مداخلات أمريكية لحلحلة الوضع في العراق وفلسطين

بقلم: حسين العسكري

لقد فرض الوضع المتفجر في العراق المتمثل في تصاعد حدة المواجهة العسكرية بين تحالف قوات الاحتلال وأطراف المقاومة العراقية المختلفة وارتفاع عدد القتلى والجرحى بين صفوف الأمريكيين من ناحية وظهور صور التعذيب الذي يلقاه العراقيون سواء في السجون على يد الجلادين الجدد (على وزن المحافظين الجدد) أو في حياتهم اليومية من قتل عشوائي وحرمان، فرض هذا الوضع واقعا جديدا على الشارع السياسي الأمريكي. تقول بعض التحليلات أن هنالك حالة تذمر شديدة في المؤسسة العسكرية الأمريكية دفعت أجنحة معينة إلى تسريب صور توابيت الجنود الأمريكيين وصور التعذيب الوحشي في سجن أبي غريب إلى وسائل الإعلام لفرض نقاش علني على الإدارة الأمريكية.
جزء من هذا الواقع الجديد برز في صيغة تحركات متحدية لسياسة الإدارة الأمريكية في المنطقة مثل الرسالة المفتوحة التي وجهها عدد كبير من الدبلوماسيين الأمريكيين السابقين وهاجموا فيها سياسة الإدارة الأمريكية في فلسطين وكذلك في صيغة أفكار ومقترحات لحل الورطة التي أدخلت الولايات المتحدة نفسها فيها في العراق.
جاء ذلك في صيغة مقترحات لخطة انسحاب أو إعادة ترتيب وضع القوات الأمريكية في المنطقة والسياسة الخارجية الأمريكية بشكل عام نشرت في وسائل الإعلام الأمريكية المختلفة. وتشير بعض المصادر الأمريكية إلى أن الفوضى والتشويش اللذين رافقا تسليم الفلوجة للواء حماية الفلوجة العراقي تحت إمرة ضابط سابق في الجيش العراقي كان مصدرهما هو أن أطرافا ما في المؤسسة العسكرية الأمريكية تجاوزت الحاكم المدني بريمر ومجلس الحكم وربما حتى قائد القوات الأمريكية مارك كيميت لعقد صفقة مع أهالي الفلوجة لفرض واقع جديد على القيادة الأمريكية.
أكثر الاقتراحات الآتية من أمريكا لفتا للنظر بسبب راديكالية ما يطرح فيه هو الاقتراح الذي قدمه عالم الاقتصاد الأمريكي والمرشح الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأمريكية ليندون لاروش. هذه الاقتراحات لا تبدو مجرد تعديل في السياسة الأمريكية، بل انقلابا في مفاهيم السياسة الخارجية الأمريكية وإعادة تعريف لمعنى المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط. وبالرغم من أن لاروش ليس جزءا من المؤسسة السياسية الحاكمة بل معارض لها إلا أنه يعرض هذه الأفكار كطوق نجاة للمجتمع الأمريكي عسى أن يستفيق الشعب الأمريكي وإدارته للورطة التي وضعهم فيها صقور الحرب والمحافظون الجدد.
ينص اقتراح لاروش على النقاط الاساسية التالية:
1. سحب القوات الأمريكية بسرعة و بنجاح من العراق "لعدم وجود أي سبب أخلاقي ولا عسكري لإبقائها في العراق" على حد قول لاروش. تشمل هذه النقطة إعادة بناء المؤسسات العراقية الأساسية الموجودة فبل الغزو وبالذات مؤسسة الجيش العراقي والمؤسسات الاقتصادية والخدمية لتحل محل فوة الاحتلال والإدارة المؤقتة.
2. خلق إطار استراتيجي أوسع يمكن من خلاله إيجاد حل قابل للتطبيق، ويتمثل ذلك في إشراك دول ما يسميه جنوب غرب آسيا وعلى رأسها إيران وتركيا وسوريا ومصر كقوى إقليمية أساسية لعقد اتفاقية أمنية تكون الولايات المتحدة مجرد راعي أو شريك فيها وأن تكون هذه الدول موافقة بحرية على نصوص تلك الاتفاقية.
3. عدم إمكانية نجاح هذه المبادرة بدون تغيير الولايات المتحدة لسياساتها تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال قيامها "باتخاذ أشجع وأجرأ الإجراءات لتحقيق التزام أمريكي غير مشروط لمفاوضات مباشرة لاتفاقية سلام تضمن قيام دولتين على الأسس المحددة سلفا والموجودة منذ أمد بعيد بين الدولتين الإسرائيلية والفلسطينية"، كما يقول لاروش. أهمية هذه النقطة هي أن أي شخص في المنطقة لن يصدق كلمة واحدة مما تطرحه الولايات المتحدة ما لم تقم بالضغط على إسرائيل لوقف احتلالها للأراضي الفلسطينية، وأن هذه القضية هي سبب فقدان الولايات المتحدة لكل مصداقيتها في نظر شعوب المنطقة والعالم الإسلامي.

ويشدد لاروش على نقطة يعتبرها مهمة جدا وهي ارتباط هذه السياسة الأمريكية الجديدة باسمه تحت عنوان "مذهب لاروش" لأنه السياسي الأمريكي البارز الوحيد الذي يحضا بثقة ومصداقية كافية في العالمين العربي والإسلامي.

النقطة الأخرى التي يعتبرها لاروش مركزية لأية اتفاقية أمنية أو سلمية هي جانب التعاون الاقتصادي والتنمية الاقتصادية بين دول وشعوب المنطقة. ويقول: "إن أهم مسألتين اقتصاديتين في المنطقة هما المياه والطاقة. ففي المنطقة التي تقع فيها إسرائيل وفلسطين المحتلة، على سبيل المثال، ليس هناك ما يكفي من المياه من المصادر المتوفرة الآن لتمكين عدد السكان المتزايد هناك من العيش بسلام. إن الوسائل الاصطناعية مثل تحلية المياه على نطاق واسع الضرورية لزيادة كمية المياه الصالحة للاستخدام للمنطقة وما يرافقها من توليد للطاقة الكهربائية، بإمكانها ضمان الظروف الملائمة لسلام دائم في المنطقة عموما… على الولايات المتحدة الاعتراف بأهمية استقرار منطقة جنوب غرب آسيا كجانب أساسي لاحتمال الانتعاش الاقتصادي عن طريق التنمية في كافة أرجاء القارة الأوراسيوية والمناطق القريبة منها ككل. أن من أهم مصالح الولايات المتحدة هو تنمية هذه المنطقة وتطورها بأشكال ترفع الظروف المعيشية وعلاقات التعاون بين شعوب تلك القارة، مؤدية بذلك إلى خلق نظام للتعاون من أجل التقدم تقوم فيه الولايات المتحدة بالإعراب عن رغبتها في المشاركة فيه كطرف مفيد ونشيط." وتشمل فكرة لاروش الامكانيات الهائلة التي تتمتع بها دول المنطقة والعراق من موارد طاقة وموارد معدنية وقدرات بشرية لتتحول إلى منطقة إنتاج صناعي زراعي مزدهرة، وأيضا كونها جسرا طبيعيا وتقاطع طرق للتجارة والنقل بين القارات الثلاث آسيا وأوربا وأفريقيا، مما سيزيد من احتمالات بناء وتطوير شبكات البنية التحتية للنقل والمياه والطاقة في المنطقة بشكل اسهل وأقل تكلفة.
ويعتبر لاروش أن الأولوية لإدارة بوش والمؤسسات العسكرية والاقتصادية الأمريكية هي إعادة بناء الاقتصاد الأمريكي في الداخل والذي يصفه بالمنهار والمفلس. "لا يمكن فصل قضايا السلام والأمن اليوم عن قضية إعادة بناء الاقتصاد الأمريكي وإعادة الولايات المتحدة إلى دورها السابق باعتبارها الأمة المنتجة الأولى في العالم، وهو دور ينعكس في مستويات جديدة من التقدم العلمي والتكنولوجيا. هذا يتطلب إعادة بناء جمهوريتنا بحيث يتم تمكين المؤسسات الملتزمة بتراثنا العسكري للدفاع الاستراتيجي لتتبوأ موقعها الدستوري التقليدي" على حد قول لاروش. ويشير لاروش إلى حقيقة أن "إعادة إعمار الاقتصاد الأمريكي المفلس حاليا لن يمكن إنجازها بدون استثمارات هائلة طويلة الأمد لاعتمادات حكومية في برامج قومية وعلى مستوى الولايات لإعادة بناء وتطوير البنية التحتية الاقتصادية الأساسية تساوي ما مقداره 6 ترليون دولار يتم استثمارها خلال الأعوام الأربعة القادمة".

لكن العديد من المحللين يشكك في إمكان تحول سياسة الإدارة الأمريكية بهذا الشكل الراديكالي، خاصة مع عدم وجود معارضة سياسية حقيقية إذ يحاول جون كيري المرشح الديمقراطي الأبرز لمنافسة بوش في الانتخابات المقبلة بتقليد سياسات وتصريحات بوش تجاه العراق وفلسطين حتى لا يخسر أصوات اللوبي اليهودي والمؤسسة العسكرية الصناعية. لكن التطورات على أرض الواقع في العراق من الناحية العسكرية والانسانية واحتمال حدوث هزات كبيرة في الاقتصاد الأمريكي في الشهور التي تسبق الانتخابات الرئاسية في نوفمبر، قد تؤدي إلى خلق ظروف مختلفة وحالة تذمر في الشارع الأمريكي تتحول فيه مثل هذه الأفكار من مجرد آراء غير واقعية إلى حلول مطلوبة.

يوجد نص مقترح لاروش على موقعه العربي على الانترنيت: www.nysol.se/arabic

حسين العسكري، محلل استراتيجي