من يؤثر في الدول؟

بقلم: هشام القروي

انها فترة سيئة بكل المقاييس، ولا نحتاج الى دلائل اثبات لتوكيد ذلك. فترة سيئة في تاريخ العراق، وفلسطين، والعرب بصفة عامة. ولكن قياسا بالتاريخ الطويل لمنطقتنا، فإنها لا تعد شيئا. كلما ساءت الاحوال، ألتفت الى التاريخ. انه كنز حقيقي. ففيه تجد كل ما تحتاجه من الموارد والطاقة لتمضي الى الأمام، لأن الكثير مما نعيشه اليوم موجود في تجارب الاجداد. لقد خبروه واخترعوا طرقا للخروج منه. انني لست مؤرخا بالقطع، ولكن ألا يقولون أن الصحفي الجيد هو مؤرخ اللحظة؟ وعندما أتطلع الى ما تحمله هذه اللحظة، أراه في امتداده متصلا باللحظات السابقة، فيما يسمى وحدة الزمن.
خذ ما يحصل في العراق اليوم. كان العراق ولا يزال يكون مع بقية دول الخليج أكبر مصدر للطاقة في العالم بأسره، وكان ولا يزال يمثل حلقة الاتصال بين أوروبا (بداية الغرب وليست نهايته) ومنطقة المحيط الهندي، التي كانت واقعة تحت سيطرة الامبراطورية البريطانية. ليس غريبا والحالة هذه أن نجد بريطانيا تلعب دورا رئيسيا في ما يحدث الآن. انه بكل تأكيد دور لم يكن بالامكان أن تلعبه لا روسيا ولا فرنسا ولا ألمانيا، بالرغم من أن لكل من هذه الدول مصالح كبرى في بلاد الرافدين. لماذا؟ لأن هناك خبرة تاريخية، سياسية واجتماعية وثقافية، توفرت لبريطانيا، ولم تتوفر للدول الأخرى المذكورة. وبشكل عام، يمكنكم أن تلاحظوا أن البلدان المستعمرة سابقا حافظت على روابط "امتياز" مع الدول التي استعمرتها. ولولا ذلك، لوجدنا التأثير البريطاني قويا في بلدان المغرب العربي مثلا، والتأثير الفرنسي أقوى في العراق والخليج. وليست هذه هي الحال ، كما تعلمون. ولو أردنا التبسيط، لقلنا ان فرنسا لا تزال موجودة بقوة في أقطار المغرب العربي، وافريقيا الفرنكوفونية، اضافة الى لبنان وسوريا، فيما البريطانيون موجودون بقوة أيضا في البلدان العربية والآسيوية الاخرى. وليس عليك سوى أن تتساءل: ما هي اللغة الثانية أو حتى الاولى في هذا البلد أو ذاك، لتفهم من هي الدولة ذات النفوذ.
بيد أن القضية الكبرى ليست في من يؤثر في الدول الصغرى، فهي تتأثر حتى بالريح، اذا هبت بقوة نسبية. وانما القضية الحقيقية هي في من يؤثر في الدول الكبرى؟ من يؤثر في فرنسا مثلا؟ والجواب هو: الطرف الذي احتلها سابقا، أي ألمانيا. وقد لا تكون اللغة الألمانية طاغية ههنا، ولكن الثقافة الالمانية حاضرة بقوة من خلال الترجمة، فضلا عن أن أوروبا نفسها، كما نراها اليوم، هي الى حد كبير تحت التأثير المزدوج الفرنسي- الالماني. هذا الثنائي غير المنفصل، الذي ينسق كل كبيرة وصغيرة، هو الذي وقف بقوة في وجه التكتل الانجلو-ساكسوني ومصالحه في العراق.
وسواء أحب الامريكيون أم كرهوا، فإن بريطانيا هي القوة المؤثرة الى اليوم في الولايات المتحدة. ان بعض الملاحظين، حين يريدون التنكيت على الانجليز يقولون لهم: انكم تتبعون الولايات المتحدة. وهناك – حتى هنا في فرنسا – من يعتقد أن بريطانيا ليست سوى "حاملة طائرات" امريكية في الاطلسي. وليس هناك برأيي خطأ في التقييم والتقدير أكبر من هذا. فالواقع أن بريطانيا أكبر تأثيرا في الولايات المتحدة مما يريد البعض الاعتراف به. فالمسألة تاريخية أولا. واللغة نفسها ليست بريئة. بل هي حاملة لتراث كامل من التصورات والمفاهيم والمبادئ والقيم التي تترسخ في رأس من يتكلمها بنفس الطريقة التي يثبت بها تنزيل برنامج ما في الكمبيوتر. (نشرت بالاتفاق مع جريدة "العرب".) هشام القروي