طرد الزعماء الفلسطينيين من سوريا جسر من العسير اجتيازه

بقلم: هشام القروي

سوريا على القائمة الأمريكية للدول التي ترعى الإرهاب منذ عام 1979، متهمة بشكل خاص بإيواء جماعات فلسطينية مثل حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين . وفي أعقاب 11 أيلول/سبتمبر امتدح المسؤولون الأمريكيون المساعدة التي قدمتها سوريا لإنقاذ أرواح أمريكية. وتدريجياً، وكجزء من حملتها العالمية ضد الإرهاب وجهودها على المسار الإسرائيلي – الفلسطيني، وضعت إدارة الرئيس بوش تركيزاً جديداً على موضوع المنظمات الفلسطينية. وشكا المسؤولون بأن المعلومات السورية عن القاعدة أخذة بالنضوب، وأن دمشق أصبحت أقل تعاوناً. وأجاب السوريون بأنهم قدموا جميع المعلومات الاستخباراتية التي كانت في حوزتهم عن القاعدة، وأنه بسبب ذلك فقدت سوريا أية قيمة لها لدى الولايات المتحدة. وفي الوقت ذاته، تفيد معلومات أخرى بأنه بدافع من الأوساط المتشددة، فقد قطعت إدارة بوش علاقاتها مع سوريا، على الرغم من تواصل وصول سيل من المعلومات السورية حول الموضوع. وفي الحقيقة، فقد انتقدت سياسة الولايات المتحدة من قبل بعض أوساط المخابرات الأمريكية الذين شعروا بأن فرصة حقيقة قد ضاعت لجمع المعلومات.
في حزيران/يونيو عام 2002، وجه الرئيس بوش إنذاراً إلى سوريا بأن "عليها أن تختار الجانب الصحيح في الحرب ضد الإرهاب، وذلك بإغلاق معسكرات الإرهاب وطرد المنظمات الإرهابية". وقد تضاعفت الجهود بعد حرب العراق والانطلاقة الرسمية لخارطة الطريق الخاصة بحل النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني والذي خشيت الإدارة الأمريكية النيل منها عن طريق العنف. كان المطلب الأمريكي مباشراً: أغلقوا المكاتب واطردوا جميع القادة. أوضح المسؤولون السوريون بأن إبقاء المسؤولين الفلسطينيين في دمشق يعني مزيداً من إمكانية مراقبتهم، بيد أن الأمريكيين أجابوا بأن الدلائل تشير الى أن سوريا لم تستطع، أو لا تريد السيطرة عليهم. وإن وجودهم في مكان غير سوريا أو (لبنان) هو المفتاح.
وفي إشارة إلى أن الضغط يمكن أن يفعل مفعوله، أغلقت سوريا مكاتب الإعلام في دمشق التابعة للجماعات الفلسطينية، وقد قطعت خطوط الهاتف التي كانت تستخدمها هذه الجماعات للاتصال بوسائل الإعلام، كما أن بعض أعضاء المكتب السياسي لحماس غادروا البلاد. وقد طلب من الذين بقوا في البلاد التحفظ . وقيل إنه كان لسوريا يد في إقناع حماس والجهاد الإسلامي بالتوقيع على وقف إطلاق النار لمدة ثلاثة أشهر، وهو الاتفاق الذي تم التفاوض بشأنه في مصر في شهر تموز/يوليو لعام 2003. بيد أن هذا الجهد كان فاتراً. لذلك فإن ممثلي المنظمات الفلسطينية بما في ذلك عضو المكتب السياسي لحماس عماد خليل العلمي، والناطق بلسان حماس خالد مشعل، بقيا في سوريا، ووفق ما أفاد مسؤولون أمريكيون فإنهم "أحرار في استخدام الكمبيوتر والهواتف لتنسيق أعمالهم في الأراضي الفلسطينية". بعضهم انتقل ببساطة إلى لبنان حيث عقدوا المؤتمرات الصحفية واصدروا البيانات في بيروت وزحلة، وهما على مسافة قريبة بالسيارة من دمشق. وقد زعم بأن الضغط السوري هو الذي منع محاولة البنك المركزي اللبناني من التدقيق في حسابات حماس في البنوك اللبنانية. كما أن المسؤولين السوريين رفضوا بصراحة المطالب الأمريكية في بيانات صدرت عنهم وبعد أن كان الرئيس بشار قد أكد لوزير الخارجية الأمريكية كولن باول في أيار/مايو عام 2003، بأن سوريا سوف تتخذ إجراءات بحق الجماعات الفلسطينية، أوضح الرئيس بشار في تصريح صدر عنه ما يلي: "لقد أبلغنا الأمريكيين بأن إغلاق المكاتب لن يحل المشكلة. ويستطيع أي فلسطيني ابتياع أو استئجار شقة وأن يرتب لقاءات فيها أو التحدث في الهاتف. إنه لا معنى لإغلاق المكاتب لأنهم يستطيعون إدارة نشاطاتهم من أي مكان. هنالك مئات الآلاف من الفلسطينيين في سوريا ولبنان وغيرهما، وباستطاعتهم أن يشلوا كل شيء".
وما أن حلت نهاية شهر تشرين الثاني/نوفمبر عام 2003، حتى أصبح المسؤولون الأميركيون يقولون بأن سوريا لم تفعل شيئاً بالنسبة لتلك الجماعات. "الشيء الوحيد الذي يقولونه لهم هو أن يكونوا حذرين لأن الولايات المتحدة تراقبهم. ولكن لا توجد أي محاولة للحد من نشاطاتهم". زعم الأمريكيون بأن الناشطين الفلسطينيين يواصلون التخطيط لارتكاب "أعمال رهيبة" انطلاقا من دمشق، كما يزعمون بأن سوريا لم تكن متعاونة إبان المحاولات الفاشلة التي جرت في كانون الأول عام 2003 في القاهرة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار. وبعد الهجوم الانتحاري الرهيب الذي وقع في مدينة القدس في 29 كانون الثاني 2004، أشار وزير الخارجية باول ضمناً بأن سوريا قد أرسلت سلاماً إلى مرتكبي الحادث التفجيري. وقال باول: "لا يمكن أن تكون سوريا جادة في رغبتها إقامة علاقات أفضل مع إسرائيل أو الولايات المتحدة أو أية جهة أخرى، ما دامت تستخدم كنقطة انطلاق لإعادة تصدير أسلحة تذهب إلى الإرهابيين، كتلك التي قتلت أناساً أبرياء في القدس صباح اليوم". وكانت الولايات المتحدة وإسرائيل قد ادعت بأن سوريا قد سهلت نقل مواد إلى حماس عن طريق استخدام طائرة شحن عائدة من إيران بعد أن نقلت كميات من مواد الإغاثة لضحايا الزلزال.
حتى المسؤولين السوريين البرجماتيين يقولون بأن طرد الزعماء الفلسطينيين هو جسر من العسير اجتيازه، بدون وجود إثباتً بتورطهم في هجمات مسلحة. ذلك أن مثل هذا العمل في نظرهم هو بمثابة استسلام مهين، كما انه يحرم سوريا من ورقة تفاوضية مهمة. ثم إن المسؤولين السوريين يشككون في موضوع زعماء حماس والجهاد الإسلامي في دمشق، ويشيرون إلى أن طلب طردهم جاء في وقت كانت فيه القاهرة بمباركة أمريكية تستضيفهم في جهود لتحقيق وقف لإطلاق النار.
ولكن من الواضح انه بالنسبة للإدارة الأمريكية، فإن قطيعة كاملةً لا لبس فيها مع هذه الجماعات، هو شرط مسبق لإعادة التعامل مع سوريا، مع أنه وفي منظور سوريا، فإن إحراز تقدم مهم في عملية السلام هو شرط لا مندوحة عنه لاتخاذ موقف حازم في هذا الشأن. إن التوقيت المتزامن سوف ينطوي على الدقة، حيث يتوجب على سوريا اتخاذ إجراء ما للتدليل على حسن نواياها. ويعتقد أن ذلك يمكن أن يتم ضمن الاطار التالي:
*عندما يتم فتح خط اتصال مباشر على مستوى عال، بين البيت الأبيض والرئيس بشار، فإنه يتوجب على سوريا ولبنان إغلاق أية معسكرات تدريب تستخدمها الجماعات الفلسطينية في بلديهما.
*على سوريا الضغط على حماس والجهاد الإسلامي وغيرهما من الجماعات الراديكالية الفلسطينية للموافقة على وقف تام لإطلاق النار.
*التعاون حول" القاعدة" يجب أن يستمر وأن يتعزز.
(نشرت بالاتفاق مع جريدة "العرب".) هشام القروي