عبد الرحمن درويش بين الحب والحياة والموت

بقلم: أحمد فضل شبلول
طاقة شعرية وفنية كبيرة

تتمتع أشعار عبد الرحمن درويش المكتوبة بالعامية المصرية، بتنوع موضوعاتها، وثراء موسيقاها، وتدفق جملها الشعرية، على الرغم من جاهزية بعض هذه العبارات أو الجمل، واقترابها من التركيبات الشعرية والموسيقية لفن الزجل، الذي خرج من عباءته عبد الرحمن درويش.
***
الملمح الأساسي في معظم قصائد درويش، الاقتراب المباشر من الأحداث العامة، سواء كانت هذه الأحداث وطنية، أو اجتماعية، أو فنية.
في ديوانه الأول "ترنيمة الحياة والموت" الذي يعود تاريخ أوَّل قصيدة فيه إلى أبريل 1962 نجد الشاعر يتحدث في قصيدة "الدم" عن حرب اليمن، ثم يُهدي قصيدته "من صرواح" إلى أبناء مصر الذين استشهدوا في هذه الحرب.
وفي قصيدة أخرى كتبها في أغسطس من عام 1963 يتحدث عن حرب فيتنام، حيث أثارت حفيظتَه وقريحتَه الشعرية، صورة الراهب البوذي حليق الرأس في ثوبه الأصفر الفضفاض، وهو يشعل النار في جسده احتجاجا على الاستعمار والحرب التي تدور لقهر إرادة شعبه. وقد ظلت صورة هذا الراهب تهز وجدان العالم، وتؤرق ضمير البشرية. وكما نقلتها آلات التصوير إلى كل مكان، نقلها الشعراء بكل اللغات.
والسؤال الذي أسأله ونحن نتحدث الآن: لماذا لم تهز وجدان العالم، وتؤرق ضمير البشرية صور التعذيب غير المسبوق في سجن أبو غريب في بغداد، وما تفعله قوات الاحتلال الإسرائيلي في أطفال فلسطين ونسائهم وشيوخهم. هل تحجَّر وجدان العالم، ومات ضميره خلال الأربعين سنة الماضية؟
يقول الشاعر في هذه القصيدة المؤثرة: ابن آدم في بساطة يتحرق
فوق رماده ألف واحد يتشنق
الرصاص زي المطر
جوه طينك يترشق
يطرحه أخشاب مشانق
فيها روس متعلقة من غير عدد
الشمس ـ لو طلت عليها ـ تتخنق
في بحور دموع
وسحاب ملون بالبارود
وعيون دموعها شققت لحم الخدود
الإنسانية بتتشنق
الإنسانية النهاردة بتتصلب
باسم المسيح
وقد صدق الشاعر، وامتد هذا الصدق منذ كتابة القصيدة عام 1963 حتى اليوم، وسيظل صادقا مادامت قوى البغي والعدوان والظلم هي المسيطرة على العالم، والمتحكمة فيه، كما نرى الآن في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها من البلاد.
هذه الرؤية أو هذا الصدق في التعامل مع الواقع، يُهدي الشاعر قصيدة أخرى مهمة في أعماله هي قصيدة "الخرفان" التي كتبها في فبراير عام 1964، ويصدِّرُها بقوله: "حينما تختل الموازين يصبح كل شيء مباح". ويقدم الشاعر فيها رؤيته التي يكثفها في السطر الأخير من القصيدة: "يا ابني النهاردة الديابة بتحرس الخرفان".
ثم ينتقل نقلة أخرى في قصائده حيث يتغنى في مايو من عام 1964 بمكتسبات وإنجازات ثورة 23 يوليو 1952 حيث يدور المكن، ويطلع النهار، في قصيدة "أول مايو عيد العمال" عيد العمل / عيد اللي قادوا بالمكن نور الأمل.
وهو يتفاعل مع أحداث حرب الاستنزاف مع العدو الإسرائيلي، فيكتب في 11 سبتمبر من عام 1970 ـ قبيل وفاة جمال عبد الناصر بأيام ـ قصيدته "السلاح شرقان"، وفي ليلة وفاة عبد الناصر 28 سبتمبر 1970 يكتب بكائيته التي يقول فيها: وقع الحسام
وسط الزحام
سكت الكلام
والنعش مايل من صوات الأمهات
يا ابو البنات والأمهات
النيل ملا الدنيا بكا
حتى المزارع والترع لابسه السواد
مات النهاردة أبو البلاد
ومن أحزان وفاة عبد الناصر، إلى أحزان البوسنة والهرسك، من خلال قصيدته "الحرب . الخوف . الموت" المكتوبة في عام 1993، ثم قصيدته عن سليمان خاطر "ضمير مصر" المكتوبة في ديسمبر من العام نفسه.
امتدادًا لهذه الرؤية الوطنية أو الحس الوطني، نجد الشاعر يتحدث في ديوانه الأخير "كلام في الحب" عن مذبحة قانا في لبنان، فيكتب في مايو من عام 1996: خطين ونجمة مسدسة
وبنت بيضة معصعصة
وشعر أحمر بصمته لون البارود
وقنبلة نووية رابضة على الحدود
وحمامة لون الدم بتغني السلام
وشالوم وزيفي يضربوا تعظيم سلام
افتح مزاد
احنا السماسرة والقضاه
احنا تواريخ الحياه
واحنا النحاه
لبنان ؟ ما فيش لبنان هنا
دي أرضنا
وحزام أمان
وانتوا اتعاهدتوا ع السلام
ومن وجهة نظر الشاعر، فإن ما يحدث في المنطقة، سببه غياب الفارس: لما يغيب الفارس
دايما يتركن السيف
لذا فإنه يعتذر للقدس في 25 أبريل من عام 1997، يعتذر للقدس في أعياد احتفالات العريش، وعودة سيناء بكامل ترابها إلى السيادة المصرية. فيقول للقدس: يا قدس احنا ميتين
وعضامنا فوق الكتف دين
ما تزعليش لو راح طريقنا مننا
ما احنا اللي ضيعنا القديم ويا البديل
ومشينا نسرح بالعمى
من غير عصاية أو دليل
ولكنه في أكتوبر من العام نفسه يتذكر انتصارات أكتوبر المجيدة، وإذا كانت قصيدته "أكتوبر" تجئ مباشِرة، في مثل قوله: وقف الأسود وقفة وهدُّوا المستحيل
سقطت حصون الخوف
ودابت جوه ألحان النشيد
جوه ألحان النهار
جوه ألحان الأصيل
فإنه في قصيدة "الرصاصة والمعبد" ـ المكتوبة في نوفمبر من العام نفسه ـ يجيء التعبير بطريقة فنية غير مباشرة، مثل قوله: احنا بنفتح للنهار بوابة للزمن القديم
زمن الحروف فوق الحجر .. نور من قديم
زمن المسلات والمعابد والترانيم والنديم
أفواج من العالم بتحسب للحضارة والزمن
قدره العظيم
واحنا بنفتح للسلام
سلام سلاح
وهو لا ينسى أطفال العراق أثناء الحصار، وقبل سقوط بغداد المدوِّي في التاسع من أبريل عام 2003، فيكتب في فبراير من عام 1998 صرخته مع أطفال العراق، ويقول في قصيدة "قصور المستحيل": الطفل بيموت م الفزع .. م الخوف
من الجوع الطويل
والمعنى يسقط تحت ضغط الحاجة والأسر المرير
واللجنة لسه بحكمة بتفتش قصور المستحيل
عن أي شيء لو كان بسيط أو كان خطير
واحنا انتزعنا من مآقينا الرجولة والضمير
وسكتنا لما المخصي نام ويا الأميرة في السرير
والناس بتستنى الولد
***
إلى جانب ذلك، يتفاعل عبد الرحمن درويش ـ خلال مسيرته الشعرية الطويلة التي بلغت أكثر من أربعين عاما ـ مع الأحداث الاجتماعية والفنية التي عاصرها. فنراه يكتب قصائده في عبد الحليم حافظ، ومادلين طبر (صورة الشام في قلب مصر)، ومصطفى أمين (دمعة على وش القمر) والأميرة ديانا (ديانا ولا عماد) وسعد الدين وهبة، ونزار قباني (هوامش على دفتر الشعر). وهذه القصيدة عن نزار من الممكن أن تدخل في إطار السيرة أو الترجمة الشعرية لنزار، فنرى درويش يقول في جزء منها: وشاعرنا كان إنسان
مولود في دمشق
في بيت .. قدامه شجر ياسمين
زرَّع جوه الشعر سنين
وكبر جوه الدكان
بيبيع للناس الريش
الناس تلبس وتطير
والفكرة معاه أساطير
في هذه القصيدة ـ على سبيل المثال ـ نجد عبد الرحمن درويش، يتحدث عن فكرته أو رأيه هو في وظيفة الشعر ومهمة الشاعر. والتي منها وظيفة التخييل أو الخيال الذي يركب على جناحه القارئ، فيطير ويحلِّق عن طريق الصورة الشعرية المتخيلة (بيبيع للناس الريش/الناس تلبس وتطير).
إلى جانب الأسماء السابقة، نراه يكتب عن الشيخ محمد متولي الشعراوي، ومهرجان القاهرة السينمائي، وفي هذه القصيدة الأخيرة نراه يتحدث عن وظيفة الفن في المجتمع، فالفن يحقق لأفراد المجتمع بعض الأمور التالية: يفجر الطاقة في إيديهم
ويصحح الحلم في عنيهم
ويزرع الصحرا اللي جواهم خضار
وتطير عصافير الضياع ويا النهار
ويخللي أحلامهم كبيرة
لذا فإنه يُهدي ديوانه الأول لعمنا صلاح جاهين "الذي حلق بجيلنا عبر آفاق شعر العامية المصرية"، ويُهدي ديوانه الأخير إلى رجاء النقاش الصحفي والناقد الكبير.
وهو عندما يُهدي ديوانيه إلى مثل هذين الرائدين، فإنه يعترف صراحة وضمنا، بفضلهما عليه، ودورهما في مسيرة الأدب والفن في مجتمعنا المعاصر، فصلاح جاهين: بيحرَّك المشاعر
وبيرفع المشاعل
بهلول في شكل شاعر
لكن دايما حزين
أما رجاء النقاش، فيبدو أن الشاعر أهداه ديوانه الأخير، لتفاعله مع ما يرسله له، وينشره في مجلة "الكواكب" عندما كان رئيسا لتحريرها. وكما نعرف فإن مجلة "الكواكب" مجلة اجتماعية فنية واسعة الانتشار، وتُعد مكانا مناسبا، وبيئة حاضنة، لما يكتب الشاعر من قصائد، لذا نرى بالفعل أن معظم قصائده في السنوات الأخيرة ـ كما يشير هو في فهرس الديوان الأخير ـ منشورة في هذه المجلة.
***
عشق الإسكندرية سمة من أهم سمات أعمال عبد الرحمن درويش منذ قصائده الأولى في أوائل الستينيات، وحتى قصائد ديوانه الأخير "كلام في الحب". فبنت الإسكندرية هي جنيّة البحر التي يتغزَّل فيها ويٌشبِّبُ بها، وهو لا يرى في شَعر أنثاه سوى تلك الصورة المعبرة، أو ذلك التشبيه التصويري: زي الشباك
بيصيد هنا ويصيب هناك
وهو في مايو 1964 يفاخر بأنه اسكندراني، وأنه من البلد الذي تربَّى فيه جمال عبد الناصر، ومن المعروف أن أسرة جمال عبد الناصر كانت تعيش في حي باكوس بالإسكندرية لسنوات عدة: دا أنا اسكندراني
ومتربي في حينا زعيم العروبة جمال
وبرضه في صغري غزلت الحبال
وشالت كتافي الشبك
وصدت السمك
ونفسي أكون زي ابويا
صنايعي ابن كار
ودائما ما تكون القاهرة هي المقابل غير المريح من المدن، بالنسبة للإسكندرية. لذا تأتي القاهرة في الفضاء الدلالي لمعظم شعراء الإسكندرية، وجها مدنيا متشظيا، بينما تكون الإسكندرية وجها بحريا جميلا، فيه كل سمات الحضارة والعظمة والاكتمال سواء الأنثوي أو المدني. يقول عبد الرحمن درويش عن القاهرة: يا قاهرة ..
يا شقة مفروشة
معروضة للإيجار
للجار وللبحَّار
واللي معاه التمن
جدران دروبك زمن
منقوشة بالأسفار
شُفتك بتتزوقي
للغُرب والعُزَّاب
زمن النخاسة انتهى
والعهر له أصحاب
يا غربة جوه الوطن
يا غربة جوه البيت
بعترنا ورث الزمن
ورضينا بالفتافيت
يا قاهرة.
وفي حين أن معظم الاسكندرانية، لا يحبون شهور الصيف، التي تزدحم فيها مدينتهم بالمصطافين والغرباء، فيشل هذا من حرية أبنائها، على الرغم من المكاسب التي قد يحققها بعض التجار في هذه الشهور، فإن الشاعر يخرج على هذه القاعدة ويعلن حبه للإسكندرية في شهور صيفها المزدحمة، فيقول في قصيدة لا يذكر فيها اسم الإسكندرية صراحة: ما بحبش إلا شهور الصيف
وبحبك جد
وبحب أغسطس فوق الحد
وبحب عنيكي ولون الخد
وبحب أغسطس اللي اتولدت فيه
أحلى الأحلام
وأعز الناس
وهو يفسر هذا الحب الجارف للإسكندرية في عز شهور الصيف في قصيدة أخرى بعنوان "إسكندرية تاني مرة" التي يقول فيها: بحب الشمس لو تطلع على جبينك
وتتمسَّح بحب وشوق على رمالك
وتتمطع على الميه وع الأنسام
بحبك موت يا بنت الإيه يا خواجايا
يالا بسة طرحه وملايه.
***
عبد الرحمن درويش طاقة شعرية وفنية كبيرة، من الممكن بسهولة أن تُوظف في خدمة المسرح الشعري، وكتابة الأوبريتات، خاصة أنه يمتلك القدرة على إدارة الحوار داخل النص الشعري، مثلما لاحظنا في بعض قصائده التي كُتبت في فترة مبكرة مثل قصيدة "من صرواح" المكتوبة في عام 1963، و"هوه الحب يخوِّف"، و"الساعة اتنين 6 أكتوبر" وغيرها.
ونحن في انتظار عمل درامي شعري كبير منه، يضاف إلى رصيده الحالي في شعر العامية المصرية. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية