يورو 2004 تنعش المقاهي المصرية

القاهرة - من محمد نبيل نعيم
اثارة ومتعة

تحولت نهائيات كأس الامم الاوروبية الثانية عشرة لكرة القدم المقامة حاليا في البرتغال إلى حال اجتماعية خاصة جدا في مصر.
ووجد المصريون في مباريات هذه البطولة المثيرة متنفسا للترويح عن أنفسهم والاستمتاع بكرة القدم الحقيقية في وقت تمر اللعبة في بلادهم بأسوأ حالاتها وتتراجع نتائجها بشكل ملحوظ على صعيد الاندية والمنتخبات.
وكعادة المصريين في كل البطولات الكبرى انقسموا في تشجيع المنتخبات الاوروبية المشاركة في البرتغال فمنهم من اختار الانحياز للمنتخبات الكبيرة أمثال ألمانيا وإيطاليا وإنكلترا وفرنسا وإسبانيا وهولندا والسويد والدنمارك في حين رأى البعض الاخر إعطاء صوته للمنتخبات المكافحة أمثال البرتغال واليونان ولاتفيا وكرواتيا والتشيك في وقت بقيت روسيا وبلغاريا وسويسرا من دون مشجعين محسوسين.
واللافت أن كل فئة من هؤلاء تتحمس بشدة لمنتخبها المختار وتشجعه من أمام شاشات التلفزيون وكأنها موجودة في الملاعب فعلا بل وكأنها تؤازر منتخب مصر.
وعلى الرغم من أن التلفزيون الحكومي ممثلا في القناة الثانية نجح في كسر احتكار الشركات الخاصة التي تخصصت في تشفير البطولات الكبيرة والتنكيد على الغالبية الكادحة غير القادرة على شراء أجهزة فك التشفير والاشتراك في الشبكات الخاصة لتتمكن من متابعة هذه البطولات فان الغريب حقا أن عشاق الكرة الجميلة زحفوا إلى المقاهي التي توفر شاشات كبيرة أو حتى أجهزة تلفزيوينة عادية للعيش في أجواء تشبه كثيرا التواجد في قلب الحدث.
وفي هذه المقاهي يشعر المرء وكأنه في الملعب فعلا. فريق من المتفرجين يتحمس ضد آخر ويطلق عبارات السخرية على أداء المنتخب المنافس. وهذا يعلق على تعليق المعلق وأحدهم يعلن أن الفوز سيكون حتما من نصيب المنتخب الذي يشجعه بل ويراهن غيره على ذلك.
الجميع يصرخون مع ضياع أي فرصة ويهللون عند تسجيل أي هدف وكأن النتائج التي تتحقق في البطولة الاوروبية سوف تمنح منتخبهم المصري أولوية في الصعود إلى مونديال 2006.
ولم يتبق سوى أن يحمل رواد المقاهي أعلام الدول التي يشجعون منتخباتها وأن ينظموا مسيرات عقب كل مباراة يفوزون بها.
والمؤكد أن المستفيد الاول من كل هذا هم أصحاب المقاهي الذين يرفعون أسعار خدماتهم بنسبة قد تصل إلى 500 في المئة خلال المباريات المهمة والمصيرية التي تجمع بين منتخبات من أصحاب الشعبيات الكبيرة.
ومع وصول منافسات البطولة إلى دورها نصف النهائي ارتفع سعر الحد الادنى لقيمة الطلبات (شاي- قهوة- مرطبات) في الاماكن الراقية إلى خمسين جنيها (نحو 6.6 يورو) وتراوحت قيمتها في الاماكن الاخرى ما بين 10 و20 جنيها ولا فرق لجهة التزاحم على حضور المباريات بين مكان وأخر فكلها كاملة العدد.
وإذا كانت هذه الجماهير دائمة الشكوى من ارتفاع الاسعار بشكل عام وصعوبة توفير لقمة العيش في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعاني منها بلادهم وتندد دوما بسياسة التشفير وحرمان السواد الاعظم من متعة متابعة الاحداث الرياضية الكبيرة.. فما هي الاسباب التي تدفعها الان إلى التوجه إلى المقاهي لمتابعة المباريات على الرغم من امكانية مشاهدتها في المنازل مجانا؟
سامر عبد الحليم سلامة الموظف في إحدى شركات البترول قال " المشاهدة الجماعية تختلف كثيرا عن متابعة اللقاءات في المنزل حتى لو كنا أكثر من شخص واحد نتابع المباراة. تكون الانفعالات مختلفة والتجاوب مع اللعبات الحلوة أفضل كثيرا عندما نكون في وسط مجموعة من البشر لا هم لها سوى متابعة اللقاء وكل احداثه بحماسة بالغة وكلها أمور لا تتوافر في المنزل عادة. ثم أننا في المقهى نتفرغ لمشاهدة المباراة والتعليق على أدق تفاصيلها بعيدا عن إزعاج الابناء وطلباتهم التي لا تنتهي".
وأضاف "في البداية تحمست كثيرا مع فرنسا لكن بعد أن قدمت عروضها المتواضعة وحتى قبل أن تخرج من الدور ربع النهائي بدأت أميل إلى هولندا ولو فازت البرتغال باللقب فلن أغضب كثيرا".
وأوضح أن من أهم مميزات الفرجة في القهوة "تدخين الشيشة (الارجيلة) في أجواء رياضية كما أننا نشعر وكأننا في الملعب حتى ولو كنا نبعد عنه آلاف الاميال. انها متعة حقيقية وأعتقد أن كل من جربها يصعب عليه التخلي عنها حتى لو توفرت له المشاهدة المنزلية بالمجان".
وعلى النقيض تماما رأى جمال الدين حسين المتقاعد منذ بضعة أشهر أن استغلال المقاهي للمناسبات الرياضية الكبيرة بهذا الشكل أضر به شخصيا " منذ أن تقاعدت تعودت على الذهاب إلى مقهي بعينه لانفرد بنفسي قليلا نظرا لان المكان يتسم بالهدوء النسبي. لكن منذ أن بدأت بطولة أوروبا أنقلب المقهى ملعبا للكرة. الحماسة زائدة عن الحد المعقول. وأشعر من فرط التعليقات والتشجيع الحماسي أن منتخب مصر هو الذي يلعب".
وأضاف "ثم أن أسعار الطلبات التي يوفرها المقهى صارت مضاعفة وأضطر لدفعها رغم أنني لا أشاهد المباريات ولا أحب كرة القدم أصلا".
وإذا كان هذا هو رأي الجمهور فما هو رأي أصحاب المقاهي؟
قال عبد الفتاح الحملاوى صاحب مقهى فاخر في منطقة المعادي "البعض يبالغ في رفع الاسعار في مثل هذه المناسبات على اعتبار أنها فرصة لكسب أكبر قدر من المال لكن الحقيقة أننا نلجأ إلى ذلك لنتحكم في نوعية الزبون الذي يرتاد المقهى لاننا لا نريد أن يؤثر الاقبال المتزايد على متابعة المباريات على المستوى الاجتماعي لمرتادي هذا المكان".
وفي أحد مقاهي حي إمبابة الشعبي قال صاحبه عصام فوزي وهو أصلا باحث في علم الاجتماع أن "حالة الفرجة الجماعية هي نوع من التضامن الاجتماعي.. ولان كرة القدم لعبة جماعية يقبل الناس على متابعة أحداثها في جماعات يبرز منها ما يحصل حاليا في المقاهي".
وأضاف "والدليل على ذلك أن هناك مجموعات كبيرة من البشر تتوجه إلى الاستاد لمشاهدة المباريات من موقع الحدث على رغم المشقة الكبيرة والعناء الشديد والتكلفة العالية.. إنها حالة إدمان تحولت إلى سلوك إنساني رغم كل الصعوبات".
وأوضح أن المشاهدة الفردية في المنزل تصلح لمتابعة فيلم أو مسلسل لان المشاعر تكون كامنة في مثل هذه المواقف. أما كرة القدم فهي تخرج المشاهد من هدوئه ويتفاعل مع أحداثها وهو أمر لا يمكن حدوثه في الغالب من خلال المشاهدة الفردية. وكرة القدم هي جزء من الغذاء اليومي للكثيرين ولذا يدفعون بصدر رحب في مقابل حصولهم على هذه المتعة من خلال المشاهدة الجماعية في المقاهي أو الاستاد.
وأكد أن "المقاهي في مصر تمثل مجتمعا مدنيا بكل صفاته بعيدا عن هيمنة الدولة وسيطرة السلطة. وللمقهى في مصر تاريخ طويل وغالبية الحركات السياسية والثقافية والفكرية خرجت من المقاهي. في أيام شبابنا كنا نذهب إلى المقهى لمشاهدة نجوم المجتمع من مفكرين وأدباء وفنانين واليوم يأتي إلينا الناس لمتابعة كرة القدم.. شيء جميل أن يستمر المقهى في حمل رسالته الداعية إلى التواصل بين البشر".
وحول مغالاة بعض المقاهي في رفع أسعارها خلال البطولات الرياضية المهمة قال "كرة القدم لعبة ممتعة والناس تقبل على متابعتها لكنني ضد فكرة استثمار هذه المناسبات في تحميل المواطن البسيط أكثر من طاقاته.. في هذا المقهى نسعى فقط إلى تحقيق هامش طفيف من الربح وعموما أنا من أنصار المشاهدة الجماعية في المقهى أو غيره لكنني لست من أنصار أن تكون هذه المشاهدة بفعل ضغط من الدولة أو من الشركات الخاصة من طريق تشفير المباريات".
وللزوجات رأي أيضا في هذه القضية الرياضية الاجتماعية ومنهن من تعتبر غياب الزوج عن المنزل فترات طويلة وكل يوم من أجل متابعة المباريات في المقهى مصيبة تؤثر على الترابط الطبيعي بين أفراد الاسرة. في حين أن أخريات رأين أن غياب الزوج راحة بالنسبة إليهن وتقليل من الاعباء الزوجية التي يحملنها على أكتافهن في حال وجوده في المنزل.
وقالت هبة الملواني وهي موظفة "لقد دفعت زوجي إلى مشاهدة المباريات في المقهى. حين كان يشاهدها في المنزل لم تنقطع طلباته فضلا عن حال التوتر التي كان يمر بها حين يتعرض المنتخب الذي يؤازره للخسارة".
وأضافت "في أحيان كثيرة كان يدعو أصدقاءه لمتابعة المباريات معه في المنزل فكانت الصرخات والصيحات تعلو وكأننا على مدرجات ملعب المباراة وكان مطلوب مني خدمتهم أيضا. اقترحت عليه أن يذهب للمقهى وأن أساهم معه في تكاليف الفرجة هناك من جيبي الخاص فوافق والحمد لله".
وقالت جيلان بسمي وهي ربة منزل وزوجة أحد شباب رجال الاعمال أن زوجها يعشق كرة القدم حتى النخاع "وحين تكون هناك مباريات أو بطولات من العيار الثقيل تعلن حالة الطوارئ في البيت أثناء المباريات علينا أن نسكت جميعا وأن نستمع إلى تعليقاته فقط خصوصا أنه لايقبل بتعليقات المعلقين ويفضل رؤيته الشخصية للمباراة والتي ينقلها إليها باستمرار وحين أحاول الذهاب إلى غرفة أخرى أو القيام بأي عمل آخر يرفض ويطلب مني البقاء.. عندما تزوجنا لم أكن أعرف شيئا عن كرة القدم والان بعد أن مضى على زواجنا ست سنوات صرت حافظة لقوانينها ربما أكثر من حكام المباريات أنفسهم حاولت إقناعه ذات مرة بمشاهدة المباريات في المقهى أو النادي مع أصحابه لكنه يرفض دائما ويقول ليس هناك أحلى من الفرجة المنزلية.
وأضافت "أخشى أن تؤثر هذه الحال على حياتنا الزوجية هذا العام تحديدا لانه مليء بالاحداث الرياضية الكبيرة التي بدأت بنهائيات كأس الامم الافريقية لكرة القدم مطلع العام في تونس وها هي كأس الامم الاوروبية أوشكت على الانتهاء وستبدأ دورة الالعاب الاوليمبية في شهر آب/أغسطس المقبل ومن بعدها كأس الامم الاسيوية. "وربنا يستر".