الحوار العربي

بقلم: عبدالكريم المدرس

نشأت فكرة الحوار العربي - الأوروبي كتجربة رائدة في العلاقات الدولية إثر حرب تشرين الأول/اكتوبر 1973 والتي امتدت آثارها الى أوروبا فكشفت عن مدى ترابط الأمن الأوروبي بأمن الوطن العربي والعلاقة الوثيقة بين المصالح المشتركة للجانبين، فأصدرت المجموعة الأوروبية بياناً في 6 تشرين الثاني/نوفمبر 1973 أظهرت فيه اتجاهاً جديداً في سياستها إزاء مشكلة الشرق الأوسط يتسم ببعض التوازن على رغم عدم كفايته.
رحبت الدول العربية آنذاك بهذه المبادرة التي رأت فيها تحسناً في الموقف الأوروبي من قضية فلسطين بعد الانحياز التام لإسرائيل، على رغم عدم وضوح بعض النقاط الواردة في البيان المذكور، فاتخذت موقفاً موحداً تمثل في البيان الذي اصدرته على مستوى مؤتمر القمة العربي السادس في الجزائر في 29 تشرين الثاني 1973 وأعربت فيه عن اهتمام العرب ببوادر التفهم لموقفهم... واستعدادهم للتعاون لإرساء السلام العادل في المنطقة.
وتوالت الاتصالات بعدئذ بين الدول العربية والمجموعة الأوروبية ولكن سرعان ما برزت في حينه عقبات تمكن الجانبان من التغلب عليها إلا ان هذا ترك اثراً سيئاً في سير الحوار. كانت اولى العقبات رفض الجانب الأوروبي اشتراك اعضاء من منظمة التحرير الفلسطينية في الوفد العربي، والعقبة الثانية توقيع المجموعة الأوروبية اتفاقية تجارية مع اسرائيل في 11/5/1975 تتمتع اسرائيل بموجبها بأفضلية جمركية مما أثار استياء العرب، ومع ذلك وافقوا على عقد الاجتماع الأول للخبراء في اليوم العاشر من حزيران/يونيو 1975 في القاهرة حيث صدرت مذكرة مشتركة نصت على ان "الحوار العربي - الأوروبي حصيلة ارادة سياسية مشتركة انبثقت من اعلى المستويات بهدف إقامة علاقة خاصة بين الجانبين"، كما نصت على ان الأبعاد السياسية في الحوار هي في جوهرها محاولة اكتشاف وتجديد وتنشيط الروابط التي تؤثر في المنطقتين المتجاورتين والرغبة في إزالة سوء التفاهم الذي ادى الى مصاعب في الماضي والعزم على إقامة قواعد للتعاون المقبل في مجالات الزراعة والتنمية الريفية والتصنيع والبنية الأساسية، وكذلك التعاون المالي والتجاري والتعاون العلمي والتكنولوجي، وأيضاً المسائل الثقافية والاجتماعية والعمالية.
وعندما عقد الخبراء اجتماعهم الثاني في روما في 22/7/1975 والثالث في ابو ظبي في 22/11/1975 كان قد حدث بعض التقدم في "البحث" المتعلق بمجالات التصنيع وهياكل البنية الأساسية والزراعة والتنمية الريفية وكذلك التعاون الثقافي والحضاري والتعاون في مجالات البحث العلمي والتكنولوجي، إلا انه لم يحدث اي تقدم يذكر في بعض الجوانب الخاصة بنقل التكنولوجيا والتعاون المالي ومسائل العمل والتجارة.
وبعد ان حققت اجتماعات الخبراء على الصعيد الفني هدفها دخل الحوار العربي - الأوروبي مرحلة جديدة بعقد الاجتماع الأول للجنة العامة في لوكسمبورغ في الفترة من 18- 21 ايار/مايو 1976 للبحث في المسائل السياسية، وظن الجانب العربي انه حقق ما اراد، من حيث انه تم التأكيد على انسحاب اسرائيل من الأراضي المحتلة والاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
وعقدت اللجنة العامة بعدئذ اجتماعها الثاني في تونس في الفترة من 1 الى 3 شباط/فبراير 1977 ثم اجتماعها الثالث في بروكسيل في تشرين الأول/اكتوبر 1977 ثم اجتماعها الرابع الأخير في دمشق في كانون الأول/ديسمبر 1978 حيث جرى تأكيد القرارات السياسية السابقة والتوصل الى بروتوكول ينظم تفضيل الأيدي العاملة والإنفاق على احد عشر مشروعاً ونشاطاً مشتركاً يتم دراستها او تنفيذها، كما اتفق على دراسة المركز العربي الأوروبي لنقل التكنولوجيا تمهيداً لتحديد اسس اقامته كمؤشر رئيسي للتعاون العربي الأوروبي، إلا ان اياً من هذه القرارات لم يتحقق تنفيذه عملياً فأعرب الجانب العربي عن عدم رضاه عن التقدم الذي حققه الحوار... وعلى أثر ابرام اتفاق كامب ديفيد في ايلول/سبتمبر 1978 توقف نشاط الحوار العربي - الأوروبي الى ان قرر وزراء خارجية الجانب الأوروبي في 20/11/1979 استئناف الحوار على المستوى الفني فعادت الاتصالات من جديد، كما ان المجلس الأوروبي لرؤساء الحكومات المنعقد في البندقية في حزيران/يونيو 1980 اكد هو الآخر ضرورة متابعة الحوار والعمل على نجاحه وبعث النشاط فيه مع التأكيد على إشراك منظمة التحرير الفلسطينية في اية عملية سلام.
ورحب مؤتمر القمة العربي الحادي عشر المنعقد في عمان في تشرين الثاني/نوفمبر 1980 بهذه المبادرة، وأقدم الجانب العربي على تأليف اللجنة التساعية من الكويت والأردن والجزائر والسعودية وسورية والعراق وفلسطين ولبنان والمغرب لاتخاذ موقف عربي موحد وتحديد المطالب العربية التي من اهمها الى جانب المواضيع السياسية القومية الثابتة:
- ضمان وحماية استثمار الأموال العربية.
- اقامة المشاريع المشتركة بين الجانبين.
- فتح الأسواق امام البضائع العربية وتسويق السلع الزراعية للمغرب العربي.
- التعاون في تصنيع الإنتاج الزراعي العربي.
- حماية العمالة العربية في اوروبا.
- نقل التقنية المتطورة للأقطار العربية.
- دراسة مسألة الطاقة وكيفية التعامل بين الدول العربية وأوروبا في شأنها.
وعلى رغم ذلك تعرض الحوار العربي الأوروبي لمصاعب جديدة على صعيد الحوار نفسه او بسبب ما قيل انه ضغوط اسرائيلية على اوروبا لمنع العرب من الحصول على التكنولوجيا المتطورة او اي مكسب آخر من طريق التعاون بين المال العربي والعقل الأوروبي.
وهكذا نجد ان كل هذه السنين مضت من دون ان يحقق الحوار نتائج ملموسة او يسجل تقدماً مهماً، ولكن على رغم ذلك ما يزال الخبراء يعتقدون انه ضرورة مستقبلية وأن الجهد المبذول فيه يسير مع حركة التاريخ، وأن فرص النجاح امامه متوافرة اذا ما تهيأ له المناخ الصالح والمناسب، وأن العقبات والصعاب التي تعترضه ترجع اساساً الى حداثة عملية الحوار المتشابكة الواسعة النطاق ذات الاحتمالات البعيدة المدى، ولأن مدلول "الحوار" نفسه يتضمن معنى العمل المتواصل الذي لا شك في انه يتميز بالنفس الطويل والاستمرار كما انه يختلف عن اسلوب التفاوض وطبيعته.
وانطلاقاً من وجهات النظر هذه بقيت الجامعة العربية وجهات عربية عدة تؤمن بأهمية الحوار وتعمل من اجله، ولا غرو ان كان الحوار من الموضوعات المطروحة على مؤتمر القمة العربي الثاني عشر في فاس والاجتماع الذي اعقبه لوزراء الخارجية العرب في تونس وعدد من المؤتمرات التي عقدت ومنها مؤتمر البرلمانيين العرب والأوروبيين في بون وكذلك المؤتمر الذي عقد في عمان برئاسة الأمير الحسن (ولي العهد آنذاك) واشترك فيه نخبة من المفكرين والاقتصاديين والسياسيين العرب والأوروبيين. إلام انتهى الحوار ظل الحوار يتأرجح كلما لمح عدد من المسؤولين الى ما يلاقيه من صعوبات. واتجه النظر الى ان دور الشركات والقطاع الخاص بصورة عامة سيكون مهماً عند تنفيذ اي مشاريع يتم الاتفاق عليها وخصوصاً في مجال نقل التكنولوجيا.
ومع ان الحوار كان يعاني من العقبات التي تعترضه فقد بقيت المجموعة الأوروبية تحاول اجراء حوار متعدد الأطراف مع دول عربية متفرقة لتفادي أي ضغوط عربية مشتركة، فكانت هناك محاولات حوار أوروبي - خليجي (سنعود اليه بالتفصيل في ما بعد) وآخر أوروبي مع الدول العربية في الشمال الأفريقي وهكذا.
وظلت المسافة شاسعة بين الموقفين العربي والأوروبي، خصوصاً في الميدان السياسي، بل في ما بين البيانات الأوروبية المعلنة والمواقف الفعلية (تم الاتفاق وصدر قرار من المؤتمر الصناعي الخليجي الثالث الذي عقد في عمان قبل أقل من عقد من الزمان بإقامة مركز لنقل التكنولوجيا في مسقط لكنه لم ينفذ حتى الآن).
كما ان التعاون في الميدان الاقتصادي لم يحقق للجانب العربي أهدافه الأساسية في تعزيز التنمية والتكامل والتحرر الاقتصادي واختبار المدخل الملائم لخلق علاقات متكافئة.
ورأت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في حينه ان تعهد الى الغرف العربية الأوروبية المشاركة في الحوار لتكون من الأجهزة الرسمية الممثلة للقطاع الخاص، لكن هذا أيضاً لم يتحقق!
ثم كان ان عقدت أول قمة اقتصادية عام 1980/1981 مما رفع من مستوى معالجة القضايا الاقتصادية العربية الى مسـتويات عليا، وكان يمكن أن يكون ذلك لو تحقق بداية تحول تاريخي مهم في ميدان العمل الاقتصادي.
وكان السؤال المطروح في هذه المرحلة هو ماذا يجب أن نعمل؟ ولكن القليل وأقل من القليل دار حول كيف يجب أن نعمل؟
وانتهى الحوار عملياً بعد حربي الخليج الأولى والثانية وما أحدثته، خصوصاً الثانية من تمزق في النسيج العربي وانقسام بين الدول العربية ظهر علناً بعد أن كان يظهر على استحياء ويختفي.
ولا بد من الاشارة هنا الى أنه من بين الدول الست المؤسسة للاتحاد الأوروبي (ألمانيا، فرنسا، إيطاليا، بلجيكا، هولندا، ولوكسمبورغ) لم يكن لغير فرنسا وايطاليا علاقات ذات شأن بمجموع الدول العربية لأن معظم هذه العلاقات كان مع بعض هذه الدول كـ(المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، مصر، سورية ولبنان)... أما علاقات الاتحاد مع الدول العربية الخليجية مثلاً فلم تكن مدرجة على جدول أعماله لأن الصلة التاريخية بين الطرفين لم تكن قائمة.
واتجه مركز اهتمامات الدول الست المؤسسة للاتحاد الى شرق أوروبا أو دول حلف وارسو كما كانت تعرف، ونتج من ذلك أمران: الأول تقارب كبير على مستوى وجهات نظر الشراكة الفرنسية - الألمانية، والثاني تقارب سياسي وعسكري أوروبي مع الولايات المتحدة الأميركية.
أما نمو صلات التقارب بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي فلم يولد اهتماماً أوروبياً بمنطقة الخليج على رغم علاقات المملكة التاريخية مع هذه الدول، ويبدو ان هذه الأخيرة فضلت أن تكون لها "سياساتها المستقلة" مع هذه المجموعة لأسباب سياسية وتاريخية معاً.
وحين انضمت اسبانيا والبرتغال واليونان الى الاتحاد الأوروبي نجحت هذه الدول في وضع العلاقات الأوروبية - العربية على جدول أعمال الاتحاد بسبب علاقاتها الخاصة بهذه الدول العربية، وربما بسبب مشكلات قديمة خاصة بالهجرة غير الشرعية من دول الشمال الافريقي.
ومرة أخرى ينصرف التوجه الأوروبي باتجاه الدول العربية التي تطل على البحر الأبيض المتوسط من دون غيرها. وفي الوقت الذي سعت فيه سياسات الاتحاد الأوروبي من خلال اتفاقيات برشلونة الى أن تصبح دوله الشريك المباشر المانح للمساعدات، ظهرت الحاجة الى حتمية اعادة بناء اقتصاديات الدول العربية المطلة على البحر المتوسط حتى لا يفكر مواطنوها في الهجرة غير المشروعة الى دوله... الى جانب ذلك اشتملت اتفاقات برشلونة على ميادين اخرى مثل: التجارة الحرة والعلاقات السياسية وحقوق الانسان.
وهكذا أهمل جانب الدول الخليجية مرة أخرى. ويمكن قياس هذا الاهمال باستعراض المؤشرات التي وضعتها المفوضية الأوروبية للدول العربية المطلة على حوض البحر المتوسط مقارنة بما وضعته الدول الخليجية في ما يتعلق بموازنات المساعدات والقوة البشرية.
فقد تقرر منح الدول العربية المطلة على حوض البحر الأبيض المتوسط مساعدات قدرها 5 بلايين اكيوس (وكان الاكيوس هو الوحدة الحسابية التي كان يستخدمها الاتحاد الأوروبي قبل أن يصبح اليورو عملته النقدية الموحدة)... كل دولة من هذه الدول لديها سفير معتمد من جانب الاتحاد الأوروبي، وكل منها خصص فرقة للادارة مهمتها مراقبة أوجه الانفاق التي تذهب اليها المساعدات، كما ان لكل دولة في بروكسيل فريقاً من مسؤولي الاتحاد يمثلهم ضابط اتصال على مستوى الحكومات العربية، تشرف عليهم جميعاً هيئة من الاستشاريين مهمتهم الاشراف على اتفاقات برشلونة كوحدة واحدة. اضافة الى ذلك هناك الاجتماعات السياسية والاقتصادية الدورية التي تجمع بين ممثلي الاتحاد الأوروبي والدول العربية الموقعة على هذه الاتفاقات. اوروبا تتجه شرقا لم يحدث أي لقاء بين رئيس الاتحاد الأوروبي والأمين العام لدول مجلس التعاون الخليجي، ويذكر ان المحاولات التي قامت بها غرفة التجارة العربية - البريطانية في هذا الشأن لم يكتب لها النجاح بسبب مواقف المفوضية الأوروبية. ولم يحدد أي برنامج للمساعدات الفنية او المالية التي يمكن ان يقدمها الاتحاد الأوروبي لدول الخليج كل في ضوء احتياجاتها. وفي الوقت الذي يبدي فيه العشرات من مسؤولي الاتحاد الأوروبي الاهتمام بالدول العربية المطلة على حوض البحر المتوسط، يتعامل اثنان من مسؤوليه فقط مع ملف الدول الخليجية.
ويجدر القول ان دول الاتحاد الأوروبي تعترف بأهمية دول الخليج من الناحية الجيوسياسية، الا ان هذا الاعتراف لا ينعكس بشكل ملموس ضمن سياسات الاتحاد على اي مستوى من المستويات، والدليل ان الطرفين مشتركان منذ خمسة عشر عاماً في مناقشات حول التجارة الحرة، الا ان الاتحاد الأوروبي لم يبد حتى الآن اهتماماً بأن يصل بهذه المفاوضات الى نهاية الشوط. كذلك لا بد من الاعتراف بأن الدول العربية كمجموعة، بما في ذلك دوله المطلة على حوض البحر الأبيض المتوسط، تفتقر الى الاتفاق حول نقاط محددة تعبر بها عن نفسها لدى الاتحاد الأوروبي. على سبيل المثال يوجد في بروكسل اكثر من سبعمئة جماعة ضغط مسجلة رسمياً تعمل لمصلحة آخرين، لكن، للأسف ليس من بينها جماعة عربية واحدة!!
في ظل الأوضاع الحالية وكنتيجة لتصاعد المخاوف تجاه دول الاقليم في ضوء الأحداث التي تقع في العراق، ولأن دول الخليج ليست في حوار حميم مع صانعي السياسة على مستوى الاتحاد الأوروبي.. هل يمكن ان يصل الأمر الى ما هو أسوأ؟! الاجابة قد تكون بنعم، للأسباب التالية:
أولاً: لا يوجد ما يشير الى ان الدول العربية عامة والدول الخليجية على وجه الخصوص اهتمت بدراسة توسيع عضوية الاتحاد الأوروبي تجاه علاقاتها معه، خصوصاً انها امتدت الى ما كان يقع سابقاً ضمن الهيمنة السوفياتية، اضافة الى كل من قبرص ومالطا وهذا بدوره إن صح قد يؤدي الى مزيد من الفتور في العلاقات بين الطرفين.
ثانياً: وعلى رغم ان مصالح الاتحاد الأوروبي تكمن في التوسع نحو الشرق، فثمة أدلة قوية في الوقت ذاته على ان الاستثمارات الألمانية والبريطانية والفرنسية والاسبانية والبرتغالية قد تتجه نحو أسواق العمل الرخيصة في دول مثل: (لاتفيا، ليتوانيا، استونيا، بولندا، هنغاريا، جمهورية التشيك، سلوفينيا وسلوفاكيا).
ثالثاً: إن العالم العربي ليس على صلة بالدول التي انضمت الى الاتحاد الأوروبي، وإن ما يهم هذه الدول هو روسيا وسياساتها الاقتصادية بنفس قدر اهتمامها بمساعدات الاتحاد الداخلية والسياسة الزراعية العامة التي تمثل أهمية قصوى في ضوء قاعدتها الزراعية العريضة.
رابعاً: كذلك، فإن اتصال هذه الدول بالحدود الألمانية يجعلها على ثقة كبيرة من ان هذه الجمهورية الاتحادية التي هي على اتصال محدود بأحداث العالم العربي ستلقي بثقلها السياسي في ما يتعلق بالاتحاد الأوروبي ناحيتهم.
خامساً: إن عمل الدول العربية على التصدي لنتائج توسيع عضوية الاتحاد الأوروبي ضدها لن يؤتي ثماره الا اذا اتخذت موقفاً لم يجرب من قبل، اذ لم يعد في مقدورها اختراق مطبخ السياسة الأوروبية وإحداث التأثير المطلوب فيه بالاعلان فقط عن ان مصالح الأوروبيين تتربع على قمة اهتمام العرب، اذا بقيت العلاقات العربية - الأوروبية تعيش في ظل الممارسات السابقة من دون بذل جهود حقيقية لتفهم وجهات نظر الدول العربية والخليجية، فسيظل التوسع الأوروبي في غير مصلحة القضايا العربية.
لذلك فمن الأهمية بمكان ان يدرك العرب ان المصالح الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي انسحبت الى ناحية الشرق في عمق القارة الأوروبية لأن الأوروبيين وفق رؤيتهم الاستراتيجية يهدفون الى خلق كتلة مضادة للتأثير على الولايات المتحدة الأميركية، لذلك يجب عليهم ان يتخذوا من الخطوات ما يجعلهم اكثر انخراطاً مع هذه الاستراتيجية وضمنها.
وإذا ألقينا نظرة على البنية الاقتصادية للدول الجديدة التي انضمت الى عضوية الاتحاد الأوروبي، وبالذات اذا تناولناها من زاوية الاقتصاد العالمي، سيتضح انها تمثل كتلة اقتصادية تتجه نحو الشرق سواء من منظور البرامج الاستثمارية او المخططات السياسية، كما ان تزايد الاهتمام بأوروبا الشرقية سيقلل حتماً من اهتمام الاتحاد الأوروبي بعلاقاته العربية وبالتأكيد سيقلل هذا من مساحة اهتمامه بها. ولتأكيد ما نقول فإن خطوات التكامل التي اتخذتها دول الاتحاد وبالذات في ما يتعلق بصوغ دستور موحد يعكس ارادتها الموحدة ويوضح رغبتها في رؤية طاقاتها متجهة نحو دول اوروبا الشرقية.
لذلك يتوقع المراقبون ان ينصرف الاتحاد الأوروبي في السنوات القادمة نحو تفعيل مؤسساته الداخلية وتنظيم العلاقات بين دوله لخلق مجالات للتفاهم والتنسيق بين (القدامى) و(الجدد) من اعضائه، وهذا مؤشر أيضاً الى ان اهتمام الاتحاد بالسياسة الخارجية سيحتل المرتبة الثانية في أولوياته، وإذا نظرنا الى السوابق التاريخية سنجد ان تركيزه على علاقاته بالعالم العربي سيكون في ذيل اهتماماته.
ومن أجل مزيد من إلقاء الضوء على ما نقول لا بد من نظرة على اوضاع هذه الدول التي انضمت مؤخراً الى عضوية الاتحاد، وهي خليط من الدول الكبيرة والمتوسطة والصغيرة. فبولندا التي يبلغ عدد سكانها 32 مليون نسمة تعد من اكبرها جميعاً، اما هنغاريا وجمهورية التشيك فتعدان من الدول المتوسطة اذ يبلغ عدد سكان كل منهما 10 ملايين نسمة أما دول البلطيق الثلاث لاتفيا يسكنها 2.3 مليون نسمة، استونيا 1.4 مليون نسمة ولتوانيا 3.5 مليون نسمة، فترجع اهميتها بالنسبة للاتحاد الأوروبي على رغم صغرها الى كونها تتشارك في الحدود مع روسيا!!
كما ان مقارنة اقتصادات هذه الدول الشرق أوروبية باقتصادات الدول التي تطل على حوض البحر المتوسط والتي انضمت أيضاً معها الى عضوية الاتحاد الأوروبي، يؤكد وفق اي مقياس ان دول حوض البحر المتوسط هذه لا تملك مقومات جذب انظار الاتحاد الأوروبي الى المشكلات التي يعاني منها الجزء الجنوبي من هذا الحوض بأمل ان ترفع من درجات اهتمامه بملف علاقاته العربية. أضف الى ذلك ان تعداد سكان قبرص هذه الجزيرة المقسمة بين اليونان وتركيا لا يتعدى 771 ألف نسمة أما جزيرة مالطا فسكانها 440 ألف نسمة فقط.
كذلك فإن اختبار مدى حاجة الاتحاد الأوروبي الماسة والتي ستوضحها السنوات المقبلة الى دعم قوة تماسك الدول الأوروبية التي انضمت اليه مؤخراً والعمل على تسهيل خطوات اندماجها على مستوى السوق الأوروبية يمكن قياسه بمقارنة الانتاج القومي لكل منها بالناتج القومي لأعضاء الاتحاد القدامى.
هنغاريا التي يقطنها 10 ملايين نسمة يبلغ اجمالي انتاجها القومي 134 بليون دولار. جمهورية التشيك التي يقطنها 10 ملايين نسمة أيضاً يبلغ اجمالي انتاجها القومي 157 بليون دولار... بولندا وهي الأكبر من حيث تعداد السكان 32.6 مليون نسمة يصل اجمالي انتاجها القومي الى 373 بليون دولار.
اما بلجيكا التي هي من الأعضاء القدامى للاتحاد فيصل اجمالي انتاجها القومي الى 229 بليون دولار على رغم ان تعداد سكانها لا يتجاوز 10 ملايين نسمة فقط اي أقل من تعداد سكان بولندا بنحو 22 مليون نسمة. ولا بد للاتحاد بالطبع ان يقلص الفجوة بين الأعضاء القدامى والجدد من اجل تحقيق مستوى من التناسق والانسجام بين الدول التي يتشكل منها الآن، لذلك فإن هناك شبه اجماع على ان ردم هذه الفجوة سيكون محور اهتمامات الاتحاد القادمة.
وإذا أمعنا النظر في أحوال بولندا وجمهورية التشيك فإن هذا قد يعطي تفسيراً لمبررات انصراف التوجهات الأوروبية الاقتصادية والسياسية في السنوات القليلة القادمة نحو الشرق. فكل من البلدين يشارك ألمانيا التي تقع في قلب الاتحاد الأوروبي حدودها، وهي كما نعرف تناضل بقوة في مواجهة مستوى عال من التأمينات الاجتماعية وتكاليف اليد العاملة، ألمانيا هذه التي يبذل اقتصادها وصناعتها الخدمية جهداً كبيراً للبقاء في ظل منافسة من مثيلاتها الآسيوية، يمثل اختراقها للسوق الأوروبية ظاهرة ملحوظة تحتاج الى عائد كبير من وراء استثماراتها وتسعى الى تحقيق كلفة منخفضة في اسعار منتجاتها وأسعار زهيدة في مقابل نقلها.
انضمام بولندا وجمهورية التشيك - بشكل خاص - الى الاتحاد الأوروبي يوفر لألمانيا ولغيرها من المستثمرين فرصة كبيرة لتحقيق مثل هذه الطموحات. اليد العاملة والباحثون العلميون في بولندا وجمهورية التشيك يتمتعون بمستوى عال من التعليم وتصل نسبة المتعلمين بين سكانهما الى نحو 99.8 في المئة. وفي بولندا مثلاً يعمل نحو 27.5 في المئة من اليد العاملة في مجال الزراعة التي تعاني صناعتها من القدرات المتواضعة بسبب العدد الكبير من المزارع الصغيرة، هذه الصناعة بعد اعادة تنظيمها ستؤدي الى توفير عدد هائل من الأيدي العاملة القادرة على الاندماج في سوق العمالة الأوروبية في مجالي الصناعة والخدمات.
تبلغ تكلفة اليد العاملة والضمانات الاجتماعية في بولندا نحو ثلث مثيلتها في المانيا، من هنا يمكن القول ان السوق البولندية تعد بكل المقاييس الموقع البديل للصناعة الألمانية وبالطبع لغيرها من استثمارات الأعضاء القدامى في الاتحاد مثل المملكة المتحدة وفرنسا.
اما جمهورية التشيك فتمثل لألمانيا ولغيرها من الدول الأوروبية القديمة ميداناً للجذب الاستثماري يماثل بولندا وإن كان يختلف عنها في بعض الأمور، فاليد العاملة هناك تتوزع كما يلي: 5 في المئة في ميدان الزراعة، 35 في المئة في الميدان الصناعي، اما الـ60 في المئة الباقية فتعمل في ميدان الخدمات ويجب ألا ننسى ان هذه الجمهورية كانت تتمتع بوضع خاص في عالم الهندسة حتى ايام انضوائها تحت راية الاتحاد السوفياتي، وتعد الآن بعد ان تحررت من قبضة الاقتصاد الموجه من أفضل الأماكن على مستوى اقتصادات دول الاتحاد الأوروبي المتحررة التي يجب ان تتبوأ مكانتها المتميزة في ميدان التكنولوجيا، وهذا يجعلها من أولى الأسواق التي ستتوجه اليها استثمارات دول الاتحاد الأوروبي القديمة.
وعندما نمعن النظر في احوال دول صغيرة مثل لاتفيا وأستونيا وليتوانيا نجدها، على رغم كونها سوقاً محدودة، الا انها تمثل قاعدة صناعية لاستثمارات المانيا ولغيرها من دول الاتحاد الأوروبي، حيث تملك كلها وسائل اتصال بحرية ميسرة الى الأسواق الأوروبية الاستهلاكية من ناحية، وتتيح لها حدودها المشتركة مع روسيا ان تتحول الى نافذة لصادرات الاتحاد الأوروبي الى أسواق روسيا الداخلية.
ليس من السهل الاشارة الى حجم الاستثمارات التي يتوقع ان تضخها الدول الأوروبية الى داخل اسواق الأعضاء الجدد الذين انضموا الى اتحادها في ضوء الحقائق التي أشرنا اليها في ما سبق، على رغم توافر الأدلة التي تؤكد ان بعض الشركات العاملة في الدول القديمة العضوية في الاتحاد مثل بلجيكا وفرنسا والمملكة المتحدة قطعت على نفسها عهوداً بتفكيك مصانعها وبنقل مراكز انتاجها الى منطقة البلطيق وبولندا وجمهورية التشيك.
من هنا يمكن القول ان توسع الاتحاد الأوروبي نحو الشرق يحمل في طياته احتمالات سلبية التأثير على الدول العربية سواء كانت تتمركز حول حوض البحر المتوسط أو في منطقة الخليج، لذلك ليس من قبيل المبالغة القول ان الدول العربية جميعها، في ضوء تنامي تعدادها السكاني، تعيش أجواء تنافسية طاحنة لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وما تنقله معها من تكنولوجيا.
تقول تقارير الأمم المتحدة في هذا الشأن ان 80 في المئة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة تتميز كما تبين سجلات الاستثمارات التي تشرف عليها الهيئة الدولية ان اميركا والاتحاد الأوروبي هما أكثر المستفيدين من هذه الاستثمارات بحكم سابق تفوق اقتصاداتهم التي تملك العدد الأكبر من المشاريع التجارية القابلة والقادرة على الاندماج معاً. هذه الحالة تترك بقية الاستثمارات العالمية التي لا تتعدى الـ20 في المئة في حال صراع عنيف من أجل الفوز بموضع قدم في أسواق الاستثمار. وهذا يعني في شكل مباشر ان التوسع الأوروبي المنجذب الى اغراء الاستثمارات في أسواق دوله الجديدة ذات المستويات التعليمية العالية والتكنولوجية المتقدمة مع خفض تكلفة اليد العاملة، ترك للـ20 في المئة من حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة ان تتنافس حول أسواق الصين وأسواق منطقة آسيا وأيضاً داخل الدول الأوروبية التي انضمت أخيراً الى الاتحاد الأوروبي. وهذا بدوره يضيف عاملاً آخر لأسباب سلبيات انعكاس التوسع الأوروبي نحو الشرق واستبقاء توجهات الاتحاد الأوروبي السياسية والاقتصادية تجاه الدول العربية في ذيل اهتماماته أكثر مما كانت عليه الحال سابقاً، ونعني بذلك التحديات التنافسية التي تواجه استثماراته المستقبلية.
لذلك، ومن أجل دفع وتنظيم المسار العربي داخل المواقع السياسية للاتحاد الأوروبي وقطاعه الخاص يجب على الدول العربية مجتمعة وكل على حدة ان تسلك طريقاً شاقاً لإسماع صوتها داخل بروكسل وأيضاً داخل عواصم الدول الأوروبية التي انضمت أخيراً الى الاتحاد الأوروبي... هذا اذا أرادت ألا تفقد الأرضية التي تتمتع بها داخل دوائر صنع القرار الأوروبية. هذا الطريق الشاق لا يقتصر على الجهد الرسمي فقط، بل من الضروري أن يكون للحكومات وللقطاع الخاص دور في التعريف بوجهة النظر العربية وردود الأفعال التي تعكسها.
والخلاصة فإن الواقع المر يقول انه منذ بدأ الحوار العربي - الأوروبي وحتى يومنا هذا لم يمنح الاتحاد الأوروبي لعلاقاته الاقتصادية بالعالم العربي إلا اهتماماً هامشياً مماثلاً لما تمنحه لهم الدول الآسيوية وأميركا وروسيا وكذلك فعلت دول شرق ووسط أوروبا التي انضمت أخيراً الى الاتحاد الأوروبي.
ولكي تتغير هذه الأوضاع يجب على الدول العربية والقطاع الخاص لديها أن تكون أكثر قرباً من مراكز صنع القرار في العاصمة البلجيكية بروكسل التي كثيراً ما سمعنا من المسؤولين فيها قولهم: "لن يستمع اليك أحد ان لم ترفع صوتك هنا وان لم تقرع طبولك"، فمتى نفعل؟ * عبدالكريم المدرس، اقتصادي عربي مقيم في لندن