الفلسطينيون .. صورة ارض وشعب

باريس - من هدى ابراهيم
فوزي القاوقجي وعدد من مرافقيه في صورة تعود لما قبل العام 1948

يعتبر كتاب "الفلسطينيون، صورة أرض وشعب من العام 1839 الى يومنا هذا" الذي صدر مؤخرا في باريس عن دار "هازان" للمؤرخ والكاتب الفلسطيني الياس صنبر، وثيقة تاريخية تشهد على حياة الشعب الفلسطيني وهجرته وانتفاضته وعلى ما سبق ذلك.
يقع الكتاب الانيق الطباعة في 650 صفحة من القطع الكبير ويتضمن 600 صورة تعود في معظمها الى مجموعة الكاتب الخاصة التي عني بجمعها على مر السنين مع الاستعانة ببعض الصور من مجموعة بدر الحاج الشهيرة عن لبنان وسوريا وفلسطين اضافة الى بعض المجموعات الاخرى.
الجزء الاهم من الصور هو ذلك الذي سبق العام 1948 عام "النكبة" حيث تظهر الصور نبض شعب وحسه بالحياة والافراح رغم اتجاه المصورين الغربيين الى تعمد التركيز في صورهم على الامكنة الخالية من السكان.
ويقول صنبر في مقدمته ان "هذه الصور تصور ارضا فارغة من دون ناس وان كثيرا ما كان المصورون يلجأون الى الموديل للتصوير في الداخل والخارج".
وعلى طول الكتاب يحاول صنبر اظهار كيفية تجاهل المصورين لناس المكان وتصوير الارض والامكنة بدلا منهم حيث كانت فلسطين منذ العام 1840 وطوال القرن الثامن عشر، مسرحا لما يسميه الكاتب حرب "صليبية سلمية" وظل الامر كذلك حتى بداية الحرب العالمية الاولى.
ويحاول الكتاب باختصار ترجمة صور هذه الارض وذلك في اربعة فصول كبيرة.
ومن بين المصورين القدامى الذين التقطوا صورا لفلسطين حتى العام 1914 بونفيس ولالموند وماكدونالد وطومسون وبدفورد وبرغهايم وصارافيان اضافة الى بعض المصورين الصحفيين المحليين المجهولين.
تتناول المرحلة الثانية من الكتاب عهد الاستعمار، وتصوير الاماكن الخالية والهجرة الداخلية في ارض فلسطيني حيث ركز المصورون على تصوير الاماكن الخالية دون غيرها اما المصورون المحليون فكانت لهم نظرتهم المختلفة.
ومن هؤلاء المصور خليل رعد الذي كان يملك استديو تصوير في القدس، والذي يظهر عمله الفرق بين المصورين المستشرقين نوعا ما وبين المصور ابن البلد، حيث تختلف النظرة تماما عند تصويره لاهله وابنائه كما تختلف المقاربة.
هنا يظهر الفلسطينيون في افراحهم واتراحهم بين عامي 1790 و1948، يظهرون وهم يعملون في حقولهم، وفي بساتين الليمون والزيتون في بلد طالما صور على انه صحراء خالية من السكان، او وهم منهمكون في صنع شباك الصيد في يافا.
كما يصورهم وهم يشيدون البيوت من الاحجار الصخرية او حتى وهم يشاهدون "صندوق الفرجة" في احدى الساحات. لقد صور خليل رعد ببساطة الحياة العادية. هذه الحياة التي تتسرب الى الصورة شيئا فشيئا كما في صورة "بنات درزيات من جبل الكرمل".
وفي جزء آخر من الكتاب يعرض الياس صنبر لمرحلة اخرى من مراحل التصوير، حيث دخل التلوين الى الصورة عبر تقنيات معقدة ظهرت عام 1887 وقصد المصورون بها تحسين الصورة وتجميلها، لتظهر البلد اكثر جمالا مما هو عليه في الواقع.
لكن هذه الصور كما يلاحظ الكاتب "مريرة وتراجيدية بقدر جمالها وهي تظهر البلد الملون في الذاكرة بعد ان غاب الاصل وابتعد".
ومن الصور الاخرى ما افقدها غياب الارض معناها او زادها معنى مثل صورة لتظاهرة في القدس عام 1920، رفعت فيها شعارات مثل "فلسطين جزء من سوريا". واخرى التقطت عام 1933 لمؤتمر الطب العربي في القدس او ايضا صورة نادرة لفريق كرة القدم الوطني الفلسطيني عام 1909. وايضا تلك التي تصور فرقة اوركسترا الاذاعة الفلسطينية.
ثم تأتي صور فترة الانتداب والعمل ضد الانكليز ويظهر فيها الزعيم الوطني فوزي القاوقجي، كما تظهر بعض الصور المعارك التي دارت في القرى بين السكان وبين عصابات الهاجاناه خلال عامي 1947 و1948.
واذا كانت غالبية الصور المحفوظة تصور الرحيل، واللجوء الى مخيمات سوريا وفلسطين والاردن، حيث ان معظمها التقطته منظمة الاونروا، فإن صور الرحيل عن الارض تبدو قليلة جدا. ويؤكد واضع الكتاب ان هذه الصور "اخفيت او اتلفت".
كما يضم الكتاب صورة لسقوط يافا ورحيل بعض سكانها عبر البحر.
وقد خصص المؤلف القسمين الاخيران من الكتاب واحد للمقاومة الفلسطينية من لبنان منذ السبعينات والاخر للانتفاضتين الاولى والثانية ولحياة الفلسطينيين اليوم، "في بلد تتحول فيه الحياة الى شعائر وطقوس مستمرة ودائمة من اماكن العبادة الى الحواجز والمخيمات" حسب صنبر.