صالح خيري يحاور 35 أديبا سعوديا

مراجعة: أحمد فضل شبلول
مرجع مهم لمن أراد أن يتعرف على الحركة الأدبية السعودية

كنت مشاركا في وضع بذرة هذا الكتاب، قبيل اكتماله على هذا النحو الذي بين يدي الآن، حيث كان من المفروض أن أقوم بكتابة دراسات عن بعض الأعمال القصصية للأدباء السعوديين، ويقوم الكاتب الصحفي الصديق صالح خيري (مراسل جريدة الأهرام بالرياض) بعمل حوارات معهم حول إبداعاتهم القصصية، ويخرج الكتاب محتويا على الدراسة والحوار معا في مجال القصة القصيرة.
وبالفعل تقدمنا بالفكرة لإحدى دور النشر السعودية عندما كنت أعمل هناك. ووجدت الفكرة ترحيبا كبيرا من الناشر، ولكنه سرعان ما حوَّل نشاطه إلى شيء آخر غير النشر بعد أن اكتشف أن مهنة النشر غير مربحة بالنسبة له، فأسقط في أيدينا. وسحبنا أصول الكتاب، وتأجل المشروع المشترك.
وعندما عدت إلى مصر أصدرت كتابي "أصوات سعودية في القصة القصيرة" مشتملا على الدراسات التي أعددتها عن بعض الإصدارات القصصية السعودية. وتمهَّل صالح خيري في إصدار كتابه، ثم فاجأني في زيارته الأخيرة إلى القاهرة، بصدور كتابه "حواراتي مع الأدباء السعوديين" (280 صفحة) وبه الحوارات التي كانت معدة للنشر في الكتاب الذي لم يصدر، وأزاد عليه حوارات أخرى مع بعض الشعراء والروائيين والنقاد السعوديين.
وعدت بالذاكرة إلى تلك الأيام التي كنت أتابع فيها ما تخرجه المطابع السعودية من إصدارات أدبية، حال صدورها، بسبب عملي في مجال الطباعة والنشر والإعلام في إحدى المؤسسات الخاصة، ثم في جامعة الملك سعود بالرياض.
***
في هذا الكتاب ينشر خيري حواراته مع خمسة وثلاثين أديبا سعوديا، بعضهم من جيل الرواد، والبعض الآخر من الأجيال التالية، ومن خلال آراء المشاركين يخرج القارئ بانطباع جيد عن حال الأدب السعودي الآن، وعن آراء الأدباء في بعضهم البعض، على الرغم من تأخر نشر الكتاب، ورحيل عدد من هؤلاء الذين حاورهم خيري من أمثال: حسين عرب، وعبد العزيز مشري، وحمد الجاسر.
بعض الأسئلة التي احتواها الحوار تجئ تقليدية، والبعض الآخر يجيء كاشفا عن متابعة جيدة لما تتمخض به الساحة الأدبية السعودية، والهدف "إلقاء الضوء على بعض أدباء المملكة الذين أثروا الحياة الثقافية والأدبية العربية بإبداعاتهم المتميزة، ومناقشة القضايا الأدبية الساخنة التي تطرح نفسها بقوة على الساحة الثقافية والأدبية".
يتخذ المؤلف من الترتيب الهجائي منهجا لتصنيف الأدباء السعوديين، وتبدأ سلسلة الحوارات بإبراهيم ناصر الحميدان الذي يعد من الرعيل الأول في كتابة القصة والرواية في المملكة، فيتحدث عن بدايته ككاتب، وإصداراته المختلفة، وفنه الروائي، ومن قرأ لهم ومن لم يقرأ لهم بسبب سوء التوزيع. التكوين الكيميائي يُحدث التفاعل القاص تركي ناصر السديري، يؤكد أن التكوين الكيميائي داخله هو الذي يحدث التفاعل وبالتالي يعجل الكتابة ويحركها لديه.
الشاعرة ثريا العريض تستطيع كتابة القصيدة العمودية، ولكن تجد نفسها في قصيدة التفعيلة، وتفاجئها الأصداء الطيبة التي يتلقى بها الآخرون شعرها.
الباحثة د. جواهر عبد العزيز آل الشيخ يدور الحوار معها حول دور المرأة في الحركة النقدية، وظاهرة اختفاء الأقلام النسائية والأدب النسائي. وتكشف عن عدم رضاها عن الوضع الثقافي في العالم العربي، فهو متردٍ لظروف كثيرة من أهمها ضعف التعليم نتيجة الظروف الاقتصادية والسياسية المتردية في بقاع كثيرة من العالم العربي.
الناقد د. حسن الهويمل من رواد النقد في المملكة، وله بصمة واضحة في أعماله النقدية، لا يجامل في نقده، فالنقد للنقد، والعمل الأدبي أهم من المصالح الشخصية.
الشاعر حسين عرب يؤكد أن توجهه الشعري جاء عفويا كأي شاعر، وأنه تأثر ببعض الأحداث العالمية، والشعراء العرب القدامى هم المفضلون لديه.
الشيخ حمد الجاسر ـ علامة الجزيرة كما يُطلق عليه ـ يتحدث عن كنوز المعرفة في التراث العربي، وعن قضية إحياء التراث، كما يتحدث عن أدب الرحلات والتنقل والسفر.
الصديق القاص خالد اليوسف يؤكد أنه لم يفكر في تصنيف نفسه ضمن مدرسة أدبية بذاتها، معتبرا نفسه ابن هذا المجتمع وكتاباته موجهة إليه.
الكاتب والقاص خليل الفزيع حائر بين الصحافة والأدب، ولكنه لا يعترف بمصطلح الرواية الصحفية، وفي رأيه أن الثقافة تتأثر بالواقع وتؤثر فيه سلبا وإيجابا، ولا يمكن عزل المثقف عن واقعه. والأدب هو الأقرب إلى ذلك، لأنه يعبر عن ضمير المجتمع ويسجل مقياس نبضه.
الصديق الناقد د. سعد البازعي يتحدث عن شئون الأدب والنقد والثقافة بوجه عام، ويرى أنه من الطبيعي أن تكون الحركة النقدية أكثر تأنيا من الحركة الإبداعية فلا تنال كل ما يصدر.
الشاعر سعد الحميدين يؤكد أن له خصوصية متفردة به كشاعر، وأن قصائده تدل على ذلك. وهذه ميزة يرى أن من حقه أن يفخر بها.
القاصة شريفة الشملان تؤكد ارتباطها بالأرض والإنسان من خلال عملها في حقل الرعاية الاجتماعية، وتشير إلى أن لكل أديب أو كاتب لونا خاصا به، يميزه عن غيره ويختلف من بلد لآخر ومن مدينة لأخرى.
الصديق الشاعر عبد الله الزيد يتحدث عن مسيرته الشعرية ومراحله الإبداعية، والمهم في تفصيلات التجربة أن يكون عند كتابته فنانا حقيقيا لا أن يمثل دور الفنان.
الشاعر عبد الله باشراحيل يرى أن أملح الشعر وأجمله، أصدقه، وليس كما قال الأولون أكذبه، وهو يرى أن الشعر العربي لا يعيش حالة انحسار، وأن الشاعر يكون فقط من خلال إبداعاته وليس من خلال اسمه. القصة في المملكة بلا تراث الصديق القاص عبد الله محمد حسين يعترف أن القصة في المملكة العربية السعودية لم تمتلك تراثا تستمد منه المقدرة على الانطلاق، إلا أن العطاءات القصصية المتعثرة حينا والموفقة أحيانا أخرى استطاعت أن تمتلك مكانة بارزة على الساحة الثقافية.
الناقد د. عبد الله الغذامي يؤكد أنه لا يوجد تعارض بين الإبداع والموروث، وبين التجربة الراهنة والتجربة المتوارثة لأن الطرفين وجهان لعملة واحدة.
القاص عبد العزيز المشري أكد ـ قبل رحيله ـ أن الرواية المحلية التي كتبت في الجيل السابق لم يكن لها خصائص المحلية، ثم جاء جيل السبعينيات وكان عليه أن يضع اللبنات التأسيسية لأن التراث الروائي قليل، وأضاف أن البعض يرى أن كتاباته واقعية باعتبارها لا تنتهج نهج المدارس التي تمثل الصرعات والأشكال الجاهزة أو الوافدة من ظروف الخارج.
الناقد د. عبد الله المعيقل يرى أن النظرية الأدبية تتطور وتتشكل وتتجدد، وأن ظهور نظرية نقدية جديدة لا يعني غياب أو موت ما قبلها، فهناك حضور معرفي مهم ودائم لأي نظرية مهما كانت قديمة. 50 ألف نسخة من ديوان السامر الشاعر الأمير عبد العزيز بن محمد آل سعود حقق ديوانه الشعبي السامر أعلى المبيعات، وبيع منه 50 ألف نسخة، وهو يرى أن الشعر يتطور بتطور عقول الشعراء، فكل عصر شعراؤه الذين يعيشونه ويعايشون كل خفاياه، مجسدين ذلك فيما يكتبونه من شعر يتناقله الرواة وأجهزة الإعلام، لأنه يلامس الأحاسيس ويصور المشاعر.
الأديب عبد الكريم الجهيمان من رواد أدب الطفل في المملكة، وهو يؤكد أن الطفل العربي لا يزال يواجه الكثير من المشكلات سواء فيما يتعلق بالقراءة والكتابة، أو ما يتعلق بالتربية والتوجيه ومثول القدوة الحسنة أمامه. لا يوجد جيل بلا أساتذة القاصة فوزية الجار الله تؤكد أنه لا يوجد إطلاقا جيل بلا أساتذة، وأنها تسعى في كتاباتها نحو معرفة الذات أولا كخطوة أولى نحو اكتشاف الآخرين مع التعبير بالعفوية والبساطة على أرضية صلبة من القيم والمعتقدات الإيمانية التي لا غنى عنها لضمان حياة أكثر استقامة وإشراقا.
القاص فهد العتيق ينحاز للواقع الاجتماعي وهمومه، ولكن بكيفية فنية خاصة لا تخضع في كتابتها للطرق السائدة.
د. فهد اليحيا يؤكد أن الكتابة للطفل فن مستقل له شروطه وأدواته وأن الأطفال لا يشكلون مجموعة واحدة متجانسة.
القاصة قماشة السيف لا تكتب للقارئ لتزجية وقت فائض لديها، وإنما تكتب للقارئ الجاد الذي يستخدم عقله، ويشحذ ذهنه من أول القصة إلى آخرها. مازلنا متخلفين في مجال التوثيق الأستاذ محمد الشدي يرى أننا في العالم العربي مازلنا متخلفين في ميدان التوثيق، وأن الضرورة تدعو إلى الاهتمام بهذا الحقل وتطويره.
الناقد د. محمد السليمان القويفلي يرى أن النقاد لم يلتفتوا إلى القصة القصيرة التفاتهم إلى الرواية. وأن القصة في الخليج محاولة لبلورة كيان ثقافي يندرج في سياق الإبداع العربي بعامة.
الكاتب المسرحي محمد العثيم قدم أعمالا كثيرة للمسرح السعودي، ويرى أن المسرح ثقافة جامحة، لا يسهل تقييدها حتى في أقصى الضرورات الرقابية.
الصديق القاص محمد المنصور الشقحاء يرى أن الأدب في المملكة يحظى بحضور إبداعي، والدليل هو العدد الكبير من الإصدارات، ولكنه يتوقع أن يتوقف المد القصصي في السنوات المقبلة، وبشكل ملحوظ، وأن الإصدارات سوف تتقلص بسبب غياب روح المنافسة.
القاص محمود تراوري يؤكد أن الأدب والثقافة يمثلان انعكاسا صحيحا للواقع بكل أبعاده وصوره، ويرى أن القصة السعودية متقدمة نظرا لكثرة عدد كتابها وتنوع ما يتناولونه من موضوعات. لا توجد خصوصية تميز الأدب السعودي الناقد د. مرزوق بن صنيتان تنباك يؤكد أن العمل الروائي يحتاج إلى بيئة غنية بالموروثات الثقافية والتاريخية، ويرى أنه لا توجد خصوصية تميز الأدب السعودي عن غيره من أدب العرب، لأن الأدباء السعوديين جزء من الأدباء العرب، وهو يرى أن الشعر ليس في حالة تراجع، وإنما واقع العرب كله في حالة ضعف.
الشاعر مصطفى زقزوق يرى أنه كثر الشعراء وقل الشعر، وأن ما نقرأه الآن لا يتعدى تسميته محاولات فاشلة لا تحمل مضمونا ولا نبضا ولا يجوز اعتباره مادة تسلية أو مخاطبة وجدانية.
الصديق الشاعر محمد جبر الحربي يرى أن الشعر العظيم والشاعر العظيم يفرض نفسه في كل زمان ومكان عموديا كان أم أفقيا. وأن القصيدة أصبحت أكثر اتساعا وشمولا وأصبحت المرجعيات الثقافية والفكرية والسياسية والمتغيرات التي تحدث في كل ثانية تقريبا ذات تأثير بالغ من حيث التعدد والتنوع والثراء، وتحطمت أسطورة الشاعر الأوحد والأفضل، لتتسع القمة لعشرات وعشرات الشعراء الفاعلين والمؤثرين، حتى وإن لم يكونوا نجوما حسب التعابير الصحفية الهشة والسريعة. المتوسط الجيد الناقد د. معجب الزهراني يرى أن المبدعين السعوديين أنجزوا في مجال الشعر والقصة القصيرة والفنون التشكيلية ما يماثل ويساوي في أهميته النوعية ما يسميه "بالمتوسط الجيد" السائد في العالم العربي، وكان بإمكان بعض الأسماء أن تشكل إضافة متميزة إلى الإبداع العربي المعاصر، لولا أن الحركة الإبداعية والثقافية عموما مصابة منذ بدايات تشكلها في الثلاثينات بداء الانقطاع.
أخيرا يرى الصديق القاص يوسف المحيميد أن توظيف اللغة الفنية ذات المستويات المتعددة بشكل متميز ومكثف، في أعمال الجيل الأخير لكتاب القصة القصيرة الذي ينتمي إليه، يعد من أهم الملامح التي تميز هذا الجيل.
***
لم يكتف صالح خيري في كتابه "حواراتي مع الأدباء السعوديين" بهذه الأصوات السعودية في مجالات الشعر والقصة والرواية والمسرح والنقد وأدب الأطفال، وإنما كان هناك حوار مع فنان الكاريكاتير علي الخرجي، أرى أنه كان من الواجب حذفه، وإضافته إلى كتاب آخر يحاور فيه خيري الفنانين التشكيليين وفناني الكاريكاتير في المملكة، فحواره مع الخرجي كان صوتا شاذا في عزفه على أوتار الأدب والنقد الأدبي. آراء غير السعوديين في الأدب السعودي من ناحية أخرى استثمر صالح خيري حوارات أخرى مع عدد كبير من الأدباء العرب من خارج السعودية أعلنوا فيها عن آرائهم في الأدب السعودي، وضم هذه الآراء في كتابه، تحت عنوان "آراء في الحركة الأدبية في المملكة" ويعد هذا إضافة حقيقية للكتاب، وإن شابها بعض المجاملات، ومن هؤلاء: د. محمد عناني، د. حسن ظاظا، زينب أبو النجا، جمال الغيطاني، أحمد سويلم، علية الجعار، فاروق شوشة، إبراهيم عيسى، ملك عبد العزيز، د. علي شلش، فاروق جويده، زكيه مال الله، د. علي الراعي، محمد علي شمس الدين، محمد إبراهيم أبو سنة، عبد العزيز سعود البابطين، نور نافع، سهير عليوه.
أيضا على النغمة نفسها يعقد فصلا بعنوان "عبد الله الفيصل في عيون الشعراء".
غير أن النغمة الأخرى النشاز التي يختم بها خيري كتابه كانت عن آراء بعض الكتاب ـ من خارج السعودية ـ في مهرجان الجنادرية، وآرائهم في أزمة الخليج (الثانية). ولو تم حذف مثل هذه النغمات النشاز لظل الكتاب مخلصا ووفيا لعنوانه.
وبعامة يظل الكتاب مرجعا مهما لمن أراد أن يتعرف على الحركة الأدبية السعودية من خلال شهادات أدبائها ونقادها وكبار مثقفيها. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية