ازدواج الجنسية.. والمواقع السيادية

بقلم: طلال بركات

اختلفت الآراء حول تعريف الجنسية.. وهناك كثير من النقاشات الفكرية والقانونية بهذا الشأن لا مجال للخوض فيها ألان، ولكن اجمع أغلب الفقهاء على إن الجنسية.. انتماء.. وولاء. انتماء لشعب ووطن، وولاء لدولة وحكومة، فكل دوله تكيّف قوانينها في ضوء مصالح شعوبها حسب أوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والسكانية وكثير من دول العالم تسمح قوانينها العمل بازدواج الجنسية، ودول أخرى لاتسمح بذلك حتى لو تنازل المواطن الأجنبي عن جنسيته الاصلية. ولا يعني السماح بازدواج الجنسية على أنها سمة من سمات الدول ألمتقدمة، والدول التي لا تسمح قوانينها بذلك بأنها من الدول المتخلفة، فألمانيا مثلا لا تسمح قوانينها بازدواج ألجنسية وهي من أوائل الدول ألمتقدمة، ولبنان ليست من الدول ألمتقدمة وإنما لمصلحة اقتصادية ومصالح أخرى تعم بالفائدة على لبنان بسبب كثرة المهاجرين اللبنانيين وانتشارهم في مختلف الأمصار جعلت قوانينها تسمح بازدواج ألجنسية.
أما الدول التي لا تسمح قوانينها العمل بازدواج الجنسية فلا باس في أن تقوم بتعديلها حسب ما يستجد من ظروف ومتطلبات. فالعراق مثلا من الدول التي لم تكن قوانينها بحاجة إلى العمل بازدواج الجنسية، لقلة المهاجرين من جهة، ومن جهة أخرى عدم رغبة المواطن العراقي في الغربة وترك بلاده، إلا إن ظروف السنين العشرة ألماضية وكما هو معروف تفاصيلها جعلت أكثر من أربعة ملايين عراقي يفرون من الظروف الاقتصادية المعروفة والحصار الذي كان مفروضا على العراق فاستقروا في العديد من البلدان وخصوصا في الدول الاوروبية والولايات المتحدة وأكتسب الكثير منهم جنسية تلك البلدان.
وفي ظل تغيير الأوضاع السياسية في العراق ومستجدات المرحلة القادمة، تم تعديل الكثير من القوانين ومنها مشروع تعديل قانون الجنسية العراقي الذي اعتمد العمل بازدواج الجنسية، ولا مجال للخوض في مناقشة تفاصيل احكامه الان.
ولكن قد يتساءل البعض إذا كانت الجنسية تعني الانتماء.. والولاء فهل يعني إن الذي يحمل أكثر من جنسية مقسم الانتماء والولاء على الدول التي يحمل جنسياتها؟
لاشك إن قوانين كل الدول التي تعمل بازدواج الجنسية تنظم العلاقة بينها وبين حاملي جنسيات دول أخرى بوضع ضوابط من اجل حماية مصالحها الوطنية وقواعدها الدستورية ومواقعها السيادية كأن يسمح للمواطن المتجنس بالانتخاب ولا يسمح له بالترشيح إلا بعد انقضاء مدة معينة.
وأمثلة كثيرة على ذلك مثل مصر كدولة عربية تقبل بازدواج الجنسية ولكن لا يسمح لمن يحمل جنسية اجنبية أن يكون عضوا في مجلس الشعب لان ذلك العضو لا يمثل دائرته ألانتخابية وإنما يمثل الشعب المصري فلا يمكن لهذا العضو أن يكون مجزأ الانتماء والولاء، وكذلك في حال ترشيح مواطن مصري لإشغال منصب فني كبير كمدير عام أو وكيل وزارة مختص وهو يحمل جنسية دولة أخرى، يعرض هذا الترشيح حسب القانون المصري على مجلس الشعب وفي حال الموافقة ترفع توصية من المجلس لرئيس الجمهورية معللا أسباب القبول لغرض إصدار قرار التعيين.
أما المواقع السيادية كالسفراء والوزراء ومن هم بدرجة وزير فما فوق لا يسمح بتوليهم تلك المناصب ما لم يتم تنازلهم عن الجنسية ألمكتسبة او التنازل عن قبول المنصب من اجل الاحتفاظ بالجنسية الأخرى، وهذا ما تعمل به فرنسا واغلب دول العالم ان لم تكن كافة دول العالم، ولكن نسمع عن كثير من الأشخاص بأنهم من أصول عربية وقد تم ترشيحهم لمناصب رئاسية في البرازيل أو الأرجنتين على سبيل المثال، وان وزير العدل الأمريكي من اصل لبناني وغيره الكثير.. لتوضيح ذلك نجد إن أجداد وآباء هؤلاء قد هاجروا من سنين طويلة وأصبحوا مواطنين في تلك البلدان وان ولادة أبنائهم قد تمت هناك وعندما وصلوا بكفاءتهم إلى تلك المناصب، فأصبح يشار إلى كونهم من أصول عربية بدافع الافتخار أو التعريف.
أن المقصود من ما تقدم هو ان الدول والشعوب التي تريد الحفاظ على أمنها الوطني وتأمين حقوقها الدستورية ترفض أن يتبوأ أي مواطن اكتسب جنسية بلد أخر أو أي أجنبي اكتسب جنسية بلدهم مناصب رئاسية أو سيادية. ونعتقد إن هذا الكلام لا يروق لكثير ممن يحملون أكثر من جنسية في دول لشعوبها تقاليد خاصة، قد تجعل هؤلاء يتخوفون من الممارسات الديمقراطية كوسيلة للوصول إلى السلطة عن طريق الانتخابات، لأنهم يعلمون جيدا أن تقاليد وأعراف تلك الشعوب لا يمكن لها قبول من يقودها، مجزأ الانتماء والولاء، حتما سيتم التشكيك في نزاهة الانتخابات التي جاءت بهم إلى السلطة وسيقال عنهم بأنهم قد وصلوا إلى تلك المناصب بـ"زود العمام"، أو سيرفضهم الناخبون في حال نزاهة الانتخابات، ثم كيف سيتعامل ذلك المسؤول في حال حصول نزاع بين دولته والدولة الأخرى التي منحته الجنسية والتي لا يمكن ان تتم اجراءات المنح ما لم يؤدي يمين الولاء. فبالتأكيد سيتم التشكيك في أي قرار قد يتخذه على اساس انه نابع من حقوق اتجاه تلك الدولة المانحة للجنسية، هذا إن لم يكن قد يتهم بالخيانة أو العمالة لتلك الدولة. وما حصل في الهند من جدال حول تولي السيدة سونيا غاندي رئاسة الوزارة خير دليل على ذلك.
بينما نجد المفارقة في العراق الجديد، أن يسافر كبار المسؤولين بجوازات سفر أجنبية فيما يعلنون بفخر أنه سيمنع دخول غير العراقيين من دون تأشيرات دخول. ترى كيف سيدخل الوزراء وقادة الأحزاب العراقيون إلى العراق وهم يحملون جوازات سفر أجنبية؟
وفي الختام.. نذكر من قام بتفصيل مشروع قانون الجنسية العراقي على مرامه.. عليه أن يتحمل تبعية التجاوزات على الحقوق السيادية للدولة وان إصدار أو تغيير أي قانون إن لم يكن مؤقتا لضرورة متطلبات المرحلة الانتقالية، غير شرعي ما لم يصدر عن سلطة شرعية منتخبة ويصادق عليه برلمان منتخب. وسيأتي اليوم الذي تتم فيه تعرية كل من تلاعب في السجلات وغير أسمه من مستر أصفهاني إلى السيد... الفلاني. والتاريخ لا يرحم ألدخلاء، ولا يصح إلا الصحيح. طلال بركات، دبلوماسي عراقي talal_barakat@hotmail.com