شعراء عراقيون، مقاومون من نوع آخر

بغداد
مقاومة باوجه متعددة

تتعدد أشكال المقاومة الوطنية في العراق ضد قوات الاحتلال. فهي تارة بالسلاح، وتارة أخرى بالسياسة، وطورا بالكلمة شعرا ونثرا. وبالرغم من تركز اهتمام الناس خارج العراق على المقاومة المسلحة، فإن مقاومة العراقيين لا تقف حتما عند هذا الحد. إذ أفرزت المقاومة العراقية المسلحة مقاومة رديفة، كانت لها سندا وعونا، ألا وهي مقاومة الكلمة.
فالشعر والأدب عرف هو الآخر طريقه نحو مقاومة المحتل، والتغني ببطولات الأجداد، وببطولات أبناء المقاومة العراقية الحالية. فكانت قصائد تفيض بالشاعرية، وتؤكد على أصالة الانتماء إلى القيم الإسلامية، والعربية، التي ترفض المحتل، وتأنف منه، مهما كانت أسباب مجيئه، ومهما تلونت وتزينت الشعارات البراقة التي ينادي بها.
عرف العراقيون القصيدة المقاومة منذ زمن بعيد. وهي ليست بالجديدة على ساحة الأدب العراقي العريق. فالعراق الذي عرف الاحتلال في بداية القرن الماضي، من قبل الإمبراطورية البريطانية، عرف أيضا المقاومة بكل أشكالها، والتي كان من بينها المقاومة بالكلمة والقصيدة، فكان الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري، الذي قاوم المحتل، من خلال رفضه للعديد من تصرفات الساسة العراقيين آنذاك، وكان هناك معروف الرصافي، ومعروف عبد الغني، الذي ما زال يشمخ وسط العاصمة العراقية بغداد، بتمثال يخلد هذا العملاق، الذي يقول في إحدى قصائده في مطلع الأربعينيات منتقدا فيها الأوضاع السائدة آنذاك: علم ودستور ومجلس أمة
كلٌ عن المعنى الصحيح محرفُ
وهي الأبيات التي استشهدت بها بعض الصحف العراقية حاليا على قلتها، بعد اختيار الحكومة والمجلس الوطني المؤقت، منتقدة تلك الآلية، التي ينطبق عليها تماما بيت الرصافي، الذي يقول في أبيات أخرى منتقدا السياسات القمعية، التي كانت تمارس من قبل قوات الاحتلال البريطاني ضد أبناء الشعب العراقي آنذاك: قتل امرؤ في غابة جريمة لا تغتفر
وقتل شعب كامل مسألة فيها نظر
فلمقاومة المحتل، في الشعر والقصيدة إرث في الذاكرة العراقية الحديثة، ولم تأت وليدة الاحتلال الأمريكي للعراق. ومن هنا كان لشعراء عراقيين غير معروفين قصائد تمجد المقاومة الوطنية، وترفض الاحتلال والهيمنة. لكنها قصائد لم تجد طرقها للنشر على صفحات الصحف العراقية المحلية، التي يسير أغلبها في ركب الاحتلال والحكومة المعينة من قبله. أما بقية الصحف فإنها تخشى من الإغلاق والمطاردة، سواء من قبل قوات الاحتلال الأمريكي، أو من قبل الحكومة المعينة.
وليس من السهولة أن يلتقي المرء بهؤلاء الشعراء "المقاومين"،، إلا أن قصائدهم منتشرة بين العديد من الشباب العراقي الذي يرفض المحتل. كما أنها تنتشر أكثر في المناطق التي تشتهر بالمقاومة، خاصة في الأعظمية، وسط العاصمة بغداد، ومناطق العراق الغربية، والموصل، وبيجي، وسامراء، وبعقوبة.
فالشاعر محمد سعيد الجميلي، يناجي العراق في قصيدة له بعنوان "صحائف العز"، كتب في أسفل عنوانها الرئيس "بين يدي السيد العراق، بماضيه الزاهر، وحاضره المظلم، ومستقبله المشرق بإذن الله"، يقول في قصيدته التي حصلت "قدس برس" على نسخة منها: أطل وقوفك واستذكر محياها
فدار سلمى عجيبات سجاياها
وقل سلام على النهرين مذ هبطا
أرضا كأن ثراها من ثرياها
والباسقات نضيد الطلع زينتها
مدت كمرضعة للطفل أثداها
ويسترسل الشاعر في قصيدته متغنيا بالعراق وبغداد: هذي قرون بني العباس شاهدة
بأن بغداد تعني المجد ذكراها
وأن راية حطين التي خفقت
يد العراق تجلت في ثناياها
هذي بلاد كأن الكون مختصر
ما بين فسحة يمناها ويسراها
ديمقراطية أمريكا والموساد وإذا كان هؤلاء الشعراء من غير المعروفين على المستوى المحلي أو العربي، فإن المتتبع للمشهد الأدبي العراقي قبل الاحتلال، يجد أكثر من سبب لهؤلاء الشعراء، الذين لم يعرفوا قبل الاحتلال بقصائدهم أو أدبهم لقول الشعر. فالشعر في العراق قبل الاحتلال كان شعرا محصورا في التغني بالرئيس السابق وأمجاد ثورة تموز. وبخلاف ذلك لا بزوغ لشمس شاعر مهما علا شأنه في عالم الأدب والقصيدة.
أما اليوم وقد ارتفعت عنهم بعض قيود الأمس، فإنهم وجدوا أنفسهم أمام مرحلة تختلف كليا عما ألفوه. فالبلد محتل، ويتحكم به دعاة الديمقراطية الجدد، فكان لزاما عليهم أن يخرجوا من طور الكتابة في الخفاء، إلى طور الكتابة في العلن، وإن أصبحوا يعانون من قيود جديدة فرضها الواقع الجديد.
يقول الشاعر عبد الفتاح صالح العاني في قصيدة له بعنوان "ديمقراطية أمريكا" ماذا نقول لسالف الأجداد
أفلا علمتم حاضر الأحفاد
فلقد بدا غزو (التأمرك) واضحا
يلج البيوت بغفلة الأضداد
ويعرج العاني في قصيدته على بعض من مطالب أمريكا للشرق المسلم، والتي كان من بينها تعديل مناهج التعليم، وبالذات الإسلامية منها، بحجة تشجيعها للإرهاب إذ يقول: وبدا يطالب حذف بعض (كتابنا)
دستور (أحمد) في هوى (الموساد)
وهو الذي ارتكب المجازر كلها
وأحاط في خيرات أرض سوادي
وهو الذي يهب الكراسي واثقا
بالدائبين على خراب بلادي
وهو الذي نشر السجون بأرضنا
وأباح فعل السوء للجلاد
تعلمنا من شعر المقاومة الفلسطينية وأكثر ما يخشاه هؤلاء الشعراء، الذين جعلوا من جرح بلدهم قضية قوافيهم، هو أن تطمر تلك القصائد تحت ركام النسيان، ولا تجد لها المكان المناسب لتخرج من مجرد التداول المحدود، إلى التداول الأوسع، الذي يسجل لمرحلة مهمة من تاريخ العراق.
يقول الشاعر "ابن الرافدين"، وهكذا عرف نفسه لمراسل "قدس برس"، "أخشى أن يكتب التاريخ بأن القصيدة العراقية لم تكن بمستوى الحدث. نحن نكتب شعرا مقاوما تعلمناه أول ما تعلمناه من قصائد المقاومة الفلسطينية، حتى تجسدت المعاناة على أرضنا، فلم يكن من بد إلا أن نشحذ الأقلام والأفكار لمساندة قضيتنا، ومساندة المقاومة العراقية".
ويضيف ابن الرافدين قائلا "إلا أن الحال في العراق يختلف عن فلسطين. فإذا كانت القصيدة الفلسطينية قد واكبت تطورات الأحداث وعرفها العالم، وليس الفلسطيني فحسب، فإن القصيدة العراقية المقاومة مازالت محاصرة خلف جدران الخوف والمنع. فليس هناك من صحيفة تقبل على نشر هكذا قصائد. حتى الصحف المعروفة بمعارضتها للاحتلال، رغم قلتها، إلا أنها تتراجع عن نشر هذه القصائد، خوفا من الملاحقة".
"وهكذا فالقصيدة المقاومة في العراق اليوم حالها حال المقاومين أنفسهم، كلاهما مطلوب القبض عليه. لذلك فإن منافذنا للنشر معدومة، وغاية ما نستطيعه هو أن نقوم باستنساخ القصيدة، وتوزيعها في المساجد، أو في بعض الأماكن، التي نعتقد أن لها رغبة في هكذا أدب". كيف الخروج من الحصار؟ تتشابه التحديات التي تواجه القصيدة المقاومة مع التحديات التي تواجه الشخص المقاوم. ومن هنا يحاول الشعراء المقاومون أن يجدوا السبيل للخروج من حصار فرض عليهم من قبل السلطات. وكان من بين تلك السبل هو اللجوء إلى نشر أشرطة الكاسيت، التي تحوي على تلك القصائد بإنشاد أحد المنشدين. وربما ترافقها ضربات على الدف، أو على إيقاع خفيف. إذ انتشرت في الآونة الأخيرة العديد من تلك الأشرطة، بعد أن صارت لها أماكن للتسجيل والبيع على أنها أناشيد إسلامية.
ويشير النقاد إلى أن هذه القصائد، على الرغم من عدم انتشارها، وتوافر أسباب ذيوعها، إلا أنها تتمتع بصدق فني ونفسي كبير، لأنها تنبع من أحاسيس صادقة، لا تعرف التزييف، وهو الأمر الذي يكتب لها النجاح والخلود في آن واحد. وهكذا فالقصيدة المقاومة في العراق لم تنس في عز محنتها أن تكتب لفلسطين. يقول الشاعر عبد الفتاح العاني في قصيدة له: حيوا الجهاد بكل عز للهدى
لم يرحل الغازون بغير جهاد
وسيرحل المحتل تحت إرادة
وثبات عزم راسخ الأوتاد
تحيا فلسطين الحبيبة إنها
أم الضحايا قدوة الرواد
تحيا بلادي حرة وعزيزة
وسلمت من كيد العدى بغدادي
وتبقى القصيدة المقاومة في العراق تحمل ذات النفس، الذي تحمله المقاومة المسلحة، ألا وهو النفس الإسلامي. يقول الشاعر محمد سعيد الجميلي في قصيدته "صحائف العز": صبرا فخلف ستور الغيب كوكبة
ممن يجد السرى تهوى مناياها
عهدا بأن عراق الفتح لو طمست
منه المعالم يستحي سراياها
ويبعث الله جيشا من عصائبه
يجفف الدمع من أجفان أقصاها
فيا حماة الحمى تاريخنا حكم
غدا ستروي لأجيالي حكاياها
أذلنا الله لما راح هدهدنا
يحكي لبلقيس أسرارا كتمناها
لما سجدنا لما كانت تقدسه
جهلا وغرت بني قومي هداياها
فإن خدعنا برايات ملفقة
تقفو هواها فإيانا وإياها
فالشعب يدرك بالإسلام غايته
والتضحيات مهور لو بذلناها
فإن حورا سلبناها تزف لنا
وجنة الخلد تهوانا ونهواها
وبائع النفس بالفردوس سلعته
بالنوق ديتها لكن مولاها
حين اشتراها بعقد زاد قيمتها
فضلا لمن بالغيب سواها
وأخيرا ترك الشاعر العراقي الأصيل ليلى خلف ظهره، وراح يبحث عن كلمات لها وقع التغزل والغزل والحب، ولكن ليس بليلى هذه المرة، وإنما بالوطن الذي داسته سنابك خيل المحتل، فكانت القصيدة المقاومة في العراق، الوجه الثاني من المقاومة العراقية المسلحة. فبين القلم والسلاح قواسم مشتركة عند المسلم العربي، منذ أن عرفت قريحته الشعر، وهو فارس مقاتل على ظهر الخيل. ومثلما كانت ليلى، كان الوطن عشق ممزوج بين حبيبين إلا أن الوطن يبقى الحبيب الأول لدى الشاعر العراقي دوما، وفي هذه الأيام خاصة على وجه التأكيد. (قدس برس)