الثقافة الالكترونية عصب الموجة الثالثة

متابعة: أحمد فضل شبلول
مساهمة في اثراء الثقافة الالكترونية

سبق لي أن تناولتُُ في كتابي "تكنولوجيا أدب الأطفال" الصادر عام 1999 موضوع الثقافة الإلكترونية التي قمتُ بتعريفها قائلا: "الثقافة الإلكترونية، هي الثقافة الوافدة علينا من خلال ما يُعرف بعصر الموجة الثالثة الذي يعيشه الإنسان حاليا، وهو العصر المعلوماتي الذي رافقته ثورتان تكنولوجيتان هما: ثورة الاتصالات، وثورة في تقنية المعلومات من خلال الأجهزة الإلكترونية المختلفة، سواء كانت هذه الأجهزة حاسبات آلية، أو أجهزة أتاري، أو أجهزة فيديو، أو أجهزة إذاعية وتلفزيونية تستقبل الإرسال المحلي، أو تستقبل محطات الأقمار الصناعية التي تبث عروض القنوات الفضائية المختلفة والمنتشرة في شتى بقاع العالم الآن".
وقد تم تداول هذ ا المصطلح بعد ذلك في الكثير من الميادين الثقافية والصحفية والإعلامية المختلفة.
***
وعلى سبيل المثال كتب أحمد زين تقريرا في جريدة الوطن السعودية، منذ أشهر قليلة عن الدراسة التي أعدها الدكتور عبد الله المعجل وكيل وزارة التعليم العالي للعلاقات الثقافية بالمملكة العربية السعودية، بشأن صياغة إستراتيجية ثقافية خليجية شاملة تؤكد الدور الثقافي الإلكتروني أو الرقمي، وأيضا تطوير وسائل التربية والتعليم وتوأمتها مع وسائل النشر الإلكتروني من أجل تأسيس جيل يعي وسائل العالم الجديد ليكون قادرا على التناغم معها وتسخيرها والسيطرة عليها لما فيه خير للعلوم والثقافة الخليجية.
وكانت الدراسة التي أعدت بناء على الاقتراح الخاص بالثقافة الإلكترونية والمقدم من نائب الرئيس العام لرعاية الشباب رئيس وفد المملكة في الاجتماع العاشر للوزراء المسؤولين عن الثقافة بدول مجلس التعاون الخليجي العربية، قد أكدت على الدور الحيوي للثقافة الإلكترونية، بوصفها التحدي القادم الذي يواجه كل المهتمين بنشر وتطور الثقافة العربية والإسلامية، وذلك لأنه يفرض عليها، بحسب الدراسة، نوعا من الوسائل والأدوات الحديثة التي لا بد من استخدامها والمساهمة في تطويرها، وإلا تحولت الثقافة العربية إلى ثقافة هامشية غير قادرة على التأثير أو التفاعل مع الثقافات الأخرى.
ويرى الدكتور المعجل أن أهمية مثل هذه الخطوة المتمثلة في الثقافة الإلكترونية، هي في كونها خطوة فعلية في طريق نشر الثقافة العربية والإعلام عنها بوسيلة تفوقت على المعتاد في سرعة انتشارها وفاعليتها في إيصال الكلمة والصوت والصورة.
ويوضح الباحث أنه يصعب التكلم عن الثقافة الإلكترونية دون الحديث عن الإنترنت مهما تعددت وسائل النشر الإلكتروني الأخرى، ولهذا فإن الإنترنت بحسب المعجل، هي فرصتنا الذهبية كعرب، وعلى ثقافتنا أن تتعامل معه بكل ما تملك من قوة وإمكانات حتى تحقق حضورها في عالم اليوم.
وتعرف الدراسة الثقافة الإلكترونية بأنها تشكيلة ثقافية جديدة تجمع بين الشفوي والمكتوب، وتدمج كل التقنيات والوسائل والاكتشافات السابقة. فأداتها هي كل العناصر مجتمعة: الحروف المطبوعة والأصوات، الصور، الأيقونة، الألوان، الأنغام، أي كل التجديدات والاكتشافات الفيزيائية والكيميائية في مجال الصوت والصورة مشكلة ما يسمى بالوسائط المتعددة التي تعني إلغاء الفروق والتمييزات بين الوسائل السمعية البصرية والوسائل المكتوبة، مثلما تلغي الحدود والفواصل الصلبة القديمة بين الثقافة المحلية والثقافة العالمية.
وتتسم الثقافة الإلكترونية، كما تطرح الدراسة، بتشتت مراكز الثقافة والمعرفة، وبطوفان معلوماتي لا حدود له، وبظهور نظام جديد لتخزين الثقافة والمعرفة. كما أن قوام هذه الثقافة هو حرية وإمكانية الالتقاء الميداني في الفضاء الإلكتروني الإضماري من طرف مجموعة افتراضية تتوسع بالتدريج وتتيح الفرصة أمام التبلور العلمي للذكاء الجماعي من ضمن إطار قيم أساسية هي الاستقلالية الذاتية، والانفتاح على الآخر، وحضور البعد الكوني.
***
بطبيعة الحال أنا لا أدعي اكتشافي أو نحتي أو اختراعي أو ترجمتي لمصطلح "الثقافة الإلكترونية" فمثلما أفكر في الأمر وعلاقته بحياتنا بشكل عام، هناك العشرات، بل المئات غيري يفكرون ويتأملون.
ينطبق هذا على د. جورج نوبار سيمونيان الذي صدر له عن مكتبة الأسرة بالقاهرة 2004 كتابه "الثقافة الإلكترونية" وهو عبارة عن سلسلة من المقالات التي نشرت أسبوعيا في جريدة الأهرام الدولي، لمدة حوالي عام ونصف بصفحة "ثقافة عربية" تحت عنوان "العرب والغرب الإلكتروني"، انتهى منها عام 2003.
ويبدو أنه رأى ـ أو أن ناشر "مكتبة الأسرة" قد رأى ـ أن عنوان "الثقافة الإلكترونية" أكثر جاذبية وشمولية من "العرب والغرب الإلكتروني" فقرر تسمية الكتاب بعنوانه الأول.
ينقسم الكتاب إلى أربعة محاور أساسية هي: النشر الإلكتروني، والتعليم الإلكتروني، والتجارة الإلكترونية، والتواجد العربي الإلكتروني. ومن خلال هذه المحاور تتغلغل الثقافة الإلكترونية بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة.
فهو عندما يتحدث عن الكتب الإلكترونية أو النشر الإلكتروني، فإنه يتحدث بذلك عن الثقافة الإلكترونية، معرفا الكتاب الإلكتروني، وكيفية توزيعه إلكترونيا، وكيفية قراءته، ومزاياه، وعيوبه، وشركاته المتخصصة، وتطبيقاته.
وهو عندما يتحدث عن الصحيفة الإلكترونية والصحيفة المطبوعة وجها لوجه، فإنه أيضا يتحدث عن مظهر من أهم مظاهر الثقافة الإلكترونية، ومن ثم يكون التساؤل المطروح بشدة في هذا المجال: هل سيصبح الورق الإلكتروني ورق المستقبل؟
وللإجابة عن مثل هذا السؤال يتعرض لثورة الطباعة الرقمية الإلكترونية (وهو عنوان لا يختلف كثيرا عن عنوان كتابي الأخير "ثورة النشر الإلكتروني") مبرزا مزايا التحول إلى التقنية الرقمية، وخصائصها وإمكاناتها المتعددة. غير أنه يرى في نهاية تحليله أن الطباعة الرقمية ليست بديلا للطباعة التقليدية، لكنها شريك مكمل لها.
يتعرض المؤلف بعد ذلك إلى الشبكات الرقمية للاتصالات السريعة، كمظهر من مظاهر الحياة الرقمية أو الإلكترونية.
أيضا يستعرض أجهزة المسح الإلكتروني، والتصوير الرقمي الإلكتروني، وأقراص الفيديو الرقمية، وإطارات الصور الرقمية المتغيرة، وتصميم العلب الإلكترونية، ثم ينتقل إلى المحور الثاني الخاص بالتعليم الإلكتروني، فيتحدث عن أشكال هذا النوع من التعليم، ومستقبله، ويرى أن شبكة الإنترنت ستساعد الجميع في المستقبل القريب جدا على الدراسة والتدريب في أي وقت ومن أي مكان، وفي أي موضوع، وبأي سرعة ومستوى، بأقل تكلفة وبأقصى درجات المرونة الملاءمة.
أما عن المدارس الإلكترونية فهي المدارس التي تستخدم أجهزة الكمبيوتر والوسائط الرقمية المتنوعة وشبكات الاتصالات المختلفة في توصيل المعلومات رقميا إلى التلاميذ، سواء كانوا موجودين داخل أسوار المدرسة أو خارجها.
وقد أفرز لنا التعليم الإلكتروني وسائله الإلكترونية الخاصة، مثل السبورة الإلكترونية، والبحث الإلكتروني، والأرشيف الإلكتروني، وغيرها من الوسائل التي لم يذكرها المؤلف، مثل القلم الإلكتروني، والأذن الإلكترونية، وغيرها.
وإذا انتقلنا من مجال التعليم الإلكتروني كجزء من الثقافة الإلكترونية، فسوف نجد التجارة الإلكترونية، ومن مظاهرها: المعارض الإلكترونية الافتراضية، وخدمات المكاتب الافتراضية، وخدمات أنظمة المعلومات الإدارية، وخدمات أنظمة الشبكات والاتصالات.
غير أننا لا نستطيع أن نربط خدمات البريد الإلكتروني، والأمن الإلكتروني، بمجال التجارة الإلكترونية فحسب، فهذه الخدمات لا تقتصر على التجارة الإلكترونية، ولكنها خدمات عامة، تستغل في كافة النواحي الإلكترونية، وهي عصب الثقافة الإلكترونية بعامة، فكيف يتسنى لي الاتصال بالآخرين ثقافيا أو تجاريا أو علميا بدون البريد الإلكتروني سواء المكتوب أو المسموع. أيضا موضوع الأمن الإلكتروني له مكانة هامة، ومن مظاهره: بصمات أصابع اليد، والصوت، والتعرف على شكل وتفاصيل الوجه، والتعرف على شكل وتفاصيل قرنية العين، فضلا عن الشفرات الإلكترونية، وأساليب الأمان الإلكترونية المستخدمة بالمنازل.
موضوع التواجد العربي الإلكتروني على الإنترنت، لم يعطه المؤلف ما يستحقه من اهتمام، فمر عليه مرور الكرام، مع أنه موضوع يستحق التوقف عنده طويلا، لقد قام بتقسيم المواقع العربية الموجودة على شبكة الإنترنت، وتصنيفها إلى اثنتين وعشرين فصيلة مختلفة، دون اللجوء إلى تحليل إحداها، واكتفى بأن أحال القارئ على كتاب "دليل مواقع الإنترنت العربية ـ فهرس العناوين الشاملة" لمحمد جمال قبيعة، وكتاب "دليل المواقع العربية على الإنترنت" لخالد العامري، وعبد الحميد عبد العاطي. وكان من المفترض في كتاب يتناول "الثقافة الإلكترونية" أن يلجأ المؤلف إلى تحليل بعض هذه المواقع، ويضع بين أيدينا تصوره حول جدوى وجودها على شبكة الإنترنت، ومدى فاعليتها في الفضاء الإلكتروني العربي. فليس المطلوب التواجد (الأصح لغويا الوجود، لأن التواجد من شدة الوَجْد) على الشبكة، فحسب، ولكن المطلوب أيضا تقييم هذا التواجد أو الوجود، فرب وجود على الشبكة يكون مسيئا لنا ولعربيتنا.
يختم سيمونيان كتابه بحديث سريع عن الحكومة الإلكترونية، وما يمكن أن تسهله وتبسطه من إجراءات تثقل كاهل المواطنين.
***
ليس هناك شك في أن كتاب "الثقافة الإلكترونية" يعد إضافة جيدة لهذا المجال الذي نحن في حاجة للحديث الدائم عنه، حتى نقرب إلى الأذهان أهمية الاستفادة من التقنيات الجديدة، التي أصبحت في خدمة الإنسان، وتستطيع أن توفر من جهده ووقته وماله الكثير والكثير، وأن تزيده ثراء ثقافيا حقيقيا إن هو أحسن استخدامها. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية