الاسكندرية ترتدي أثواب التعددية الثقافية

كتب: أحمد فضل شبلول
أعضاء المؤتمر أمام المدخل الرئيسي لأتيليه الإسكندرية

أنهى مؤتمر "الأدب العربي بين العالمية والعولمة" الذي عقده اتيليه الإسكندرية (جماعة الفنانين والكتاب) خلال يومي 22 ـ 23 أبريل/نيسان، في إطار احتفالاته بمرور سبعين عاما على إنشائه على يد الفنان التشكيلي محمد ناجي عام 1934، أعماله بمجموعة من التوصيات كان من أهمها:
إدانة الفظائع التي ارتكبها، ويرتكبها، الجيش الأمريكي في العراق، والكيان الصهيوني في فلسطين، ومطالبة الحكام العرب باتخاذ موقف واضح إزاء ما يجري، ودعوة كل ا لمثقفين العرب إلى مقاطعة كافة الجهات التي تساند هذا العدوان. والتعامل بحرص شديد مع ما يطرحه الغرب علينا من أجندته الفكرية والعلمية، وأن نعمل على تحديد أجندتنا بأولوياتها المتوافقة مع واقعنا واحتياجاتنا. والاهتمام بتدوين التراث الشعبي صونًا للذاكرة والهوية الوطنية. ومطالبة الأنظمة العربية بتقديم أقصى الدعم للمثقفين حتى يتمكنوا من التصدي لمحاولات الهيمنة الفكرية، إذ أنهم يمثلون خط الدفاع الأخير عن الوطن. والتوصية بأن تراجِع مراكز البحث العلمي في العالم العربي برامج المشروعات البحثية المشتركة ذات التمويل الخارجي، فقد تكون أداة من أدوات ترسيخ توجهات العولمة في مجتمعات العالم الثالث، إذ تبيح لمن يقدم التمويل معلومات حيوية عن أحوال هذه المجتمعات ومواردها الطبيعية، تسهل استباحتها. ودعوة المثقفين العرب إلى الارتفاع إلى مستوى مجريات الأحداث وتفعيل دورهم في الحياة العامة من خلال مؤسسات المجتمع المدني، في عالم يعتمد على النشاط غير الرسمي بعد أن تراجع دور الأنظمة الرسمية. فضلا عن توصية خاصة بتثمين اتفاقية التوأمة التي حدثت بين اتيليه الإسكندرية وجمعية بيروت التراث، وتحية القائمين على هاتين المؤسستين، مع أمل بأن يتأسى بهذه التجربة كل المؤسسات الثقافية العربية الرسمية والأهلية.
***
وكانت أعمال مؤتمر "الأدب العربي بين العالمية والعولمة" ـ الذي رأسه أ.د. محمد رفيق خليل، قد افتتح أعماله صباح يوم الخميس 22/4/2004 بالوقوف دقيقة حدادا على أرواح الشهداء في فلسطين والعراق، وبخاصة الشيخ أحمد ياسين، والدكتور عبد العزيز الرنتيسي.
ثم توالت وقائع حفل الافتتاح الذي قدمته الشاعرة فاطمة محمود زكي، بكلمات للفنان التشكيلي عصمت داوستاشي ـ أمين عام الاتيليه، ود. فوزي عيسي ـ مقرر المؤتمر، والسيدة بسيمة الخطيب ـ رئيس جمعية بيروت التراث، وأ. د. يحيى حليم زكي ـ ممثلا لمكتبة الإسكندرية، وأ. د. فتحي أبو عيانة ـ رئيس جامعة الإسكندرية الأسبق، ورئيس جامعة بيروت العربية.
ثم عُقدت الجلسة الأولى التي رأسها أ.د. فوزي عيسى، وكانت عن قضية مصطلح العالمية والعولمة. وأوضح د. عيسى أن من أسباب مشاكلنا الحياتية مشكلة المصطلح، فنحن لا نتفق على مصطلح واحد في الأغلب الأعم، وأن المصطلح الواحد نفسه يتردد بأكثر من شكل، وبأكثر من صورة. وبخصوص العولمة فهناك تعريفات كثيرة، وكتابات كثيرة، وما نريده أن يستقر هذا المصطلح في الأذهان، لنعرف كيفية التعامل معه.
ثم تحدث أ. د. محمد رفيق خليل، فأوضح أن هناك اختلافات كثيرة حتى في مصطلح العولمة نفسه، فالعولمة قد تعني الهيمنة والسيطرة، سيطرة نمط واحد على الكون. وهي مرادف لفرض النمط الأمريكي الذي يتسم بالبراجماتية، وقيم السوق (عالم ماك): أمريكا مقابل العالم.
أما العالمية فتعني التوحد واشتراك الجميع في حضارة واحدة.
ثم تساءل د. رفيق: هل يتجه أدبنا العربي نحو العولمة، وإذا كان كذلك، فأي نوع من العولمة يتجه إليها؟
ثم تحدث أ. د. محمد علي الكردي قائلا: إن كل المصطلحات الحديثة مستوردة، ولا عيب في ذلك. وأن أوَّل من تحدث عن فكرة العالمية بالعربية، كان د. محمد غنيمي هلال، فقال "عالمية الأدب معناها خروجه من اللغة التي كُتب بها إلى لغة أو لغات أخرى".
وعن العولمة الثقافية فقد ألمح د. الكردي إلى أن المنظور العالمي للفن لم يبدأ إلا مع وزير الثقافة الفرنسي ـ اندريه مالرو، حينما أصدر كتابا بعنوان "المتحف الخيالي". وفي القديم كانت كل حضارة تكتفي بذاتها، وترى أن الآخرين قد يكونون خصوما. وأشار الباحث إلى أن الأدب المقارن يقترب من نشأة العالمية للأدب. وأن الشاعر الفرنسي بول فاليري كان يبحث عن رصيد من الأدب الذي يرقى إلى العالمية، وأن العالمية في قلب الرومانسية يُقصد بها الإنسان لذاته، وهي رؤية للوجود. وأن العالمية عبر الإنسانية تأتي عكس التقليدية. وأوضح د. الكردي أن قضية العالمية في الأدب العربي الحديث لم تُطرح إلا قريبا، لأن الآداب العربية كانت محصورة في مواطنها، وكان لابد أن تعبر الحدود عن طريق الترجمة. حتى نجيب محفوظ لم يكن يحصل على نوبل لو لم تترجم أعماله.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: ماذا نترجم؟ أي ما هي الصورة التي نقدمها للغرب من آدابنا؟ وللأسف هناك متطلبات للسوق الأوربية، وهناك من المترجمين من يخضع لهذا السوق، مثل الشذوذ والجنس وخلافه. إذن شروط التلقي ـ كما يرى د. الكردي ـ تفرض علينا أشياء قد لا نرغب فيها.
كما تحدث الكردي عن الثقافة الجديدة، وأنها ثقافة معلوماتية، فالفكرة تتبلور في معلومة، والثقافة المعلوماتية تقوم على السرعة واختصار الوقت.
أ. د. مجدي يوسف تحدث عن منهجية دراسة العلاقة بين الأدب العربي المعاصر والأدب العالمي، بوصف هذا الأخير تفاعلا خلاقا بين مختلف الآداب القومية، وليس تكريسا لنمط معين من رؤى الحياة تحرص الجوائز الكبرى في الغرب والشرق على السواء، ولا سيما في الغرب الحديث، على عولمته بدلا من إتاحة الفرصة للتفاعل الحر بين مختلف رؤى العالم في ثقافاتها التي صارت مهمشة ومنتهكة الحقوق في عالم اليوم، ولا سيما فيما صار يدعى "العالم الثالث" الذي يمكن أن تنضم إليه بعض الثقافات المطحونة فيما يسمى "العالم الأول" ذاته، كتلك الخاصة باللغة الأيرلندية، أو بالأوكسبتانية (في فرنسا) على سبيل المثال لا الحصر.
وقد وضع د. يوسف، بين أيدي الحاضرين إحصائية تقول: إن من بين لغات العالم التي تبلغ الستة آلاف وثمانمائة، تموت يوميا عشرات اللغات، بينما يتهدَّدُ أكثرها الاختفاء من الوجود قبل نهاية القرن الحالي، واللغة العربية من بينها، وذلك بسبب هيمنة الآليات المدمرة للسوق العالمية. لذا نلاحظ أن هناك ميلا ـ لدى بعض الجهات ـ إلى توحيد اللغات في لغة واحدة.
ثم توالت بعد ذلك التعليقات والمداخلات، فقال الشاعر أحمد سويلم: إننا ننظر دائما إلى ثقافتنا نظرة دونية، وطالما أننا ننظر هذه النظرة، فإن المشروع الثقافي لن يتحقق أبدا، وأرى أن ننفتح على العالم بأسلوب الانتقاء، كما أرى أن العولمة الثقافية الخالصة لا يمكن أن تتحقق أبدا.
أما السفير علي أبو سن (السودان)، فقد أوضح أن للعالمية وجها آخر، فالإنتاج الأدبي للمحدثين العرب كله إنتاج عالمي، ولكننا لا نعترف للأسف بذلك، ولسنا في حاجة إلى مقياس الترجمة، لكي نقيس أدبنا عليه ليكون عالميا. إن مجرد التفاعل مع الأدب العالمي يعطي أدبنا الصبغة العالمية. وفي المقابل ليس كل ما يُترجم يكون ذا صبغة عالمية.
ويذهب د. نبيل الخطيب (لبنان) ـ في تعليقه ـ إلى أن الترجمة ضرورية للإعلان عن المحلي، وليس شرطا أن تكون نجاحا للمحلي. بينما يرى د. فؤاد الشرقاوي أن الإسكندر الأكبر كان يرتبط بالعالمية وليس العولمة. وتساءل الشاعر د. محمد أبو دومة: كيف نمحو الذاكرة ونظل موجودين؟ كما شارك في التعليقات أيضا كل من: د. حسن البحر درويش، والشاعر مهدي بندق، ومحمد قرَّه، وفؤاد الحلو، ود. إلهام كلاب البساط (لبنان).
***
الجلسة الثانية كانت عن التأثير المتبادل بين الأدب العربي والأدب العالمي، ورأسها الشاعر أحمد سويلم، وتحدث فيها د. يان هننجسون (السويد ـ مدير المركز السويدي بالإسكندرية) فتحدث عن المشروع الثقافي المشترك بين مصر والسويد، وعن اختيار الإسكندرية لتكون مقرا للمؤسسة المتوسطية لحوار الحضارات، والتي تهدف إلى تشجيع وتطوير الحوار بين الاتحاد الأوربي والعالم العربي، وقد كان هناك إجماع على اختيار مدينة الإسكندرية من بين عدة عواصم ومدن أوربية وعربية في الاجتماع الذي عُقد مؤخرا في السويد، وسيصدر بذلك القرار النهائي أثناء الاجتماع القادم في دبلن.
ثم أوضح د. هننجسون أن للعولمة أكثر من وجه. وأنهم في السويد يخافون من العولمة كظاهرة ستقضي على البيئة الطبيعية، نتيجة لسوق العولمة، وبذا يتضح أن لكل بلد تلقيا مختلفا للعولمة. فالخوف من العولمة إذن في السويد جاء من الحرص على البيئة الطبيعية.
أشار هننجسون أيضا إلى أن الكاتب المصري فرج فوده تحدث قبل وفاته، عن عجز العرب عن مواجهة العولمة، وإلى أننا يجب أن نتعلم لغة العالم الجديد، وإلا لن يكون لنا مستقبل في هذا العالم.
تحدث هننجسون أيضا عن أفكاره حول مشروع الترجمة عن العربية إلى اللغات الأوربية، وأن أول ترجمات مهمة من النص العربي إلى السويدية كانت عن نجيب محفوظ خاصة بعد فوزه بنوبل. أشار أيضا إلى التأثير الذي أحدثه نجيب محفوظ على القراء في الغرب.
الباحثة بهاء بن نوَّار (الجزائر) تحدثت عن الكتابة وهاجس التجاوز، وأشارت إلى أن الكتابة الأدبية تقوم على كثير من المفاهيم التجاوزية الخارقة، التي بها يكتمل جوهرها، وتتبرعم كينونتها، وتستطيل منتزعة لنفسها فضاء خاصا بها، به من الخصائص والمميزات ما يمنحها حضورا متجددا وخصبا، تتفرع تجلياته إلى كثير من الاتجاهات التي تتكامل فيما بينها، وتتحاور، فينتج عن حوارها وتفاعلها العميق ميلاد النموذج الكتابي الصميم، الذي يتراوح بين الإحالة إلى الواقع من جهة، وتجاوزه واختراقه من جهة ثانية، متوزعا على كثير من السمات والخصائص، من بينها: الفيض بحد أعلى من حس المفارقة والسخرية اللذين يأتيان تجسيدا لقبح الواقع ونمطيته، ثائرين عليه بالضحك الذي يأتي حلا يقضي على نشاز المنجز الآني وعتمته.
د. أمينة رشيد تحدثت عن المرأة وكتابة الذات بين العالمية والمحلية، وتساءلت عن المشترك بين كتابة المرأة، وخاصة في فرنسا، وكتابة المرأة العربية في مصر؟ وفندت اتهام أو توصيف المرأة بأنها لا تستطيع أن تكتب إلا عن الخاص، وأن هناك ردا على ذلك يتمثل في أن المرأة تكتب عن العام والخاص معا.
وأضافت د. رشيد: إن ما أريد أن أظهره عبر قراءة النصوص، كيف نجد عند الكاتبات مواضيع مشتركة مثل: أهمية البيت، والطفولة، والاستقلال، مع الاختلاف في الأسلوب والرؤية حسب اختلاف المجتمعات والثقافات وتنوع الكاتبات.
م .طارق الشناوي، تحدث عن التواصل بين الأدب العربي وأدب أمريكا اللاتينية، فقال: إن الظروف السياسية والاقتصادية العالمية تدعو إلى مزيد من التعاون والتكاتف بين الدول العربية ودول أمريكا اللاتينية، وعلى كافة الأصعدة، ذلك أن الهجمة الشرسة للهيمنة الأمريكية والتغلغل الصهيوني العالمي في الاقتصاد والإعلام يدعو إلى علاقات نوعية مختلفة يجب أن نسعى إليها كعرب مع العالم بأسره ومع دول العالم الثالث وآدابها وثقافاتها المتنوعة بصفة خاصة.
ويخلص الشناوي في بحثه إلى أهمية الانفتاح على أدب أمريكا اللاتينية بصورة أكثر شمولا وتنظيما من خلال حركة ترجمة فورية من وإلى اللغتين الإسبانية والبرتغالية، بالإضافة إلى ضرورة قيام نوع من التواصل الحي والفعال بين الأدباء العرب ونظرائهم في أمريكا اللاتينية عن طريق المؤتمرات والمهرجانات الأدبية المشتركة والزيارات المتبادلة وحتى عن طريق الإنترنت.
ثم جاءت مداخلات وتعليقات كل من: د. محمد رفيق خليل، ورجب سعد السيد، ود. إلهام كلاب، وعبد الرحمن درويش، وأ. د. حلمي مرزوق، وعبد المنعم سالم، وعادل أبو الأنوار، لتضيف ثراء إلى أوراق باحثي هذه الجلسة. الأمسية الشعرية الأمسية الشعرية التي انتهت بها جلسات اليوم الأول شارك فيها ستة عشر شاعرا، وقدمها الشاعر صبري أبو علم، وأنشد فيها الشعراء: ماجد يوسف، د. فوزي عيسى، عدنان كنفاني (فلسطين ـ وشقيق الأديب الراحل غسان كنفاني) أحمد سويلم، د. محمد أبو دومة، د. يسري العزب، عزيزة كاتو، فؤاد طمان، أحمد مبارك، أحمد فضل شبلول، جابر بسيوني، محجوب موسى، عبد المنعم سالم، علي شيحة، عبد الرحمن درويش، د. محمد رفيق خليل.
***
في اليوم الثاني بدأت الجلسة الثالثة، عقب صلاة الجمعة، ورأسها د. مجدي توفيق، وفيها تحدثت أ.د. إلهام كلاب البساط (لبنان) عن أدباء عرب ولغات أجنبية، وتحديدا عن أمين معلوف وإسكندر نجار اللذين يكتبان بالفرنسية، وقد طرحت في بحثها تساؤلات عدة، من بينها: هل يحاول العربي عندما يكتب بلغة أجنبية متوجها إلى قارئ جديد له لغته الخاصة وحساسيته المختلفة أن يرسم طريق استشراق مضاد في رصد داخلي لنظرتنا نحن إلى أنفسنا؟ وكيف يبدو ذلك من خلال اختيار المواضيع والشخصيات الروائية، والمراحل التاريخية، وحروب الشرق والغرب، وتساؤلات الانتماء والهوية؟ وهل يفرض التعبير بلغة مختلفة تبدلا في منهجية الخطاب وفي نوعية الرؤية؟ وكيف يستطيع هذا الأدب الجمع بين المحلية والعالمية دون تملق نمذجة العولمة؟
د. نبيل الخطيب (لبنان) تحدث عن اللغة العربية والموشح في لغة وأدب الأسبان وأهل جنوب أوربا. فقال: إن الأندلس كانت القطر الأول الذي دخله العرب في أوربا عام 92 هـ الموافق 711م، ومنذ ذلك التاريخ وحتى سنة 897 هـ الموافق 1492 م، قامت في هذه المنطقة دولة عربية ترك وجودها أثره الكبير في التبادل الحضاري والثقافي الذي أدَّى بدوره إلى تأثر الأسبان بثقافة العرب المسلمين الذين سرعان ما أصبحت لغتهم العربية لغة أهل الأندلس بشكل عام. فالعربية الفصيحة كانت هي اللغة الرسمية. أما في شئون الحياة اليومية فكان الأندلسيون ـ مسلمون ومسيحيون ـ يتكلمون لهجة من اللاتينية الدارجة أو العجمية الرومانثية أو اللطينية، فأصبح المجتمع الأندلسي مجتمعا مزدوج اللغة يستخدم العربية واللاتينية الدارجة، وكان لازدواج اللغة هذه أثره في الثقافة الأندلسية وتجلى في ابتكار الأندلسيين لنوع جديد من الأدب الغنائي، هو مزيج من العربية والأعجمية الدارجة؛ هو الأزجال والموشحات ثم التروبادور.
أما د. يسري العزب فقد تحدث عن الأدب الشعبي في عصر العولمة، وأوضح في بداية بحثه أن الأدب الشعبي هو القول الأدبي (المنتظم في نسيج جمالي) باللغة العامية، وهو اللغة العامة التي تتداولها الجماعة الشعبية (أو المجتمع الشعبي أو الشعب أو الأمة) عبر المكان والزمان، لأنه يعبر عن وجدانها ويحمل قضاياها وأحلامها وتصوراتها للكون والعالم.
بينما تحدث أ. د. محمد زكريا عناني عن الروابط التاريخية في الأدب بين مصر وفرنسا وضرب مثلا بأندريه شديد، وألبير قصيري، وأجوب (يوسف يعقوب).
ثم كانت مداخلات وتعليقات: د. مجدي يوسف، ود. أمينة رشيد، ومحمد خضر، وإبراهيم حسين، والشاعر محمد طعيمة.
***
الجلسة الرابعة رأسها أ. د. محمد سالم، والشاعر ماجد يوسف، وتحدث فيها د. توماس لير (ألمانيا ـ مدير معهد جوته السابق بالإسكندرية) وحضرها مدير معهد جوته الحالي.
تحدث لير، باللغة الإنجليزية، عن الترجمة والنشر من العربية وإليها والنشر على الإنترنت، وآفاق التعاون بين الشباب المبدعين المصريين والألمان عبر تبادل رحلات مشتركة من وإلى ألمانيا للتعرف على المبدعين وبعضهم البعض.
أ. د. سيد البحراوي تحدث عن الأدب الشعبي بين المحلية والعالمية والعولمة، وأوضح أن الأدب الشعبي يعد حامل الخبرة الحياتية للشعوب، وأن العولمة هي إعادة تكوير الكرة الأرضية. ومن هنا تأتي ضرورة الاهتمام بالأدب الشعبي والتراث الشعبي عموما، لا من منطلق التقديس، كما يذهب البعض أو من منطلق الاستغلال السياحي، كما تفعل وسائل الإعلام، وإنما اعتمادا على الاستفادة من التطوير التكنولوجي، ومن هنا يرى البحراوي لأنه لابد من العمل على: تسجيل التراث الشعبي وأرشفته وحفظه بطرق علمية سليمة، وتطوير الأبحاث العلمية بحيث نصل إلى معرفة علمية به وبتاريخه وصلاته بالأدب الرسمي وآداب الشعوب الأخرى، ونشره وإذاعته عبر وسائل الاتصال المختلفة دون تشويه، واستلهامه في إنتاج أعمال فنية جديدة تكون قادرة على تمثيل قيم الشعب، وفي الوقت نفسه تتواصل مع شعوب العالم الأخرى.
ويختم البحراوي بحثه قائلا: لقد اتضح عبر السنوات الماضية أن الأجهزة الحكومية لم تقم بهذه المهام، إما إهمالا أو قصورا، أو قصدا، ومن هنا تأتي أهمية تكوين جماعات علمية أهلية تناط بها هذه المهام.
أما أ. د. محمد أمين فرشوخ (لبنان) فقد تحدث عن الأدب الشعبي وتفاعل الحضارات، وأوضح أن الأدب الشعبي هو نتاج اجتماعي يتضمن أمثالا عامية، وقصص العجائز، وفكاهات المتسامرين، وأغاني الأولاد، والأمهات، وما يرافق مظاهر الفرح والحزن من تعبير: عامي، شفهي، مجهول المؤلف. وأن هذا الأدب متغير، لاعتماده على العامية المتجددة وسيلة للانتقال، ولاعتماده على المشافهة يكون عرضة للزيادة والنقصان. بل هو الأكثر تعرضا للضياع، لأنه الأكثر تعرضا للمدنية الحديثة وتأثيراتها.
وقدم فرشوخ أمثلة من الأمثال الشعبية، ومن أغاني الأطفال، ومن أغاني الأعراس، وأمثلة من معالم الثقافة الشعبية المتبدلة في: الأعياد والمناسبات الاجتماعية، والمناسبات الدينية، والحكايات والأساطير، والمآكل، وغيرها.
***
الجلسة البحثية الخامسة والأخيرة، رأسها السيدة نسيمة الخطيب (لبنان)، وأ. د. السعيد الورقي، وتحدث فيها الشاعر أحمد فضل شبلول عن الأدب العربي في عصر الإنترنت من خلال ثلاثة محاور، هي: المواقع التي تنشر الأدب العربي ـ نشرا إلكترونيا ـ على الشبكة، والإنترنت كموضوع من موضوعات الأدب العربي الحديث، وتقنيات الشبكة كوسيلة للنشر الأدبي الإلكتروني. وهو يرى أنه بهذه المحاور الثلاثة يكون قد أسهم في رسم معالم الأدب العربي على شبكة الإنترنت خلال الحاضر والمستقبل القريب.
الشاعر الشاب عادل أبو الأنوار تحدث عن تجربة المنتديات الأدبية على شبكة الإنترنت، التي لفتت انتباه المثقف العربي في الآونة الأخيرة، حيث ظهرت المواقع الأدبية التي تقوم على نشر النص الأدبي، وانطلق الأدباء ـ لاسيما الشبان ـ ينشرون أعمالهم على الشبكة (هذا الكتاب الضخم) وينبع هذا من الرغبة في المواكبة وإثبات التواجد على هذه الساحة الكبيرة التي من خلالها ظهرت فكرة المنتدى الذي هو عبارة عن سلسلة ندوات تدور حول موضوع معين، كالسياسة أو الأدب أو غيرهما، وتعتمد على طرح موضوع للمناقشة ثم تتوالى الردود والتعقيبات حول هذا الموضوع، وتخصصت مواقع عدة في هذا النوع من المنتديات، واقتحم عدد من الأدباء هذا المجال حتى أن بعضهم اكتفى به، ولم يحاول الانخراط في الساحة الأدبية في بلده.
أما د. مجدي توفيق فقد تحدث عن حاضر الكتابة في مصر ومستقبلها، حيث يمكن النظر إلى الكتابة بوصفها فعلا من أفعال الثقافة والتواصل وإنتاج الخطاب الاجتماعي والجمالي. ويخلص د. توفيق ـ في نهاية بحثه ـ إلى أن الشيء الحقيقي الجديد الذي يعتقد أنه سيكون له الأثر العظيم على فعل الكتابة لدينا، هو تحدِّي الإصلاح الذي وضعه الغرب الأمريكي أمامنا، وهو يسعى إلى أن يقيم تحالفا مع الدول الصناعية الكبرى ليفرضوا التغيير علينا فرضا. والكتابة الأدبية لن تستطيع أن تتجاهل فكرة الإصلاح هذه، وقد كانت حلم الكتابة الأكبر طوال الوقت. ويتصور الباحث أنها ستجلل الكتابة في الشهور القادمة بقوة، فحلم التغيير النابض قد صار حمى لاهبة.
ثم كانت مداخلات وتعليقات: رجب سعد السيد، والشاعر فؤاد طمان، ومحمد الشافعي الذي يرى أن هناك فرصة أخيرة للمثقفين العرب، لكي يتلاحموا مع واقع الشعوب العربية.
***
وينتهي مؤتمر "الأدب العربي بين العالمية والعولمة" بتلاوة التوصيات التي ذكرناها في مقدمة هذه المتابعة، وتوزيع شهادات التقدير على المشاركين جميعهم من باحثين وشعراء وإعلاميين ومنظمين، وإعلان وثيقة التوأمة بين اتيليه الإسكندرية وجمعية بيروت التراث، وبأمسية موسيقية أحياها عازف الفلوت السكندري العالمي د. محسن عبد ربه، وعازفة البيانو الروسية العالمية نائلة ما جيراموفا. كتاب إبداعات أدباء الأتيليه وفي الختام يجب الإشارة إلى كتاب إبداعات أدباء الأتيليه الذي وزع ـ مجانا ـ على الحاضرين والمشاركين، وضم مختارات من النصوص الشعرية والقصصية لأعضاء اتيليه الإسكندرية، والذي طُبع بمساهمة الشاعرة فرات عبد الله ـ عضو اتحاد كتاب مصر، وحرَّره ونفَّذه: أحمد الجزايرلي وطارق الشناوي، وصمَّم غلافه محسن عبد الفتاح، وقال في مقدمته د. محمد رفيق خليل: "إن هذا الكتاب يقدم مختارات من إبداعات أعضاء أتيليه الإسكندرية (جماعة الفنانين والكتاب) من أجيال مختلفة ومدارس أدبية متعددة، فالأتيليه نموذج للتعددية وقبول كل أنماط الفن والأدب بشرط أن يكون الإبداع حقيقيا ومتميزا".
وقد ضم الكتاب قصائد للشعراء: أحمد فضل شبلول، وإلهامي عبد الرحمن درويش، وإيمان أحمد يوسف، وأيمن صادق، وجابر بسيوني، وحاتم الكاتب، وحسام الدين شوقي، وصبري أبو علم، وعبد الرحمن درويش، وعبد المنعم سالم، وفاطمة محمود زكي، وفرات عبد الله، ومحجوب موسى، ومحمد رفيق خليل، ومحمد طعيمة، ومحمود العتريس، ومحمود أمين، ومهدي بندق، وناجي عبد اللطيف، وهدى عبد الغني، ووفاء بغدادي. وقصصا لكل من: إيمان عبد الحميد، وحاتم علي، وحورية البدري، ورجب سعد السيد، وسعيد سالم، ومحمد الجمل، ومحمود عوض عبد العال.
***
هكذا ينتهي يومان من عمر الإسكندرية الثقافي، لبست خلالهما المدينة أثواب التعددية الثقافية المعروفة طوال تاريخها بها، مما هيئ الأجواء لعقد ندوة أخرى في مساء اليوم التالي بمركز الإسكندرية للإبداع، عن "استعادة الإسكندرية". أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية