على هامش توسيع الاتحاد الأوروبي: متى يحتفل العرب بوحدتهم أو باتحادهم؟!

بقلم: ماجد كيالي

بينما تحتفل الشعوب الأوروبية، هذه الأيام، بتوسيع اتحادها ينكفئ العرب في أقطارهم، فهم ضد العولمة بدعوى أنها تبدد هويتهم وثرواتهم، وضد الوحدة بدعوى أنها تنتقص من سيادتهم، وضد الإصلاح بدعوى أنه يهدد استقرارهم ويناقض تقاليدهم وموروثاتهم، التي استقرّوا عليها ردحاً طويلا من الزمن.
اللافت أن الشعوب الأوروبية وهي تحتفي باتحادها في هذه اللحظة التاريخية لا تلق بالاً لهذه الادعاءات، فهي على مقربة من العالم العربي ولكنها بعيدة جدا عنه كثيرا، من ناحية الفجوة الحضارية.
وعند الأوروبيين فإن العولمة لا تلغ الهويات، بل لعلها تفسح المجال حتى أمام الهويات الهامشية. والوحدة لا تلغي السيادة، لأنها تفسح المجال للمشاركة في تقرير السياسات على المستوى الأوسع والأعم، ولأنها لا تتضمن المخاسر، فقط، وإنما المكاسب، أيضا. أما عمليات الإصلاح والتطوير والتحديث فهي باتت عمليات ضرورية لأنها تتضمن سؤال استمرار البقاء ومعنى الحيوية والاستجابة لتحدي المستقبل، بدلا من الجمود في إسار الماضي.
وهكذا بات الاتحاد الأوروبي يتألف من 25 دولة ومواطنين يناهز عددهم 455 مليون نسمة، بعد انضمام 10 دول جديدة إليه، منجزا بذلك أكبر عملية توحيد (سياسي واقتصادي) في التاريخ الحديث، ومتحولا إلى ثاني أكثر قوة اقتصادية في العالم بعد الولايات المتحدة.
ولعل مسيرة الوحدة الأوروبية بالذات تأتي في إطار مواكبة مسارات العولمة وفي إطار محاولة الرد على تحدياتها السياسية والاقتصادية والثقافية، ومن ضمن ذلك تحدي "الأمركة"، الذي يفرض نفسه على العالم في الجوانب: السياسية والأمنية والاقتصادية والتكنولوجية والثقافية.
ولا شكّ بأنه بالنسبة لنا ثمة مفارقات ودروس يمكن استنباطها من معنى الاتحاد الأوروبي، لعل أهمها يتمثّل في النواحي التالية:
أولا، أن الاتحاد يتم بين دولٍ وشعوب كانت متحاربة ومتخاصمة وخاضت فيما بينها حربين عالميتين ضروسين، في النصف الأول من القرن الماضي، وظلت طوال النصف الثاني منه مقسّمة إلى عالمين أو معسكرين متصارعين. ويستفاد من ذلك أن هذه الدول والمجتمعات تجاوزت الماضي لصالح بناء مستقبل مشترك؛
ثانيا، أن شعوب هذا الاتحاد تنتمي لقوميات ولغات وثقافات مختلفة (سيرتفع عدد اللغات الرسمية في الاتحاد من من 11 لغة إلى 20 لغة)، في تأكيد لحقيقة مفادها أن الثقافات والقوميات هي ظاهرة تاريخية، تخضع لقوانين التلاقح والتفاعل والتطور، وهي تزداد غنى بها؛
ثالثا، أن التفاوت في مستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في ما بين هذه الدول والمجتمعات، لم يحل دون إتمام عملية الاتحاد؛ ما يعني أن الدول الغنية تنازلت عن جزء من ثرواتها لصالح الدول الفقيرة. فمثلا يقدر دخل الفرد في البلدان التي انضمت للاتحاد بحوالي 10 آلاف يورو سنويا (10 دول بعدد 75 مليون نسمة)، في حين أن دخل الفرد في البلدان (15 بلدا) التي كانت تشكل الاتحاد يبلغ 23 ألف يورو، أي بنسبة قدرها 43 في المئة.
رابعا، أن الدول الضعيفة والفقيرة، في المقابل، تنازلت عن جزء من قراراتها السيادية، لصالح الاستفادة من الميزات التي يتيحها الاتحاد، وبالطبع فإن ذلك لم يكن ممكنا لولا التشجيع الذي لاقته هذه الدول، حيث رصدت لها الدول الغنية حوالي 40 مليار يورو في السنوات الثلاثة الماضية لتنمية اقتصادياتها.
خامسا، أن الاتحاد لم يتحقق بفضل الحكومات فقط، فهو قبل ذلك اتحادا بين مجتمعات، بمعنى أن المجتمعات التي تتمتع بالديمقراطية والمشاركة السياسية هي التي قررت الاتحاد، وهي التي تمنحه قوته وحيويته واستمراريته؛
سادسا، أن هذا الاتحاد لم يقم بالشعارات الديماغوجية، ولا بوسائل التخويف والابتزاز، ولا بالقوة العسكرية، وإنما قام بالتدريج عبر مسيرة عقود من الزمن، وعبر خلق شبكة من المصالح والتعاون والتكامل، على أساس مبدأ الاعتماد المتبادل، وعبر خلق حوافز وتشجيعات شملت الحكومات والمجتمعات، في آن واحد.
سابعا، ثمة مؤسسات تمثيلية للاتحاد على المستوى القاري، كالمفوضية الأوروبية والمجلس الوزاري والبرلمان الأوروبي، وهي تتمتع بصلاحيات إصدار ومتابعة تطبيق القوانين والسياسات الداخلية والخارجية. واللافت أن العضوية في المفوضية تتكون من عضوين للأعضاء الكبار (بريطانيا وألمانيا وفرنسا وأسبانيا وايطاليا) وعضو واحد للأعضاء الصغار، واللافت أيضا أن عضو المفوضية لا يمثل حكومة بلاده وإنما يمثل مصالح المواطنين الأوروبيين جميعا.
ثامنا، إن حرية التنقل مكفولة في الاتحاد لمواطني الدول، بغض النظر عما إذا كان التنقل للعمل أو العيش أو للسياحة أو للتعلم، بل إن حرية التنقل تشمل مواطن أي بلد، من خارج الاتحاد، يحصل على تأشيرة دخول إلى أية دولة من الدول الأعضاء في الاتحاد.
يستنتج من ذلك أن الأوصياء على مسار النظام العربي والحريصون على السيادة القطرية، التي تعني الحفاظ على النظام العربي الراكد، معنيون بدراسة مسيرة الاتحاد الأوروبي، الذي يطمح الوصول إلى الوحدة الاندماجية مستقبلا؛ لعلهم يستطيعون الإجابة على السؤال التاريخي: لماذا تقدّم الغرب ولماذا تأخّرنا؟ أو بمعنى أخر: لماذا يتجه الغرب نحو المزيد من الوحدة وفي حين أننا نحن نتجه نحو المزيد من القطرية، والأخطر من ذلك إلى مزيد من التفتت إلى وحدات إثنية وطائفية وقبلية؟
المفارقة الفاقعة هنا أن العرب يتميزون عن الأوروبيين بانتمائهم إلى قومية واحدة، وأنهم يتكلمون لغة واحدة ولديهم تاريخ مشترك ووحدة في الآلام والآمال، ومع ذلك فهم يفتقدون للحد الأدنى من الاتحاد والتكامل والمصالح المتبادلة! ومشكلة العرب أنهم استمرؤا العيش على الأطلال والتغني بالأمجاد وتدبيج الشعارات والخطابات أكثر مما اشتغلوا على حاضرهم ومستقبلهم وتدبر أحوالهم.
وطوال العقود الماضية، مثلا، انشغل العرب بالحديث عن ضرورة الوحدة العربية في حين أنهم لم يعملوا في سبيلها شيئا يذكر، فمستوى التبادل التجاري بين الدول العربي لا يزيد عن 8 بالمئة من تجارتهم مع العالم، أما حجم الاستثمارات البينية فلا تتجاوز بضعة مليارات من الدولارات، وهي حجم قليل جدا بالقياس لمستوى الاستثمارات العربية في البلدان أو في البنوك الأجنبية، والتي تقدر بمئات المليارات. وبالنسبة لمسارات التكامل العربي فهي مازالت في أدنى صورها إن بالنسبة لقطاعات الصناعة أو الزراعة كما بالنسبة لشبكات الكهرباء والاتصالات والطرق البرية والسكك الحديدية والخطوط الجوية والبحرية. والوضع ليس أحسن حالا بالنسبة لقطاعات التعليم والبحث العلمي والتكنولوجي، وحتى انه في مجال السياحة مازال ثمة عوائق كبيرة أمام استصدار "فيزا" موحدة، التي يمكن أن تعزز من صناعة السياحة في العالم العربي.
أما مؤسسات العمل العربي المشترك فهي مجرد واجهات "فولكلورية" أو شكلية، لا تقدم ولا تؤخر، بدعوى صون السيادة القطرية، في حين أن معظم الدول العربية تتناسى جزءا كبيرا من سيادتها وثرواتها، عندما يتعلق الأمر بالتجاوب مع المؤسسات الدولية (مجلس الأمن وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، كما عندما يتعلق باملاءات الدول الكبرى، في مجالات السياسة والأمن والاقتصاد!
وفي الحقيقة فإن ما ينقص العرب في التوجه نحو التوحد أو الاتحاد هو الإدارة الحكيمة وقوة الإرادة، كما ينقصهم بالطبع نوع من الثورة الثقافية، التي تربط شعاراتهم بمصالحهم، وتجعلهم يتطلعون للمستقبل بدلا من استمراء التغني بالماضي التليد، وبالتالي تضع عندهم حدا للانفصام في شخصيتهم بين ما يظهرون وما يضمرون أو بين ما يقولون وما يفعلون.
فهل يأتي اليوم الذي يحاول فيه العرب، حكاما ومحكومين، تدارك التدهور في أحوالهم، ونفض التكلس عن أوضاعهم ومواكبة التطورات والتحولات الدولية، والاستجابة بالتالي للتحديات الداخلية والخارجية التي تفرض استحقاقاتها عليهم؟! هذا هو السؤال الملح الذي يطرحه مسار الاتحاد الأوروبي اليوم على العرب. ماجد كيالي