القاسم العراقي المشترك: إنهاء الأحتلال

بقلم: د. عادل البياتي

لا يمكن أن يكون هناك احد ابدا مهما كانت درجة فهمه السياسي، سواء في قمة الإدراك والوعي أم في أدنى درجات الضحالة السياسية أو كان متحيزا لهذه الفئة أو تلك، يشك أو يختلف في ان اسباب انفلات الوضع الامني في العراق، هو الإحتلال أي وجود قوات محتلة فوق اراضيه، حتى وإن سموها بالقوات متعددة الجنسية، بعد أن كانوا يسمونها في مرحلة ما بـ "قوات التحرير"، ومهما تقنع الغزاة بأردية الديمقراطية أو إعادة إعمار العراق أو تحويل العراق الى إنموذج مشع في المنطقة، وغيرها من الشعارات والأردية التي لم تتمكن من ستر عورات الإحتلال وفضح نواياه، فالقوات المحتلة هي التي غضت الطرف عن عمليات النهب والسلب التي حدثت عقب الاحتلال مباشرة، وهي التي نصبت (شلة) من المنتفعين والمصلحيين ونهازي الفرص فوق رأس سدة الحكم واهملت كل الكفاءات التي يمتليء بها الشعب العراقي فاستبعدت عقولا راسخة وفاهمة للاوضاع العراقية. بل لم تقم هذه القوات بحماية العقول العراقية من عمليات الاغتيال والتصفية الدموية التي طالت الرؤوس المبدعة والعقول المتميزة في كافة العلوم والمعرفة، وبذلك هي التي "أجبرت" الآلاف من تلك العقول على مغادرة العراق والبحث عن الأمان ومورد رزق في هذا العالم الواسع من أجل تفريغ العراق من كفاءاته العلمية والادبية .. خاصة تلك التي ابدعت في المجال العلمي لاخضاع العراق لنوع من الاحتلال الذاتي حتى بعد خروج قوات الاحتلال من اراضيه واستقراره الامني بعد مدة لا يعلمها الا الله .
كما أن قوات الاحتلال بمشورة مشبوهة من بعض الأطراف قامت بحل الجيش العراقي وسرحت كفاءات كبيرة من الشرطة العراقية، بعد الأحتلال، وذلك لكي تسعى الى بناء قوات مهلهلة مغسولة العقول ترتضي بالتبعية .. مما خلق بطالة واسعة واحباطا جماعيا انعكس على انفلات امني لم يشهد له التاريخ مثيلا .. فغدت السرقة واجتياح البيوت والقتل في الشوارع سمة لقطاعات كبيرة من ذلك الشعب الذي كانت سلته الغذائية وغناه يطعم عمال الوطن العربي الذين كانوا يعملون فيه بالملايين وينفقون على عائلاتهم في بلدانهم من غرب الوطن العربي وشرقه، وهكذا غدا العراق ببركة الأحتلال إنموذجا للأجرام المستحدث .. بعد ان كان استقراره الامني مدعاة للفخر والاعتزاز. ونحن هنا لا نمجد نظاما دكتاتوريا كان يفرض الامن بالقسر والقوة ..ولكننا نقر أن وضعا دكتاتوريا ظالما في الماضي كان يطال فئات معينة من الشعب كانت تعارض توجهاته القمعية .. اما اليوم .. فان القمع والإغتيال والسرقة والجريمة تطال الشعب كله .. اذ لا يأمن الفرد على نفسه ان يخرج من بيته يقضي حاجة له .. ولا تأمن المرأة على نفسها الخروج من بيتها خيفة الاغتصاب والخطف وانتهاك المحارم.
ثم أن قوات الاحتلال هي التي كشفت عن وجهها "الديمقراطي" في معتقلات أبوغريب وأم قصر والسجون الاخرى المنتشرة على ارض العراق .. فقد سمحت تلك الديمقراطية بان يقوم السجانون بتعرية السجناء في جلسات يستمتع الجنود للتسلية واللهو على حساب كرامة الانسان العراقي .. وهي التي اطلقت الكلاب لنهش لحوم السجناء علنا وصراحة وتحت أعين الكاميرات التي تعج بها غرف السجون والمعتقلات.
وقوات الإحتلال هي التي إبتدعت للعراقيين لعبة "المحاصصة الطائفية" اللعينة والبغيضة، من أجل تقسيم العراق وتفتيته والقضاء على أعظم مرتكزاته: الوحدة الوطنية.
اننا نؤمن ان ابناء الشعب العراقي كافة لا يريدون لعراقهم ان يدمر وتنهب ثرواته على الشكل الذي حصل ويحصل في ظل الإحتلال، ونؤمن أن الهدوء والاستقرار لا يتأتى الا من خلال خروج قوات الاحتلال من مدنه وقراه والتمركز (مؤقتا) وحتى بروز الحل النهائي في اماكن بعيدة عن تلك المدن.. وان لا تتعرض القوات المحتلة للمقدسات الاسلامية سواء كانت سنية ام شيعية أم غيرها.. وان تكف تلك القوات عن تبني فئات الجهلة والمشعوذين والمنتفعين وممن لهم سوابق في النصب والاحتيال والقتل ونهب الثروات.. وان تعطي الفرصة للشعب العراقي لكي يختار ممثليه في الحكم دون اللجوء الى طرق او استنباط وسائل واساليب للايحاء تجعل من اولئك الذين يرضون بالاحتلال حكاما دائمين للعراق .. فنحن على ثقة ان اولئك الذين إقتحموا العراق على رؤوس الدبابات الامريكية وقت الاحتلال سوف لن يكون بهم مستقبل اذا ما اتيحت للشعب العراقي فرصة الاختيار الحقيقي .. فالشعب العراقي الذي تسري نذر الحرية في دمه لن يرضى بان يكون أداة بيد أولئك الذين قفزوا الى سدة الحكم في غفلة من الزمن .. حتى وان ظلوا على كراسيهم فان الشهور او السنوات القادمة .. سوف تشهد فرزا قاسيا لتلك الرؤوس التي سوف تطالها العدالة العراقية وسوف تمثل امام المحاكم العراقية، مثلما يمثل الحكام السابقون أمام عدالة القضاء العراقي.
ان الاحتلال سواء كان امريكيا او اسرائيليا في العراق وفلسطين .. لن يستمر الى الابد .. فشواهد التاريخ تجعل من ذلك الاحتلال ذكرى سوف تمضي وتنقضي .. ولن يبقى في العراق وفلسطين سوى اهلهما .. فكم من موجات استعمارية واحتلالية مرت على الوطن العربي .. ولكن التاريخ طواها في زوايا النسيان .. ولم نزل نذكر حتى اليوم ابو رغال وامثاله ممن ساعدوا قوات الاحتلال على الولوج الى عالم ارض لا تستقبلهم بحفاوه .. ولم نزل نذكر اسماء برزت ابان عصر الطوائف تعاونت مع الاحتلال عندما اجتاح الاوروبيون بلاد العرب والمسلمين لاخضاعها وتغيير انظمة الحكم والدين فيها .. ولكنها كلها ذهبت الى مزابل التاريخ .. ولم يبق غير أهل البلاد .. وسيظلون حتى قيام الساعة .. وبناء على كل ذلك نحن نسأل .. أما ان لهذا الفارس العظيم (العراق) ان يترجل؟
إن القاسم الأعظم المشترك الذي يوحدنا جميعا بعد حب العراق، هو انهاء الأحتلال بكافة صوره وعناوينه في أسرع وقت، لأن أساس كل معضلاتنا ومشاكلنا هو الأحتلال، وأن يترك للعراقيين ذوي الشأن أن يجلسوا سوية بكل حرية بعيدا عن الضغوط والمؤامرات والمهاترات، كي يقرروا مستقبلهم ومصيرهم وشؤونهم. د. عادل البياتي، كاتب أكاديمي من العراق