كتاب: المرجعية الشيعية والسياسة في العراق (1)

بقلم: د. موسى الحسيني
النجف الاشرف، مقر المرجعية في العراق

يناقش هذا الكتاب السلوك السياسي للمرجعية الدينية الشيعية في العراق بهدف التعرف على الآلية التي تتحكم بهذا السلوك، وتأثير ذلك على الواقع السياسي العراقي بمختلف تركيباته الطائفية والدينية، بهدف استشراف السمات السلوكية العامة التي يمكن ان تعتمدها المرجعية الحالية للتعامل مع الحدث العراقي في الوضع الراهن.
سيحاول الكاتب ان يتحاشى الخوض في الامور والمسائل الفقهية، فتلك شؤون تحتاج لذوي الاختصاص ممن تبحروا في هذه العلوم، ويعترف الكاتب بعدم المامه بها باستثناء ما هو شائع ومعروف للجميع، إلا انه مثله مثل سائر البشر يمتلك العقل، وهو احد الادلة الشرعية الاربعة عند الشيعة "فمنذ ان تم تدوين اصول الفقه عند الشيعة اعتبر العقل واحد من الادلة الشرعية، وقالوا ان الادلة الشرعية اربعة: الكتاب والسنة والاجماع والعقل." اكثر من ذلك يتميز الرواد الاوائل للمذهب الشيعي بالتركيز على قيمة العقل واهميته في استنباط الحكم الشرعي الى الحد الذي اعتبروا فيه ان " كل ما حكم به العقل حَكَمَ به الشرع" كأحد قواعد اصول الفقه.
المرجعية، كما هو واضح من لفظها تعني الرجل أو المؤسسة التي يرجع لها الناس لمعرفة صحة أو خطأ موقفاً ما في الامور الخاصة بحقل ما من حقول المعرفة اي الخبير المتمكن من خبرته بموضوع اختصاصه، وفي مقالتنا هذه، المرجعية المقصودة هي المرجعية الدينية التي يعتمدها الشيعة لمعرفة احكام الدين في الشؤون العامة، والطقوس المختلفة. وهي تكاد ان تكون محصورة بشخص واحد، لا مؤسسة. فمن بين مجموعة المجتهدين، في مرحلة زمنية خاصة، تتمثل المرجعية في اعلم هؤلاء المجتهدين. هذا ما يؤهله لكسب اكبر قدر من المقلدين أو الاتباع. وهو بالتالي يصبح صاحب الحُكمْ أو الرأي الاول، الذي يُلزم بطريقة غير مباشرة بقية المجتهدين بتحاشي اتخاذ موقف او رأي مخالف منعاً لتعريض سمعتهم أو مركزهم للتهديد. كما حصل مثلاً للشيخ منتظري في ايران الذي انزوى من الصف الاول للمرجعية الى صف المنسين من المجتهدين. او ما حصل للشيخ مهدي الخالصي، وابنه الشيخ محمد، من عداء وتشهير بسبب قناعاته الفقهية التي مثلت مدرسة جديدة في الفقه الشيعي. (على انه لا يمكن تغافل اصول الخالصي العربية التي قد تكون سبباً اخر وراء ما تعرض له.)
ان الاجتهاد كمبدأ للتشريع برز عند الشيعة بعد غيبة الامام الثاني عشر، وحاجة الناس لمعرفة احكام الدين. تلك المعرفة متوفرة ومعلومة لمن يريد الوصول لها في كتاب الله والحديث والسنة، لكنها تحتاج لمقدمات أو وسائل عقلية او فكرية، كالالمام بعلوم القرآن والتفسير، والحديث والسيرة، واللغة، وغيرها من العلوم الاخرى، اضافة الى أنها تحتاج لتوفر القدرات العقلية اللازمة للاستقراء والاستنتاج. وهذا يعني ان استنباط الحكم الشرعي السليم يحتاج لجهد ووقت غير عاديين، لا تتوفران للانسان العادي. لذلك يتفرغ بعض الناس، أو افراد قلائل، لكسب هذه المعارف والعلوم، تفرغاً قد يستمر لسنوات طويلة قبل ان يصلوا الى مرحلة القدرة على استنباط الحكم الشرعي الصحيح، فيعتمدهم الناس حكاماً لمعرفة ما هو مبهم من الامور الدينية.
أرتبط مفهوم الاجتهاد بمفهوم أخر اصطلح على تسميته بـ "التقليد" اي ان يتبع الانسان أحد المراجع لمعرفة امور دينه. ومتى ما قلد الانسان مجتهداً ما، لا يحق له تغيره، مادام المجتهد حياً. ويحق له (المُقَّلدِ) ان يستمر في تقليد نفس المجتهد حتى بعد ممات هذا المجتهد. ولا يجوز الجمع بين مجتهدَّين او اكثر في وقت واحد. والانسان غير ملزم بتعاليم المجتهدين الاخرين.
يستمد المجتهد مكانته واحترامه كصاحب رأي او خبرة مميزة مثله مثل بقية المختصين في العلوم المختلفة، إلا انه يتميز عن غيره في انه اكثر ارتباطاً بالانسان العادي، وهو يمارس حياته اليومية، ويصبح المجتهد بذلك اقرب لشخصية زعيم الجماعة او قائدها باعتبار انه يمتلك الصورة الاوضح، او الاقرب للشريعة، وتغدو اراءه واحكامه الشرعية نموذجاً للسلوك الملزم لجميع اتباعه الراغبين في معرفة ما هو حلال والابتعاد عما هو محرم من المواقف الشرعية.
والالزام هنا طوعي، يعتمد على رغبة المُقلِدْ، بأعتبار انه محكوم بمبدأ الثواب والعقاب في الدنيا الاخرة، ولا يمتلك المجتهد الحق بفرض احكامه بالقوة. اي ألزام بما شرعه الباري (عز وجل)، وهو وحده العالم، العارف بما يبطنه الانسان او يظهره، ولم يمنح تعالى اسمه الوكالة عنه حتى لنبيه.
الملاحظ، ومنذ منتصف القرن الماضي، ظهر اتجاه عام لتضخيم هذه المكانة، واضفاء صورة القدسية عليها. واصبح المجتهد يلقب بألقاب توحي وكانها امتداد للربوبية، مثل اية الله، وحجة الله، كما أضيفت صفة العظمى للدلالة على المرجع الاكبر بعد ان كان المرجع يستعمل القاب التصغير للدلالة على التواضع كلما ارتقت درجته، ويستخدم لختم فتاويه بالتوقيع بعبارات "الفقير لله"، "والحقير لله".
اتخذ نزعة التضخيم هذه شكلاً مغالياً ومتطرفا مع ظهور الخميني، الذي اعتبر ان الفقيه يمتلك صفات من القدسية تضعه جنباً لجنب في صف الائمة والانبياء واعتبار ارادته امتداداً لارادة الخالق. مستنداً في ذلك لبعض الاحاديث المنسوبة للامام الصادق، التي لا يخفى على عاقل حجم الاختلاق الوارد فيها، منظوراً لها من خلال نظرية الحسن والقبح العقليين، والتي اخذها رواد المذهب الشيعي الاوائل من المعتزلة.
يقول احد هذه الاحاديث: "الراد على الفقيه كالراد على الامام، والراد على الامام، كالراد على النبي، والراد على النبي كالراد على الله، وهو على حد الشرك بالله."
او "علماء امتي بمنزلة انبياء بني اسرائيل."
لا شك ان واضع مثل هذه الاحاديث ينتمي لذلك النموذج من وعاظ السلاطين ممن لا يتحرج ان يختلق الاحاديث والروايات لتدعيم سلطة أو نفوذ "الحاكم بأمر الله " من الملوك والسلاطين، وزعماء الجماعات.
تصدى السيد الخوئي لمثل هذه الاحاديث وتوصل الى انها احاديث قاصرة السند والدلالة. كما رفض الاخذ بها جميع المجتهدين الذين يمكن اطلاق مصطلح رواد لمدرسة النجف الفقهية، بما فيها المرجع الحالي السيد علي السيستاني، أو رواد مدرسة الولاية الخاصة مقابل ما يمثله الخميني بأعتباره مؤسس مدرسة الولاية العامة للفقيه.
من الواضح جداً، هنا، اثر النزعات السياسية في مفهوم الاجتهاد وتطلعات المجتهد ذو الطموحات السياسية، لاستخدام الاجتهاد في قيادة اتباعه، وضمان مطاوعتهم الكلية له، لقيادتهم بسهولة اكثر نحو الاهداف التي يرجو الوصول لها. فالخروج على المجتهد، أو عدم اطاعته تحسب بحكم الشرك بالخالق، ويحقق المرجع بذلك سيطرة سيكولوجية تتشكل داخل المنظومة النفسية للأنسان لتمنعه عن الاختلاف او التمرد وتضمن الخضوع التام للمرجع. كما ان مثل هذه التوجهات السياسية تعطي المجتهد حق استخدام الردع ضد مخالفيه على اساس انهم مشركين، وليسوا معارضين، ليقلل ذلك من رد فعل الناس ضد ممارساته القمعية. وهي ان جردناها قليلاً من لبوسها الروحي الذي حاول اتباعها اضفاءه عليها، لا تختلف في شيء عن نظرية "الخليفة الحاكم بأمر الله"، التي ابتدعها الخلفاء الامويين والعباسيين من بعدهم وحاول ان يلعبها خلفاء بني عثمان عندما اجبروا واحدا من بقايا بني عباس التنازل لهم ليصبحوا بذلك وكلاء او امتداد لحاكمية الله.
كما تبدو هذه الاحاديث أقرب للبدعة التي تنسف جميع اساسيات المذهب التي وضعها رواده الاوائل، الذين قالو بتخطئة المجتهد بأعتبار "ان مختلف الناس يمكن ان يدركوا موضوعاً واحد بأدراكات مختلفة، فالحقيقة بالنسبة لكل فرد تختلف عنها بالنسبة للفرد الاخر."
يتماشى هذه الرأي مع النظريات السيكولوجية الحديثة التي تقر بتأثر الادراك كوظيفة عقلية، بكثير من العوامل. فأدراك موضوع ما قد يختلف من فرد الى اخر، بل يختلف ادراك الفرد الواحد لنفس الموضوع باختلاف الظروف البيئية وحتى السيكولوجية للفرد. فالمجتهد باعتباره بشراً لا يمتلك العصمة، ويتأثر بمختلف المؤثرات السيكولوجية والاجتماعية والبيئية، فهو يمكن أن يخطأ ويصيب. لذلك عرف الشيعة بالمخطئة مقابل مذاهب اسلامية اخرى ترى ان الفقيه او المجتهد لا يمكن ان يخطأ، فعرفوا بالمصوبة، يؤكد مطهري هذه الرأي بقوله: "لا يمكن ان نتصور المجتهدين مصيبين دائماً. أو أنهم لا يحتمل ان يخطئوا، اذ كيف يمكن ان نقول ان ما يدركه المجتهد هو الحكم الحقيقي عينه. مع أن من الممكن جداً ان يختلف عدد من المجتهدين في رأي واحد في مسألة واحدة. أو ان مجتهداً واحد يمكن ان تكون له وجهتا نظر مختلفتان في وقتين متباعدين. فكيف يمكن اذن ان يكون مصيباً في نظرته دائماً."
ان الاشكالية التي تطرحها مثل هذه الاحاديث، هي ان عدم الالتزام برأي الفقيه هو شكل من اشكال "الرد" ويصبح بذلك كل الشيعة من مقلدي المجتهدين الاخرين، في "حد الشرك"، فالمقِلد لاحد المجتهدين غير ملزم باعتماد احكام المجتهدين الاخرين. نفس الامر يمكن ان يقال عن بقية المسلمين من المذاهب الاخرى، أو جماعات الشيعة الاخبارية، او ذلك المحتاط الذي يجد في نفسه الكفاية لاستنباط الحكم الشرعي دون ان يحتاج لتقليد احدا من المراجع.
ان سيرة الائمة الاثني عشر (عليهم السلام)، ليس فيها ما يدل أو يوحي انهم ادعو مثل هذه القدسية المبالغ بها لانفسهم، لذلك ليس من المنطق ان يمنحوا ذلك لأتباعهم. يذكر الدكتور عبد الله فياض (وهو متهم بالطائفية وكان من أوائل اساتذة الجامعة الذين احالتهم سلطة البكر- صدام على التقاعد) من خلال مناقشة لموقف الامام الصادق من حركات الغلو التي ظهرت في زمانه والتي تنسب له أو لأباءه بعض السمات والصفات القدسية، مجموعة من الاحاديث. نذكر منها الحديثين التاليين، اللذين يعكسان موقف الامام من هذه الحركات والتوجهات المتطرفة:
الاول: "أشهد اني امرؤ ولدني رسول الله (ص) وما معي براءة من الله، ان اطعته رحمني، وان عصيته عذبني."
الثاني: "لا تقبلوا علينا حديثاً إلا ما وافق القرآن والسنة أو تجدون معه شاهداً من احاديثنا المتقدمة، فان المغيرة بن سعيد لعنه الله دس في كتب اصحاب ابي أحاديث لم يحدث بها ابي، فأتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف ربنا تعالى، وسنة نبيه محمد (ص)..."
المرجع بشر كسائر الناس، وليس هناك من سند فقهي يمكن ان يضعه فوق مستوى البشر، وما يمكن ان يتعرضوا له من ارتكاب للاخطاء، حتى لو استند الادعاء بالقدسية على حديث او اكثر من احاديث الائمة، فالثابت لدى محققي الشيعة "ان الغلاة كانوا ينتحلون الاحاديث عن الائمة ويضعونها على ألسنَّة دعاة من ثقات الشيعة المعتدلين ليضمنوا رواجها بين الناس بعامة وجماعات الغلاة خاصة." وحدد هؤلاء المحققين شخصيات بعض من هؤلاء الغلاة، أمثال بنان والمغيرة بن سعيد، محمد بن بشير، وابو الخطاب، وغيرهم.
يحدد الشيخ محمد جواد مغنية في دراسته المعروفة عن "الخميني والدولة الاسلامية"، دور علماء الدين، بانهم "يمتازون عن غيرهم بأنهم دعاة خير واصلاح، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر وفيما عدا ذلك فهم والناس بمنزلة سواء." د. موسى الحسيني