مشاريع الإصلاح تتكسر على صخرة صمود النظام العربي!

بقلم: ماجد كيالي

بات النظام العربي يعبّر بفجاجة بالغة عن هشاشته وعن العطب الذي يدبّ في أوصاله، إزاء مختلف التحديات والاستحقاقات التي تعترضه، سواء الداخلية منها أم الخارجية، إلى درجة يمكن القول معها بأن هذا النظام بات مستهلكا تماما؛ فهو عاجز عن مواكبة المتغيرات الحاصلة دولياً (في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية)، ولا يستطيع تلبية الاستحقاقات الناشئة عنها، وحتى أنه لم يعد قادر على القيام بوظائفه الداخلية؛ إذا استثنينا منها الوظيفة السلطوية، بمعناها الضيق.
ولعل هذا الوضع هو الذي يفسر حال الحرج التي انتابت هذا النظام إزاء كيفية التعاطي مع مشاريع الإصلاح (بالأحرى التغيير) الخارجية، التي طرحتها الدول الكبرى ولاسيما الولايات المتحدة، بضغط خليط من العوامل، التي من ضمنها: مكافحة الإرهاب (بعد حدث 11 أيلول) ونزع أسلحة الدمار الشامل ومتطلبات الهيمنة أو إعادة الهيكلة، وصولا إلى تلبية مسارات العولمة.
ولا شكّ بأن حدث 11 أيلول عجّل في طرح ملف النظام العربي على الأجندة العالمية، إذ بات يجري التعامل معه على اعتباره مصدر مرض أو خطر ينبغي عزله ومعالجته أو استئصاله قبل أن تنتقل عدواه (عبر الإرهاب والهجرات) إلى العالم الغربي؛ انطلاقا من قناعة مفادها أن هذا النظام هو المسؤول عن تدهور الأحوال السياسية والاقتصادية والتعليمية وعن نمو مشاعر الإحباط والتطرف في المجتمعات في هذا الجزء الحيوي للعالم.
ما يلفت الانتباه أن النظام العربي وجد هذه المرة ذريعة أخرى، غير الانشغال بالصراع مع إسرائيل التي عزف عليها طويلا، وهي ذريعة الإملاء الخارجي لرفض مطالب الإصلاح الداخلية.
وكان الأجدى لهذا النظام، في مواجهة هذه الحال، أن يقف وقفة جادة وحاسمة لمراجعة أحواله ولتفحّص المتغيرات الحاصلة واستنباط الدروس منها، لا سيما أن مشاريع الإصلاح والتحديث والتطوير، هي أصلاً مشاريع أو مطالب داخلية، تتعلق بإصلاح الأحوال السياسية والاقتصادية وإصلاح مؤسسات الدولة وتعزيز المشاركة الشعبية وحقوق الإنسان ومكانة المرأة وتحديث منظومة التعليم ونشر الثقافة.
وفي الواقع فإن الإدارة الأمريكية، وعصابة المحافظين الجدد فيها، قامت بالاستيلاء على شعارات الإصلاح والتغيير المطروحة في البيئة العربية لابتزاز الأنظمة السائدة، من جهة؛ ولتسويق سياساتها في المجتمعات العربية؛ من جهة ثانية، وللتغطية على الشبهات التي تحوم حول سياساتها (ولاسيما المتعلقة بدعم إسرائيل)؛ من جهة ثالثة.
ولعل النظام العربي يسجل مفارقة هنا فهو يبدي استعدادا للتجاوب مع المتطلبات الأمريكية، على أكثر من صعيد سياسي وأمني واقتصادي، في حين أنه يبدي ممانعة في التجاوب مع مطالب الإصلاح الأمريكية.
وربما أن توجه النظام العربي نحو طرح مبادرته الإصلاحية الخاصة كان من شأنه إيجاد مخرج مناسب لهذا النظام، إذ أن هكذا وضع قد يمكنه، أولا، من سحب هذا الملف من إطار التداول الأمريكي؛ وثانيا، السير باتجاه الإصلاح بما يتناسب مع الأولويات والحاجات العربية؛ ولكن هذا الأمر لم يحصل لاعتبارات تخص طبيعة النظم العربية وشرعيتها.
وخلاصة القول فإن وقائع الأشهر القليلة الماضية أماطت الحجاب عن حال الشلل والاضطراب التي تسود السياسة الرسمية العربية، وبيّنت بجلاء بأن النظام العربي لا يمتلك مشروعا للإصلاح، وإنما يمتلك فقط مشروعا لإدامة إدارة السلطة.
وأساساً فإن حديث الإصلاح والتحديث والتطوير ماكان له أن يأخذ طريقه لأجندة الأنظمة العربية، التي استمرأت العيش على الشعارات والبيانات، لولا الضغوط الخارجية. أما بالنسبة للمجتمعات العربية فقد فضحت هذه الوقائع غيابها، وكشفت الغيبوبة الثقيلة التي تقبع في ظلالها، بحكم العادة وبواقع علاقات التهميش والتغريب التي تحكم علاقتها بالسياسة وبالسلطة في العالم العربي.
أيضا، فإن ما يلفت الانتباه هنا حقيقة أن النظام العربي لم يهرب من متطلبات الإصلاح عبر الادعاء برفض التدخلات الخارجية، فقط، وإنما بمحاولته التملص من استحقاقاتها الملموسة، عبر مناورة الهرب إلى الأمام، إن على مستوى كل دولة أو على المستوى العربي.
المهم أن المعنيين في العالم العربي أرادوا البدء بعملية إصلاح افتراضية ولكن كل أرادها خارج نطاقه! وفي أحسن الأحوال فقد أراد كل طرف الإصلاح عبر إصلاح غيره أولا! وفي الحالين فإن أي طرف لم يرض بتحمل تبعات الإصلاح في نطاقه؛ في حين أن عملية إصلاح العالم العربي تبدو مستحيلة من دون إصلاح كل بلد، أو كل نظام، لأحواله.
هكذا وجدنا النظام العربي يذهب بعيدا نحو إيجاد برلمان عربي ومجلس أمن عربي ومحكمة قضائية عربية، في غياب حياة برلمانية حقيقية على مستوى كل بلد، وفي ظل تدني معايير الديمقراطية وحقوق الإنسان والمشاركة الشعبية ودولة القانون والمؤسسات، وفي ظل غياب أو تقييد حرية الأحزاب والنقابات والصحافة.
وكان الأجدى لمشروعات إصلاح النظام العربي أن تبدأ من تعزيز المصالح البينية المشتركة في مجالات: التجارة والاستثمار والبني التحتية والتعليم والتشريعات، وتعزيز دور المجتمعات، وتحقيق التكامل بين هذه المنظومات على المستوى العربي.
المشكلة أن كل طرف في النظام العربي يلقي باللوم على غيره، في تعثر التوافق على مشاريع الإصلاح وأولوياتها، في حين كان بوسع كل طرف أن يبدأ بإصلاح أحواله، وتقديم مقترحاته أو خططه بقوة النموذج الذي بناه في بلده.
عموما فإن المعطيات تؤكد بأن الأحوال ستبقى على ما هي عليه، فالنظام العربي "مشغول" عن الإصلاح بتحرير العراق وفلسطين! أما الجماهير العربية فهي إما سادرة في غيبوبتها وفي تحصيل لقمة عيشها، أو هائجة في البيوت (والشوارع أحيانا) تلعن الإمبريالية والصهيونية.
وإذا استمرت الأحوال على ماهي عليه فلا شك بأن مطالب الإصلاح والتجديد والتطوير ستتكسر على صخرة "صمود" الأنظمة العربية السائدة! ماجد كيالي