كتاب: المرجعية الشيعية والسياسة في العراق (2)

بقلم: د. موسى الحسيني
الشيخ مهدي الخالصي قاد مقاومة الاحتلال البريطاني للعراق

ان الجدل حول موضوع منزلة المجتهد واختصاصاته، يتمحور اساساً على علاقة المجتهد بالسياسة، اي ما اذا كان المجتهد يمتلك الحق في ان يكون حاكماً ومشرعاً، نيابة عن الامام الغائب، كما يرى اصحاب نظرية الولاية العامة، أو يكتفي بالاختصاص في الافتاء والقضاء، اي "التصدي لنصب القيم والولي على العصر والمتولي على الاوقاف التي لا متولي لها والحكم بالهلال وغيرها". وهذا ما يفسر وقوف بعض المجتهدين في العراق موقف المتفرج من الاحداث السياسية التي مرت بالعراق، ويمكن فهم بعض تدخلاتهم من باب علاقتهم المباشرة بالشرع، كما حصل في فتوى المرجع السيد محسن الحكيم ضد الشيوعية في 1960. في حين وقف السيد الخوئي موقفاً محايداً من احداث انتفاضة اذار/مارس 1991، وما تلاها من عمليات قمع واسعة تعرض لها الشيعة (انصار الخوئي نفسه).
يظل الجهاد، ومقاومة المحتل الاجنبي باعتباره ركناً اساسياً من اركان الاسلام، هو الموقف السياسي الوحيد الذي يجمع عليه جميع المجتهدين من انصار المدرستين على انه واحداً من مهام المرجع الذي لا يحتاج للافتاء به الحصول على اذن مسبق من الامام. للشروع فيه. ويسمى بالجهاد الدفاعي، تمييزاً له عن الجهاد الابتدائي اي ابتداء المسلمين بالهجوم على بلاد الكفار بغاية دعوتهم للاسلام والذي لا يجوز الا بفتوى مباشرة من الامام المعصوم.
يسجل تاريخ المرجعية الشيعية، الالتزام الكلي بهذا المبدأ، ليس فقط ضد الغزو العسكري المباشر، بل ازاء اية خطوة مهما كانت صغيرة، اذا كانت تشكل مساساً باستقلال وسيادة الدولة الاسلامية، كما حصل في قضية التنباك المشهورة، حيث منح شاه ايران ناصر الدين امتياز احتكار التنباك وبيعه في كافة انحاء ايران لشركة بريطانية عام 1891. مما دفع المرجع الميرزا محمد حسن الشيرازي لتحريم استعماله، وهذا ما اجبر الشاه على التراجع، والغاء الاتفاقية. كما استجاب شيعة العراق ومراجعهم لدعوة الجهاد التي اعلنها المراجع في ايران ضد الاحتلال الروسي لمدينة تبريز الايرانية عام 1911.
قد يوحي الحدثان، وكان مجتهدي الشيعة معنيين فقط بالشؤون الايرانية، وباعتبار طبيعة الحكومة التي تتبنى المذهب الشيعي، الا ان موقفهم ازاء كثير من الاحداث التالية التي مرت بالبلاد العربية والعراق، تبعد مثل هذا التصور، فقد اشترك مجتهدين الشيعة مع اخوتهم من علماء السنة بالفتوى بالجهاد عن طرابلس الغرب (ليبيا حالياً). عندما تعرضت للاحتلال الايطالي عام 1911. وليبيا، عملياً، موطن للمسلمين السنة، تابعة للدولة العثمانية، التي ظل التمييز الطائفي ضد الشيعة يحكم سلوك خلفائها وسلاطينها حتى سقوطها. الامر نفسه يمكن ان يقال عن حركة الجهاد التي قادها علماء الشيعة لمواجهة طلائع الاحتلال البريطاني في العراق عام 1914، حيث سار مجتهدي الشيعة شوطاً بعيداً في الدفاع عن الدولة العثمانية، ولم يكتفوا بالافتاء بالجهاد، بل تبوء معظمهم ادواراً قيادية ميدانية، وساروا على رأس حملات عسكرية لتجمعات من المجاهدين المتطوعين لمواجهة قوى الاحتلال، كالسيد محمد سعيد الحبوبي، والشيخ مهدي الخالصي، والسيد محمد الحيدري وكثيرون غيرهم.
سجل هؤلاء العلماء مواقف مميزة من الاستعداد للتضحية بالنفس والمال في مقاومة المحتل، ويدون لهم التاريخ "انهم لم يكتفوا بأنفاق المبالغ التي وضعت تحت تصرفهم على حركة الجهاد، بل زادوا على ذلك فأنفقوا من اموالهم الخاصة أو من الحقوق الشرعية التي كانت تُقدم لهم. وقيل عن الحبوبي بوجه خاص انه كان غنياً له املاك خاصة فرهنها لكي ينفق منها على المجاهدين" عندما تحقق لقوات الغزو البريطانية الانتصار على القوات التركية، وقوات المجاهدين، واحتلال العراق. وتوجهت القوة المحتلة لتنصيب برسي كوكس حاكماً للعراق، كما هو حالة بريمر بعد الاحتلال الاميركي للعراق. تحرك علماء الشيعة بقيادة الميرزا محمد تقي الشيرازي والشيخ مهدي الخالصي لمواجهة واحباط مخططات المحتل، وقيادة ثورة 1920 التي اجبرت البريطانيين على التراجع، والخضوع لارادة العراقيين باختيار فيصل الاول ملكاً على العراق.
يسجل التاريخ ايضاً، لكل من الميرزا محمد تقي الشيرازي، والشيخ مهدي الخالصي، ومن أزّرهما من العلماء، ارتقاءهم فوق مستوى الانتماءات الطائفية، ليبرزا كقائدين لجميع العراقيين وبمختلف طوائفهم. واذا كان الموت قد قطع الدور الذي تبوءه الشيرازي، ظل الشيخ مهدي الخالصي يتحرك كقائد لكل العراقيين في تصديه لترسيخ اهداف ثورة العشرين ومنع توقيع المعاهدة التي ارادت بريطانيا ان تقيد بها العراق، وتنتقص من استقلاله. اضافة لتحركه بالمطالبة ببناء قوات مسلحة وطنية تتولى الدفاع عن امن البلاد وحدوده، بعد ما عرف بغارة الاخوان على عشائر مدينة الناصرية في 11/أذار/1922.
تلك المطالبة التي كانت تعبر عن رغبة العراقيين بكل طوائفهم، ووقف السنة كما هم الشيعة جميعاً خلف الخالصي، وشارك علماء السنة بقيادة عبد الوهاب النائب في مؤتمر كربلاء الذي دعى له الخالصي، كما شارك مندوبو وممثلو المدن السنية الموصل، وتكريت، وعشائرهما في المؤتمر. وارسل اهاليهما برقيات تأييد للشيخ الخالصي تؤكد على استعدادهم "لتنفيذ اي قرار يصدر منه بأموالهم وأنفسهم" ترأس وفد تكريت في هذه المؤتمر مولود مخلص، كما ترأس كل من سعيد ثابت وعجيل الياور وفد الموصل.
جرى هذه في الوقت الذي أنشق فيه بعض شيوخ العشائر الشيعة على الخالصي، وعقدوا مؤتمرا في الحلة، يؤيد توقيع المعاهدة، ويطالب بتفويض قوات الاحتلال مهمة الدفاع عن العراق، ورفض تشكيل جيش عراقي مستقل. ونذكر هناك حقيقة كون تشكيل الجيش العراقي كان مطلباً شيعياً، وليس كما يحاول ان يروج بعض مزوري التاريخ من الشعوبيين من انه اسس لقمع الشيعة، وضد رغبتهم وارادتهم، ولم تكن هذه الدعوات الشعوبية الا مقدمات لتدمير الدولة العراقية بالاحتلال كما حصل فعلاً.
وهكذا وقف مع الخالصي غالبية الشعب العراقي من الشيعة والسنة باستثناء قلة من الطرفين كانت قد حسمت موقفها مع المحتل الاجنبي دون اعتبار لقيم دينية او طائفية او وطنية.
الفقيه الشيعي، اذاً، وان كان من مدرسة الولاية الخاصة، وغير معني شرعاً بالسياسة، إلا انه مكلف تكليفاً شرعياً باتفاق الاراء بمقاومة اي شكل من اشكال الاحتلال، ولاي بقعة من بلاد المسلمين، واذا كان هناك حالات شاذه قليلة حاولت ان تتخذ من مفهوم الولاية الخاصة غطاء لتتهرب لسبب أو اخر عن اداء هذا التكليف الشرعي. كما هي حالة السيد كاظم اليزدي الذي كان يتهرب عن دعم ومؤازرة المطالب الشعبية العراقية، بالاستقلال، وتعين حاكم عربي مقابل توجهات قوى الاحتلال البريطاني لتعيين حاكم بريطاني في العراق عام 1918، بقوله "انا كرجل دين لا يعرف غير الحلال والحرام، ولا دخل له بالسياسة مطلقاً، فأختاروا ما هو اصلح للمسلمين."
ان شذوذ السيد اليزدي هذا، لا يلغي حقيقة اجماع فقهاء الشيعة اصحاب المدرستين على مبدأ مجاهدة اي شكل من اشكال الغزو والاحتلال الاجنبي لاي بقعة من ارض المسلمين، بغض النظر عن طبيعة الحكم، وشخصية الحاكم. د. موسى الحسيني