الجواسيس - الضحايا

بقلم: هشام القروي

تذكر قضية لاري فرانكلين، الموظف في البنتاغون (وزارة الدفاع الامريكية)، والمتهم بالتجسس لصالح اسرائيل، بقضية جوناتان بولارد (1985)، الخبير الامريكي الذي اعتقل وحوكم بتهمة التجسس لصالح اسرائيل أيضا، ولا يزال الى الآن يقضي عقوبته بالسجن في الولايات المتحدة. ومن هذه الناحية، فالحالة ليست وحيدة، وليست استثنائية. فلو لم يجد القضاء الامريكي دلائل على تورط بولارد بالتجسس لما كان الآن في السجن. وكون الولايات المتحدة هي أقرب الدول الى اسرائيل، وكونها الممول الأساسي لجهاز الموت الاسرائيلي، لا يمنع أن يتجسس عليها الاسرائيليون ويبتزوا منها كل ما يمكن ابتزازه. فأمريكا هي البقرة الحلوب، التي تجمع حولها ولجأ اليها اليهود من كل مكان من العالم، ولا توجد دولة أخرى على الارض تجمع نفس العدد منهم باستثناء اسرائيل نفسها. وليس معنى هذا أنهم جميعا صهاينة مقتنعون، فالواقع أن العديد من اليهود يكرهون الصهيونية ويعتبرونها كذبة كبرى تحاول اقتلاعهم من بلدانهم الأصلية. ولكن الصهيونية – كما تنبأ هيرتزل – تتغذى من معاداة السامية، وكلما وقع الضغط على اليهود في أي مكان من العالم، تحول ولاؤهم عن بلدانهم الى اسرائيل.
ولا أدري ان كان السيد لاري فرانكلين يهوديا أم لا، ولكنه متهم من طرف "اف بي آي" بتقديم معلومات سرية عن استراتيجية الولايات المتحدة تجاه ايران ليهود "ايباك"، أقوى منظمات اللوبي اليهودي- الصهيوني في أمريكا. ويقول "اف بي آي" أيضا إن "ايباك" سربت تلك المعلومات السرية الى المخابرات الاسرائيلية الموساد.
والى حد هنا، لا يبدو أن المسألة غريبة. فهناك، كما قلنا سابقة. ولا أعتقد أن "اف بي آي " يجرؤ على اتهام موظف أمريكي كبير بالتجسس دون أن يكون له دلائل قوية. فقد ذهب المحققون الى حد استجواب السيد دوغلاس فاذ، رئيس فرانكلين المباشر، وكذلك السيد بول وولفويتز، أي نائب وزير الدفاع الامريكي نفسه. وفي هذا ما يشير الى اهمية القضية.
ومع ذلك، فهناك من لا يزال يدافع عن لاري فرانكلين، مثل السيد يوفال ستينيتز، رئيس لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في البرلمان الامريكي، وهي من أقوى اللجان في الكونجرس، وهي تشرف كذلك على كل ما يتعلق بشؤون المخابرات والعلاقات مع اسرائيل. فيقول ستينيتز مثلا انه مقتنع مائة في المائة بأن اسرائيل لا تتجسس على الولايات المتحدة. وهذا ما يقوله مكتب شارون كذلك. وعليه، فهناك اتفاق وتجانس تام بين ستينتز والاسرائيليين. والحقيقة أنه قد لا يكون مخطئا: فنشاط "ايباك" شرعي تماما، وعلاقاتها مع "الموساد " معروفة أيضا. وأما التجسس، فهو نشاط غير شرعي. فكيف يمكن التوفيق بين ما هو شرعي وما هو غير شرعي ؟ فمن الناحية المنطقة، ينبغي للقضاء الامريكي أن يوقف نشاط "ايباك" باعتباره غير قانوني حتى يتسنى له اثبات تهمة التجسس على لاري فرانكلين، اذا صح أن هذا الاخير قدم معلومات "لأيباك". بعبارة أخرى، حتى في حالة ثبوت عملية نقل المعلومات، فلا شيء يؤكد أن العملية غير قانونية، طالما أن الجميع يعلمون بأن ما لا يقل عن 65 ألف عضو ينتمون الى هذه المنظمة في الولايات المتحدة، ينشطون علنا، ولهم علاقات مع "الموساد". فأين هو الخطأ؟
لذلك فهناك قسطا لا بأٍس به من السذاجة والتساذج في قضية لاري فرانكلين، وككل قضية من هذا النوع، قلما يعترف أحد بأخطائه، لأنه في عالم الجوسسة لا توجد مسؤوليات ولا رؤساء ولا مرؤوسون، ولا أحد يعرف الآخر عندما ينفضح الجميع. وقد يعملون معا سنوات، يدا في يد، ولكن في الظلام الدامس، لذلك فعندما يشعل أحدهم النور ويكتشفون ما فعلوه، ينكرون كل شيء. وقد يتسع الخرق على الراقع أحيانا، ويحتاجون الى "كبش فداء". وهذه كانت حال جوناتان بولارد، وقد يكون فرانكلين الحالة الآتية على قائمة " الجواسيس – الضحايا". هشام القروي