دوري أبطال العرب لم يخلص الكرة العربية من آفاتها

القاهرة - من محمد نبيل نعيم
كابتن الصفاقسي يتسلم كأس العرب من الرئيس اللبناني في بيروت

انتظر عشاق الكرة العربية طويلا ليعرفوا إذا ما كانت بطولة دوري أبطال العرب لكرة القدم في دورتها الاولى ستكون بديلا مناسبا للبطولات الهزيلة التي دأب الاتحاد العربي للعبة على تنظيمها في السنوات الاخيرة.
وأمل العرب كثيرا بأن تكون لهم بطولة كبيرة مميزة تساهم على تطوير كرة القدم لديهم وأن تكون سبيلا لعودتها إلى تحقيق الانجازات القارية والتأهل لنهائيات كأس العالم بأكثر من منتخب واحد وتقديم العروض الجيدة خلاله وبالصورة التي تليق بنحو 250 مليون عربي يعشقون كرة القدم حتى النخاع.
لكن تنظيم مسابقة رسمية من هذا النوع وبهذا الحجم يتطلب أموالا كثيرة لاغراء الاندية الشهيرة ذات الشعبية الكبيرة للمشاركة في هذا الحدث الوليد وهو ما لا يملكه الاتحاد العربي فكان الحل في ضرورة خصخصة دوري أبطال العرب.
وسعيا وراء تحقيق هذه الغاية اتفق الاتحاد العربي مع أحد الشبكات الفضائية العربية الشهيرة كي تقوم الاخيرة بتمويل هذه المسابقة وتحقيق الحلم الذي رواد الكثيرين منذ سنوات طويلة.
ومع مطلع الموسم الرياضي المنصرم أعلن مسئولون عن الاتحاد العربي وعن الشبكة الفضائية أنهم توصلوا بالفعل إلى الصيغة المثالية التي يمكن أن يولد بها دوري أبطال العرب في نسخته الاولى التي انتهت بفوز الصفاقصي التونسي باللقب والاسماعيلي والزمالك المصريين بالمركزين الثاني والثالث والهلال السعودي بالمركز الرابع.
وأكد هؤلاء المسئولون أن هدفهم الاول لن يكون تنظيم مسابقة كبيرة تشبه إلى حد كبير دوري أبطال أوروبا وحسب وإنما الهدف الاكبر سيكون توفير أرضية مناسبة للكرة العربية من أجل احتكاك جدي ومستمر بهدف إفراز لاعبين قادرين على الانخراط في المنتخبات الوطنية لبلادهم ما يسهل مهمة المسئولين عن هذه المنتخبات في اختيار أفضل العناصر لتقديم أفضل العروض وتشريف الكرة العربية في المناسبات الدولية.
ولان أهم أهداف هذه المسابقة تمثل في تطوير كل عناصر اللعبة أعلن الاتحاد العربي والشركة الراعية للبطولة عن برامج إدارية وتحكيمية وفنية بهدف الرقي بمستويات أداء العاملين في هذه المجالات ما يصب في نهاية الامر في خانة تعديل الصورة الباهتة التي ظهرت عليها الكرة العربية في أكثر من مناسبة دولية في السنوات الاخيرة.
وتمشيا مع هذه الرغبة أعلنت اللجنة المشتركة لتسيير البطولة والتي شكلت من بين أعضاء الامانة العامة للاتحاد العربي ومسئولي الشركة الراعية عن ضوابط تنظيم مسابقة دوري أبطال العرب في نسختها الاولى.
البداية كانت مبشرة جدا لان هذه الضوابط تضمنت مجموعة من الشروط والحوافز التي تدفع الاندية الشهيرة للمشاركة ما يثري من فعاليات البطولة ويجعلها تحظى باهتمام شعبي كبير لكن يبدوا أن إقامة البطولة بتلك الضوابط كان سيقلل كثيرا من الارباح المتوقعة من قبل الشركة الراعية.
ولذا تغيرت وتبدلت هذه اللوائح أكثر من مرة إلى أن توصل المنظمون إلى صيغة اعتبروها مثالية بيد أنها شكلت ضعفا واضحا للمسابقة حتى قبل أن تبدأ.
وتمثل هذا الضعف في تقليل عدد الفرق المشاركة في البطولة من 40 إلى 32 ناديا من بينها 16 من عرب إفريقيا ومثلهم من عرب آسيا لكن الغريب حقا أن قرر المنظمون الفصل بين أبناء القارتين في الدورين الاول والثاني حتى لا تتفوق الكرة الافريقية الاكثر قدرة مهاريا وفنيا والاكثر خبرة فتكون النتيجة أن يخرج ممثلو الكرة الاسيوية من الادوار الاولى وهو ما يتعارض مع مصلحة الشركة الراعية التي تحصل على مئات الآلاف من اشتراكات مشاهدة المباريات على قنواتها المشفرة من الدول الخليجية وفي مقدمهم المملكة العربية السعودية.
لم يكن هناك أفضل من الفصل بين المتنافسين في القارتين حتى تضمن الشركة استمرار الفرق الاسيوية في المنافسات لاطول وقت ممكن.
وتسبب هذا الفصل في خروج أندية إفريقية قوية من المسابقة كي تبقى أندية آسيوية أقل قوة في المنافسات بهدف الاستفادة من جماهيرها الغنية فكانت النتيجة أن تدني المستوى الفني بشكل عام خصوصا في المباريات التي جمعت بين الفرق الاسيوية.
والوقع أن مخاوف الشركة الراعية كانت في محلها تماما لان الدور ربع النهائي الذي شهد مواجهات بين فرق القارتين للمرة الاولى أسفر عن صعود ثلاثة أندية افريقية هي الاسماعيلي والزمالك من مصر والصفاقصي من تونس في مقابل فريق واحد من آسيا هو الهلال السعودي.
ولم تخل المسابقة من بعض سلبيات البطولات العربية التي نظمها الاتحاد العربي في السنوات العشر الاخيرة ومن بينها التخبط الاداري والتنظيمي ومجاملة بعض الفرق بعينها فضلا عن سوء
التحكيم.
وشهدت المنافسات التي استمرت نحو 10 أشهر صراعات داخل وخارج الملعب واحتج عدد من الاندية على سوء معاملة بعثاتها أثناء سفرها للخارج وكاد الزمالك ينسحب من المشاركة في أول مباراة عندما تعرضت بعثته المتوجهة إلى موريتانيا لملاقاة بطلها النادي الرياضي إلى مواقف يندي لها الجبين لجهة حجوزات الطيران وتغيير مسار الرحلة وعدم وجود أماكن كافية لكل أفراد البعثة على طائرة واحدة.
واحتج عدد كبير من الاندية الاخرى على الظروف ذاتها التي صاحبت بعثاتها لدي التنقل من بلد إلى آخر وأعلن الاتحاد السوري لكرة القدم سحب فرقه قبل أن يعود ويتراجع عن قراره.
وفي الملعب شهد كثير من المباريات أعمال شغب تسبب فيها سوء التحكيم ومجاملة بعض الفرق على حساب الفرق الاخرى وتعرض عدد من الحكام للاهانة والسب وأحيانا الضرب من قبل اللاعبين والاداريين فلم تغيب تلك العادة التي صاحبت كل البطولات العربية السابقة.
ومن أعنف المواقف التي مرت على هذه البطولة تلك المعارك الطاحنة التي دارت بين لاعبي الهلال السعودي والجيش السوري في الدور الاول في دمشق والاهلي والاتحاد السعوديين في الدور ربع النهائي في جدة وأخيرا بين لاعبي الزمالك المصري والصفاقصي التونسي في الدور نصف النهائي في بيروت.
ولم تغب آفة البطولات العربية عن هذه المسابقة أيضا والمتمثلة في تعديل وتغيير جدول المباريات مرات عدة ثم تأجيل بعض المباريات وتأجيل التأجيل تمشيا مع رغبات بعض الاندية والاتحادات المحلية التي تشارك منتخباتها في مناسبات قارية أو أولمبية أو عالمية.
ولعل أهم سلبيات البطولة أنها لم تحقق هدفها الاول وهو خدمة الكرة العربية على الاصعدة كلها فبدلا من أن ترفع من مستوي اللاعبين أدت إلى إجهادهم من كثرة المباريات واشتكي الجميع من ذلك وأعرب مسئولو المنتخبات في عدد من الدول في مقدمها السعودية ومصر عن استيائهم من زحمة جدول المباريات وعدم مراعاته للارتباط الدولية أن على صعيد الاندية أو المنتخبات.
وعانى اللاعبون من إجهاد واضح لكن الشركة الراعية التي لم تهتم كثيرا بهذا الامر قدر اهتمامها بتحقيق أكبر عائد مالي وهي أكدت
على ذلك من خلال إصرارها على إقامة منافسات الدور نصف النهائي بطريقة الذهاب والاياب على رغم مطالبة الفرق المشاركة بالاكتفاء بمباراة واحدة لتحديد الطرف المتأهل منها للمباراة النهائية.
والادهى من ذلك أن مباريات الدور نصف النهائي الاربع ومباراتي تحديد المركزين الثالث والرابع والبطل ووصيفه أقيمت كلها في غضون أربعة ايام ما يعني أن كل فريق لعب 3 مباريات في 96 ساعة.
وشهدت البطولة انسحاب الاهلي المصري بعد أن خاض مباراة واحدة في الدور ربع النهائي بسبب إصرار الاتحاد المصري للعبة على عدم مشاركته بلاعبيه الدوليين في إحدى مباريات دوري أبطال العرب.
وأعلن رئيس الاتحاد المصري لكرة القدم عصام عبد المنعم عن منع الاندية المصرية من المشاركة في دوري أبطال العرب بدءا من الموسم المقبل لكنه سرعان ما تراجع ووافق على المشاركة شرط أن يضع الاتحاد العربي برنامجا واضحا ومحددا قبل أن تبدأ المنافسات.
ولم تشهد البطولة أساسا مشاركة أندية إماراتية أو قطرية لان الاتحاد الاماراتي رأى تفريغ لاعبيه للاستعداد لنهائيات كأس العالم للشباب التي استضافها عل أرضه أواخر العام الماضي في حين اعتذر القطريون عن المشاركة لخلافات سابقة مع الاتحاد العربي.
وإذا كانت سلبيات دوري أبطال العرب في نسخته الاولى أكثر من إيجابياته فالاكيد أن التنسيق بين الاتحاد العربي والشركة الراعية والاندية المشاركة يمكن أن يقلب هذه المعادلة في المواسم المقبلة فتنخفض السلبيات وتزداد الايجابيات.
ولكي يتحقق ذلك لابد أن يؤمن الجميع بأن الهدف الاساسي من وراء هذه البطولة هو تطوير اللعبة فعلا لا مجرد الكسب الكبير أو الحصول على الجوائز المالية الضخمة التي خصصتها الشركة للفائزين.
ولابد أن ينتظم جدول المباريات وأن يراعي الارتباطات الدولية للاندية والمنتخبات وأن يعلن قبل انطلاق المنافسات بفترة كافية ولا يسمح باجراء أي تعديل عليه بعد موافقة الاتحادات المحلية والأندية عليه.
ومن الضروري أن يكون هناك تنسيق تام بين الاتحاد العربي والاتحادات المحلية في هذا الخصوص وأن يتم تنفيذ الوعود المتعلقة بتنظيم دورات تدريبية للحكام والمدربين والاداريين خلال المسابقة مع التأكيد على ضرورة الحياد الكامل في معاملة كل الفرق المشاركة.. والاهم من ذلك أن تقتنع كل الاطراف المعنية بأن مواكبة الكرة العربية لنظيرتها العالمية أكثر أهمية من تحقيق الكسب المالي السريع.