سيد درويش: وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر

سيد درويش: خدم الموسيقى فخدمته

القاهرة - رغم ان عمره ناهز الحادية والثلاثين عند رحيله إلا انه استطاع خلال سني عمره القصير أن يطبع بصمته بقوة في عالم الموسيقى وأن يبرز قضايا أمة وهموم شعب.
وبعد ثمانين عاما على وفاته مازال العاملون في مجال الموسيقى يتذكرون أنه صاحب الفضل في تأسيس حركة إحياء وتطوير الموسيقي العربية التي أخذت علي يديه منحي آخر كتب لها الاستمرار من بعده.
إنه سيد درويش صاحب النشيد الوطني المصري وصاحب زوروني كل سنة مرة وخفيف الروح بيتعاجب وأنا هويت.
ترك لنا سيد درويش البحر تراثا موسيقيا من أكثر من 200 لحن من الموشحات والمسرحيات الغنائية والطقاطيق.
وفي أحضان عروس البحر المتوسط الاسكندرية ولد سيد درويش في حي "كوم الدكة" في 19 آذار/مارس عام 1892.
تولت والدته تربيته بعد رحيل والده وهو في سن السابعة. وكان ولعه بالموسيقى واضحا منذ الصغر لدرجة لم يستطع معها الاستاذ سامي وهو أحد مدرسيه سوى أن يتبناه فكان يشرف على تدريبه حتى سلمه إلى الفرقة الموسيقية.
وعندما انتسب درويش إلى المعهد الديني في الاسكندرية في عام 1905 ولكنه لم يعمر طويلا بسبب حفظه للالحان وترديده لها في الحفلات مما اعتبر مخالفة لمبدأ المحافظة على شرف العلم والدين الذي كان يتعين على طالب المعهد الديني الالتزام به.
بدأ مشواره الفني في عام 1909 عندما التحق بفرقة أمين وسليم عطا الله بعد أن سمعا صوته صدفة وهما جالسين على مقهى بالقرب من الورشة التي كان يعمل بها.
ولانه كان حريصا على الاطلاع علي القوالب الغنائية الموسيقية العربية قرر درويش السفر إلي لبنان وسوريا ليتعلم أصول الغناء العربي.
وعندما عاد استقر في القاهرة وانضم إلى فرقة الشيخ سلامة حجازي في عام 1917 وصار إنتاجه غزيرا واشتهرت ألحانه بين الشعب المصري.
وبدأ سيد درويش في تأليف كتاب في الموسيقى، ونشر منه أربعة فصول في مجلة "النيل" عام 1921 وفي كتابه قال عن الموسيقى إنها "أصوات متآلفة تحدث أنغاما بواسطة اهتزازات تنجذب لها الافئدة كما ينجذب الحديد للمغناطيس"
ثم جاءت ثورة 1919 وأسهمت بشكل كبير في إشعال الحس الوطني عند سيد درويش ليقدم أجمل روائعه الغنائية التي تناول فيها قضايا وهموم الناس ولعل من أهم ألحانه في تلك الفترة نشيد "بلادي بلادي لكي حبي وفؤادي" الذي أصبح النشيد الوطني المصري إلى الان.
وعلى مدى خمس سنوات قدم سيد درويش 250 مسرحية ليسجل رقما قياسيا في الانتاج لم ينازعه فيه أحد حتى الان. وعندما سمع سعد زعلول لحن "بلادي بلادي" وأبدى اعجابه الشديد وسأل: من وضع هذا اللحن العظيم؟ فقيل له: الشيخ سيد درويش. فقال: أين هو لاحييه؟ وقيل للزعيم لقد مات اليوم صاحب هذا اللحن.
ومن أشهر ألحانه "أنا هويت" و "عشقت حسنك" و"يوم تركت الحب" و"يا حمام الايك" و"يا عذيب المرشف "و يا شادي الألحان" و"العذارى المائسات" و"يا غصين البان حرت في أمري" وغيرها من الالحان التي مازال من يحنون إلى سماع الموسيقى الجميلة يشدون بها في سائر أنحاء الوطن العربي.
وربما تحل ذكرى سيد درويش هذا العام في وجود مفارقات على عدة مستويات منها الفني والاجتماعي والسياسي.
فالنقاد الموسيقيون يرون ان الساحة الغنائية تمر بانتكاسة هائلة بطلها الفيديو كليب وان الاغنية باتت الان معتمدة على الصورة لا صوت.
وربما لا يكون الوضع السياسي العربي مواتيا لظهور خطاب وطني حاد كالذي شدا به الموسيقار الخالد الذي مات قبل أن يتمكن من أن يصدح بأغنية نظمها لتحية سعد باشا زغلول العائد من المنفى.
خادم الموسيقى العربية .. هكذا كان يسمى نفسه .. خدمها وخدم قضايا بلاده وشعبه وحصل في المقابل على الحب والتقدير والخلود.