المدرب الاجنبي في الوطن العربي .. ظالم أم مظلوم؟

القاهرة - من محمد نبيل نعيم
ماتشالا: تنقل بين منتخبات الكويت والسعودية وعمان

لعب ازدهار لعبة كرة القدم مطلع السبعينيات في منطقة الخليج دورا مهما في إزدهار سوق المدربين الاجانب في الوطن العربي.
ولم تكن دول الخليج هي السباقة إلى استقدام مدربين من الخارج لقيادة فرق الاندية والمنتخبات العمرية المختلفة إذ سبقها إلي ذلك عدد من دول شمال أفريقيا في مقدمتها مصر. بيد أن حصول غالبية الدول الخليجية على استقلالها وتدفق الثروات النفطية عليها أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات سمح لهذه الدول بأن تنفق مالا كثيرا على الرياضة أو بالاحرى على كرة القدم تحديدا بهدف تطويرها لمواكبة الكرة العالمية.
ومع توافر المال بدأت رحلة البحث بين المدارس الكروية المختلفة لمعرفة الانسب منها للكرة الخليجية. ولان العرب عشقوا الكرة البرازيلية منذ الازل وأعجبوا جدا بمهارات وبراعة لاعبيها وتعلقوا كثيرا بنجومها وفي مقدمهم طبعا أسطورة كل العصور بيليه والملقب بالجوهر السوداء، كان من الطبيعي أن يتم الاتصال الاول مع المدربين البرازيليين الذين قدموا إلى المنطقة بأعداد وفيرة.
وتوافد البرازيليون على منطقة الخليج وبات كل ناد في المنطقة يسعى إلى اسم كبير يستقدمه سعيا وراء أن يكون الافضل.
وعلى رغم أن الاسماء الكبيرة الشهيرة كانت مشغولة في تدريب أندية برازيلية أو حتى أوروبية إلا أن العروض المالية المقدمة إليهم من منطقة الخليج سال لها لعابهم فتركوا كل شيء سعيا وراء الدولارات النفطية.
ولم يقف مدربو الصف الثاني في البرازيل مكتوفي الايدي إزاء بحث الخليجيين عن الاسماء الشهيرة بل سعوا هم أيضا إلى إيجاد مكان لهم على خارطة التدريب في منطقة الخليج.
وعرفت أسماء كثيرة طريقها إلى النجومية من خلال تدريب المنتخبات والاندية الخليجية. ويبرز في هذا المجال اسم المدرب البرازيلي الشهير كارلوس البرتو باريرا الذي بدأ حياته العملية في المنطقة مدربا للياقة البدنية مع منتخب الكويت في أواخر السبعينيات.
واستطاع باريرا أن يثبت أقدامه في عالم التدريب في الكويت وسرعان ما تولى مهمة المدير الفني للمنتخب ذاته وقادة للمرة الاولى إلي نهائيات كأس العالم التي اقيمت عام 1982 في إسبانيا.
ومع مرور الوقت صار اسم باريرا على كل لسان وتولى قيادة المنتخب السعودي قبل أن يقود المنتخب البرازيلي للفوز بكأس العالم في عام 1994 في الولايات المتحدة بعد تغلبه على إيطاليا في المباراة النهائية بالركلات الترجيحية.
لكن الاسم الابرز الذى عرفته الملاعب الخليجية كان البرازيلي ماريو زاجالو الذي قاد المنتخب السعودي في الكثير من المناسبات الاقليمية والقارية والعالمية. وهو وصل إلى المملكة مشهورا فعلا بعد أن قاد منتخب بلاده إلى الفوز بكأس العالم عام 1970 في المكسيك لكن نهايته فيها كانت أشبه بالصدمة.
ولم يسمح المسئولون السعوديون لزاجالو أن يكمل المباراة التي جرت أمام المنتخب العماني في دورة كأس الخليج عام 1988 إذ تمت إقالته في فترة الاستراحة بين شوطي هذه المباراة وتولى مساعده السعودي خليل الزياني قيادة منتخب بلاده في الشوط الثاني. ولم يسمح لزاجالو بدخول الملعب أو السعودية وغادر سلطنة عمان متوجها إلى بلاده رأسا.
ولعب مدرب برازيلي ثالث دورا كبيرا في تاريخ الكرة الخليجية وهو إيفرستو ماسيدو الذي قاد المنتخب القطري لسنوات طويلة قبل أن يتركه لقيادة منتخب بلاده ثم العودة إليه مجددا.
وحقق منتخب قطر للشباب تحت قيادة ماسيدو الانجاز العربي الاكبر في بطولات العالم لهذه الفئة العمرية حين حصل على المركز الثاني عام 1981 في استراليا بعد خسارته أمام ألمانيا الفائزة باللقب 1-.4
ومن الاسماء الكبيرة التي دربت في الخليج البرازيليان تيلي سانتانا وريفلينو وبروكوبيو والروماني إيلي بالاتشي والتشيكى ميلان ماتشالا الذي درب منتخبات الكويت والسعودية وسلطنة عمان.
ودخل عشرات من المدربين منطقة الخليج قبل 30 عاما ولم يخرجوا منها حتى الان رغم اخفاقاتهم الواضحة وتعرضهم للإقالة غير مرة وفي غير دولة لكنهم كانوا يجدون لانفسهم دائما موقعا جديدا في ناد ثان أو بلد آخر من دون أن يتركوا المنطقة اطلاقا أو يحققوا إنجازا واحدا.
وبعيدا من منطقة الخليج جربت كل الدول العربية الاستعانة بخدمات مدربين أجانب لمع بعضهم وخاب البعض الاخر.
وفي مصر اشتهر اسم المجري بروشتش والالماني فايتسا ومواطنه راينر هولمان والهولندي رود كرول والبرازيلي كارلوس كابرال. وفشل أنصاف المدربين من عجينة الالماني راينر تسوبيل والبرتغالي نيلو فينغادا ومواطنه مانويل جوزيه دا سيلفا والاخير تحديدا لقي انتقادات واسعة عندما عرض فريق الاهلى للخسارة أمام المقاولون العرب في نهائي كأس مصر يوم الجمعة الماضي.
وفي المغرب كان للفرنسي هنري ميشيل دور مهم في تطوير اللعبة قبل أن ينتقل إلى تونس ومنها إلى ساحل العاج التي هزمت مصر مؤخرا في تصفيات كأس العالم.
ومهما تعددت الاسماء وكثرت فان الاكيد أن هناك تباينا واضحا بين جدارة وكفاءة المدربين الذين عملوا في الوطن العربي وتباينت أهدافهم أيضا. ومنهم من سعى إلى القيام بعمله على أكمل وجه بهدف تحقيق نتائج جيدة ورفع قيمته الادبية والتقديرية في عالم التدريب ومنهم من جاء من أجل المال فحسب.
لكن الاكيد أيضا أن الفترة الاخيرة التي شهدت تحولا مثيرا في عالم الرياضة الذي انقلب من عصر الهواية إلى زمن الاحتراف أكدت أن العنصر الثاني صار الاكثر عددا في الملاعب العربية.
ففي الزمن البعيد كان الانسان يمارس الرياضة ليمضي أوقات فراغه بطريقة تكفل له تطورا في قدراته البدنية وممارساته الاجتماعية واغتباطا نفسيا لانه يحتاج دائما إلى التعبير عن ذاته من خلال المسابقات والبطولات التنافسية التي يشارك فيها.
ومع مرور الوقت طغى التخصص على حياة البشر وانسحب ذلك على جميع الانشطة الحياتية ومنها بالطبع الانشطة الرياضية وصار الاحتراف هو أمل كل هاو واللعب بهدف كسب الرزق هو الوسيلة المأمونة لتأمين حياة إجتماعية مرفهة.
وهكذا طغى التفرغ وصارت الرياضة مهنة في حد ذاتها وانتظم الجميع -إداري ومدرب ولاعب - في عملهم بموجب عقود دقيقة ومغرية يسيل لها اللعاب.
وصار الهم الاول أمام المدربين هو عدم الخسارة للحفاظ على مصدر رزقهم فعمت الطرق الدفاعية التي قتلت المواهب الكروية العربية وأفسدت المتعة المنشودة من وراء اللعبة وتراجع معها الاداء الهجومي المثير وأفقدت النجوم العرب حساسية التهديف فآلت اللعبة إلى ما هي عليه حاليا.
وتضررت الكرة العربية بشكل مباشر من تواجد هؤلاء المرتزقة في ملاعبها في الاونة الاخيرة وتراجعت نتائجها على الصعيد الدولي بصورة واضحة من دون إغفال أن عوائق كثيرة متعلقة باسلوب تفكير المسئولين وعاداتهم وتقاليدهم وفكرهم الاداري الجامد كانت من بين الاسباب الرئيسية التي لم تساعد بعض المدربين الاجانب العازمين على تقديم كل ما لديهم خصوصا أن سيف الاقالة مسلطا على رقابهم وجاهز لقطعها مع أول خسارة.
وحرم التواجد الكثير للاجانب في الملاعب العربية الكثير من المدربين المحليين من أخذ الفرصة كاملة لاثبات ذواتهم إذ باتت الحاجة إليهم تظهر عند الضرورة فقط كإقالة مدرب أجنبي فجأة أو هروبه إلى بلاده وعدم عودته لاسباب مختلفة.
واللافت أن الاندية السعودية هي الاكثر تغييرا للمدربين وقد يمر على فريق واحد في موسم واحد ثلاثة أو أربعة مدربين من مدارس مختلفة والخاسر طبعا هو اللاعب الذي يتوه بين أفكار كل هؤلاء المدربين فيتدنى مستواه الفني ويصب التدهور في خانة المنتخبات.
وعند الحديث عن المدربين الاجانب لا يمكن إغفال أسماء عدد من المدربين العرب الذين ساهموا في رفع راية الكرة العربية أو تدمير سمعتها.
ويعرف جميع المصريين اسم محمود الجوهري لانه حقق لمنتخب بلادهم إنجازين مهمين حين تأهل لنهائيات كأس العالم عام 1990 في إيطاليا وحقق نتائج طيبة خلاها على الرغم من خروجه من الدور الاول ثم حصوله على لقب كأس الامم الافريقية في عام 1998 في بوركينا فاسو.
ويحفظ السعوديون عن ظهر قلب اسم ناصر الجوهر لان منتخبهم تعرض على يديه إلى هزيمة مذلة في نهائيات كأس العالم الاخيرة عام 2002 في كوريا واليابان حين خسر أمام ألمانيا صفر-8 فصار أسمه على كل لسان.
وأيا كان الامر، فإن المدربين الاجانب أضروا الكرة العربية أكثر مما أفادوها لكن المصيبة أن الوقت لم يحن بعد للاستغناء عنهم لان المدربين العرب يغطون في سبات عميق ولا يفكرون في تحسين قدراتهم ومواكبة التطور المذهل للمدارس الكروية المختلفة. وإن فكروا فانهم يصطدمون بعقبات حكومية كثيرة يأتي في مقدمتها عدم توافر المال اللازم لابتعاثهم إلى الدول المتقدمة كرويا للدراسة والاطلاع في وقت تصرف ملايين الدولارات على المدربين الاجانب.