدة قالبا جديدا للقصيدة الحديثة. ومن أولى تجاربه (سلوا قلبى) لاحمد شوقى (وأغار من نسمة الجنوب) لرامى. ومن أشهر قصائده (نهج البردة) و(ولد الهدى) و(إلى عرفات الله) لشوقى و(أقبل الليل) للشاعر السوداني الهادي آدم و(رباعيات الخيام) التي ترجمها رامى من الفارسية و(من اجل عينيك) و(ثورة الشك) للامير عبد الله الفيصل و(قصة الامس) لاحمد فتحي و(الاطلال) أروع ما قدم السنباطي بل أروع ما قدم من قصائد وأغنيات.
في جلسة فنية كان يحضرها عبد الوهاب سأل أحدهم عن الاغنية التي ستعيش بعد مئة عام فأجاب أحد الحاضرين مسرعا ولم يفطن إلى أن عبد الوهاب موجود "الاطلال". فدمعت عينا عبد الوهاب وقال "حقا إنها العمل الذى سيعيش مئة عام وأكثر.
واستحق السنباطي لقب ملحن القصائد الاول لغزارة إنتاجه من القصائد وروعة هذا الانتاج كما يقول المؤرخ كمال النجمى في كتابه "تراث الغناء المصرى"..
وكتب النجمي "ليس بين جميع معاصرى السنباطي من استطاع ان يلحن مثل هذه القصائد كما وكيفا فقد نطقت مقامات الموسيقى العربية بين يديه في هذه القصائد نطقا جديدا رائعا لم يخطر على فكر ملحن عربي قط منذ عهد أسحق الموصلى وحتى اليوم الذي نحن فيه."
وارتبط السنباطي بصوت أم كلثوم ارتباطا وثيقا ولم يبتعد عنها إلا في فترات الخلاف.
اختلف السنباطي مع أم كلثوم مرتين أولاها عام 1955 بعد تقديم أغنية (ذكريات). دفع الخلاف السنباطي لتقديم رائعة (يا ناسينى) التي كتبها مأمون الشناوى للمطربة شهرزاد وشارك السنباطي بالعزف على العود في تسجيل الاغنية.
وقدمت الاغنية في حفل بث على الهواء من الاذاعة المصرية ونجح اللحن واستعاده الجمهور مرات عديدة. وبعد انتهاء الاغنية اتصلت أم كلثوم بالسنباطي وتعاتبا ثم عادت المياه لمجاريها بينهما.
ووقع خلاف آخر عام 1960 واستمر حتى عام 1961 بسبب تدقيق السنباطي في كلمات الاغانى التي يلحنها ثم عادت الامور بينهما إلى طبيعتها.