الفضائيات العربية: تنافس شرس على سوق اعلانية محدودة

سوق الاعلان العربي محدود للغاية

دبي - رسمت دراسة اقتصادية حديثة تناولت مستقبل العشرات من القنوات الفضائية العاملة في المنطقة، صورة غير متفائلة عن مستقبل هذه القنوات في ظل أوضاع سوق الإعلان التلفزيوني في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وقالت الدراسة التي جاءت تحت عنوان "تحديات المشهد التلفزيوني في الشرق الأوسط والاتجاهات المستقبلية"، إن العالم العربي يشهد زيادة سريعة في عدد قنوات البث الفضائي، وأشارت إلى أن عددها يناهز الآن نحو 200 قناة فضائية، نصفها من القنوات الترفيهية وقنوات الأفلام.
وأوضحت الدراسة التي نفذتها مؤسسة "بوز ألن هاملتون"، أنه بالرغم من العدد الكبير لهذه القنوات، إلا أن حجم الإنفاق على الإعلان التلفزيوني لم يتجاوز الـ 1.2 مليار دولار، وهو رقم صغير قياسا إلى حجم القنوات من جهة، وإلى حجم الإنفاق المثيل في مناطق أخرى من العالم، من جهة أخرى.
ورجحت الدراسة أن تشهد القنوات المتخصصة تناميا خلال الفترة المقبلة، خصوصا تلك القنوات التي تخصصت في بث الموسيقى والأغاني، وأشارت الدراسة إلى امكانية أن تطلق شركة "روتانا" التي يملكها الأمير السعودي الوليد بن طلال قنوات موسيقية أخرى، غير القناتين الحاليتين، لمخاطبة المزيد من الأذواق الموسيقية الأقل انتشارا، بحسب ما أوردته الدراسة.
واعتبرت، أن انطلاق القنوات المنوعة التي تملكها جهات خاصة وتستهدف أحيانا أسواقا محلية، ستوسع دائرة الاختيار أمام المنافسين وستشعل المنافسة الإعلانية في السوق، ويمثل هذا النوع من القنوات قناة "دريم" المصرية، وقناة "نصر" التونسية المرتقب بدء بثها قريبا، إضافة إلى قناة "رأي" الكويتية التي بدأت بثا تجريبيا قبل نحو شهر.
وقالت دراسة "بوز ألن هاملتون" التي شارك في إعدادها عددا من كبار الإعلاميين والمشتغلين في قطاع الإعلاني في المنطقة، انه مع تزايد الفضائيات العربية وتنوعها، فان ثلاثة أساليب استراتيجية بدأت تظهر بين هذه المحطات "فقد نجح لاعبين فاعلين بترسيخ مواقعهم كمعابر للمضمون التلفزيونيّ الحصريّ والضروريّ .. ومن الأمثلة على الأسلوب الاستراتيجيّ القائم على المضمون ART في الرياضة وروتانا في الموسيقى. وكلاهما يقومان بالتكامل التراجعي بحيازة الحقوق وإنشاء المضامين لتأمين العرض الدائم للمضمون المميّز على شاشاتهما".
وأضافت الدراسة، انه ثمة مجموعة أخرى من الفاعلين تنشئ باقات من القنوات التلفزيونيّة لاجتذاب المشاهدين من جميع أفراد الأسر العربيّة وتوليد تدفّق متواصل للمشاهدين طيلة اليوم. وأشارت الدراسة إلى أن هذا الأسلوب لعبته قناة "إم بي سي" التي أطلقت قنوات شقيقة تستهدف المشاهدين من قطاع الشباب، وكبار السن. وتبث هذه القناة برامجها من مقرها في مدينة دبي للإعلام.
واعتبرت الدراسة أن قناة "الجزيرة" القطرية، المثيرة للجدل، اتبعت أسلوبا مشابها حينما بدأت في إطلاق قنوات شقيقة، تمهيدا للبدء في بثها كباقة متكاملة، وتبث "الجزيرة" الآن قناة إخبارية وأخرى رياضية، إضافة إلى قناة للأطفال يتوقع أن تبدأ البث قريبا.
أما الأسلوب الاستراتيجي الثالث، الذي لاحظته الدراسة، فهو قطاع الفضائيات المشفرة، أو المدفوعة الأجر، الذي يسعى لحشد "نوع" من المشاهدين الذين يفضلون تلقي خدمات خاصة، وبالتالي جلب معلنين خاصين، ومن أمثال هذه القنوات "شو تايم" و"إيه آر تي" و"أوربيت"، حيث تحقق هذه القنوات نجاحات متفاوتة.
وأوضح أحمد جلال إسماعيل، أحد الخبراء المشاركين في إعداد الدراسة، أن معظم اللاعبين الفاعلين في سوق القنوات الفضائية العربية يواجهون مجموعة من التحديات ذات الطابع المالي، بصرف النظر عن موقفهم الاستراتيجي، موضحا أن الإعلانات التلفزيونية تباع أثناء الفترة الرئيسية بخصومات كبيرة تصل إلى نحو 95 في المائة أحيانا. واعتبر إسماعيل أن غياب التوجيهات التنظيمية للإعلان في القنوات التلفزيونية العربية سمح في تدني مستوى سعر الوحدة الإعلانية.
وقدرت دراسة "تحديات المشهد التلفزيوني في الشرق الأوسط والاتجاهات المستقبلية" أن معظم القنوات التلفزيونية في المنطقة لم تتمكن من توليد عائدات إعلانية كافية من برامجها خارج فترات البث الرئيسة.
وأشارت الدراسة في هذا الصدد أن الميزانيات السنوية للفضائيات في المنطقة تتراوح بين 5 ملايين دولار للقناة القائمة على المكتبات والأرشيف، إلى أكثر من 60 مليون دولار للقنوات التي تنتج برامجها الخاصة أو تحصل على حقوق برمجة أجنبية.
وتوقع غابرييل شاهين، المدير العام لـ "بوز ألن هاملتون" التي نفذت الدراسة، أن يشهد قطاع القنوات التلفزيونية الفضائية متغيرات على المديين القصير والمتوسط "بالنظر إلى الضغوط التنافسية المتزايدة وتحديات الأداء الداخلي".
وقال شاهين إن المتغيرات ستكون بعدة أبعاد، أولها إعادة النظر في استراتيجية البرامج من حيث مضمونها وتنفيذها بما يضمن جلب مشاهدين اكثر وبالتالي معلنين، مشددا على أن ذلك يجب أن يترافق بتطوير استراتيجيات بيع الإعلانات وتسعيرها.
أما البعد الثاني المتوقع للتغير في قطاع الفضائيات العربية، بحسب شاهين، فهو التوجه نحو توحيد الشركات، مثل الصفقة التي تمت مؤخرا بين "روتانا" التي اشترت حصة في قناة "إل بي سي" اللبنانية وقناة "فنون" الموسيقية، وأوضح شاهين أن ذلك سينوع منصات الإعلان أمام المعلنين.
ويؤكد التقرير على أن السوق التلفزيونيّة في الشرق الأوسط تدخل فترة من التغيّر السريع والتطوّرات المهمّة "وتمارس قوى السوق ضغطاً كبيراً على اللاعبين الفاعلين لمراجعة موقفهم الاستراتيجيّ وتعزيز قدراتهم التنفيذيّة في وجه المنافسة التوحيديّة" وفق الدراسة.، التي شددت على ضرورة أن تكون الإدارات العليا في الشركات الإعلاميّة البارزة واعية للتحدّيات الملازمة وأن تفكّر باستمرار في اغتنام الفرص التي لديها لشغل الموقع الأفضل في المستقبل.
يشار إلى أن سوق الإعلان التلفزيوني في المنطقة يواجه تحديا سياسيا، متمثلا بممارسة بعض الحكومات في المنطقة ضغوطا على التجار لديها، لعدم الإعلان في قنوات محددة، والإعلان في قنوات الأخرى، مما يشير إلى أن اختيار القناة لبث الإعلان أحيانا لا يبنى على أسس علمية صحيحة، بقدر ما هي أسس سياسية.
وأشارت الدراسة إلى أن غياب الدراسات العلمية الدقيقة، التي تساعد المعلنين على كيفية توجيه إعلاناتهم في الفضائيات تعتبر أحد المصاعب التي تواجه الفضائيات العربية في الوقت الحالي.