المقاومة في فن «جويا»

بقلم: السيد نجم
الثالث من مايو

يبدو أن لكل قرن من الزمان رجاله، وهى ملاحظة غير علمية وتفتقر إلى التوثيق والبرهان، لكن يبدو أنه في الفن والحديث حوله وحول رجاله تفضل لغة أفعل التفضيل، ونرتاح لتكرارها. وهو بالضبط المدخل للتعرف على فنان أسبانيا والعالم "جويا"..(1746-1828).
عاش "جويا" حياة مليئة بالمغامرة والتحدي معا..حيث سطوة الكنيسة ومحاكم التفتيش، وحيث مغامرة الحب مع دوقة ألبا "قانيا". وكأنه عمد إلى تقسيم حياته إلى قسمين: للعمل حيث يرسم طوال النهار، وللحب والمتع الشخصية طوال الليل. كما عرف عنه حدة الطبع، وحب المبارزة، حتى مصارعة الثيران. شخصية جمعت المتناقضات، بين الرقة ورهافة الحس، إلى العنف والخشونة.
ولد في 30مارس/اذار 1746، في إحدى القرى الأسبانية، لأب يعمل في الصياغة وأشغال الذهب. وفى طفولته عاش مع الفلاحين وعمل في الحقول. وفى الرابعة عشرة من عمره عاش في المدينة، وانخرط في التعليم، وبدأ أولى خطواته مع تعلم قواعد الفن التشكيلي..لكنه أخفق في الالتحاق بالأكاديمية الملكية للفنون التشكيلية، بسبب القواعد الشديدة التي وضعتها. لكنه تابع دراسته في مراسم ومحافل أخرى.
بدأ حياته العملية رساما بمصنع السجاد الحائطي التابع للبلاط الملكي الأسباني. تفوق فيه، حيث لم يعد يرسم بخيوط السجاد على الأسس الفنية المعروفة لفن الباروك، وفن الروكوكو حيث الملائكة والأساطير القديمة.بل رسم الحياة اليومية للناس، حتى أنجز خمسين تصميما جديدا. فذاع صيته، ورسم وجه رئيس الوزراء، فأسرع أفراد مجتمع النبلاء إليه يطلبون أن يرسم وجوههم (بورتوريه).وفى عام 1780- تم اختياره عضوا بالأكاديمية الملكية للفنون.
إجمالا يمكن القول أنه وفى كل مراحل حياته، عاش جويا مع كل فئات الشعب..من الفقير المعدم، وقاع المجتمع، حتى الأثرياء والنبلاء، بل والعائلة المالكة في أسبانيا، حيث كان مصور القصر. وهو في ذروة شهرته وإنجازاته ومغامراته أيضا، أصيب بمرض غامض، شفى منه بعد عدة شهور، إلا أنه بقى أصم فاقد للسمع مدى الحياة.
وبدأت مرحلة جديدة من مراحل التعبير الفني في لوحاته، بعد أن كانت اللوحة تشع روحا وثابة والوان مبهجة مليئة بالحياة..أصبح اللون والموضوع تعبيرا أقرب إلى حقيقة مشاعر الإنسان. وهو نفسه على المستوى الإنساني اصبح منطويا و متشائما. والغريب أنه تحول إلى فن "الحفر" وأنتج أجمل اللوحات في هذا الفن.
ثار "جويا" في تلك الفترة، على كل التقاليد والقواعد الأكاديمية التي تحول بينه وبين حرية التعبير كما يعتقد.. أو تمنعه من اقتحام المجهول.وكان إنتاجه في تلك الفترة، مما يعد من الإنتاج المعاكس،أو له اتجاه على غير السائد بين فناني المجتمع الأسباني والأوروبي.وهى أيضا الفترة التي انتقد فيها كل رذائل المجتمع الأسباني، كإيمان بالسحر والعفاريت، أو ما شاع من رذائل.
ومع ترحيب جويا بمفاهيم الثورة الفرنسية، تحولت الثورة إلى نقمة عليه وعلى أسبانيا، وقد احتلتها فرنسا لثماني سنوات، نجح جويا خلالها من رسم مجموعات هامة بعنوان "ويلات الحروب" مكونة من 22 عملا عن الحرب والمقاومة.. مع تصوير مجازر الحرب اللاإنسانية. فرسم الشهيد وحول رأسه هالة بيضاء، واضعا إياه في مصاف الصفوة الإلهية والقدسيين، واستخدام الألوان المضيئة المبهرة في رسمهم. مع إبراز جبن وخزي الغازي برسمه يفعل ما يفعله ليلا، مستخدما اللون الكالح. وفى إحدى اللوحات رسم في خلفية الصورة مكتبة "الأوسكوريال" الشهيرة. كأنه بذلك يشهد الثقافة والتاريخ والفكر الإنساني على كل أعمال الغازي المعتد.

لم تدم فترة انتسام نسيم الحرية، بعد خروج جنود الاحتلال، فقد طارد "فرديناند السابع" الجميع، من حارب الفرنسيين، ومن تعاون معهم!. ومن جديد شعر جويا بالعزلة. وبدأ مرحلة فنية جديدة من فن الحفر، كان موضوعها "مصارعة الثيران".. حيث لعب الضوء و والحركة دورهما فيها بشدة.
ثم كانت أعمال مرحلة "اللوحات السوداء"، تلك التي رسمها وحيدا في منزله المنعزل اختياريا في ضواحي مدريد، وأغلبها على جدران المنزل. فلما كانت العزلة والبعد عن حياة القصر، وآثار المرض،كلها مجتمعة ، أثرت في نفسه.. فكانت رمادية اللون مع غلبة اللون الأسود عليها.. مع عنف التعبير والتشاؤم والوحدة. وقد حللها البعض بأن جويا سبق السرياليين بقرن من الزمان، من شدة طابع الأحلام الكابوسية فيها.
وفى أخريات أيامه هرب إلى باريس، من شدة وطأة الحياة السياسية المتفجرة في مدريد، ثم عاد لا يرسم سوى بورتيرهات الأصدقاء، حتى وفاته.
لتبقى مجموعة "ويلات الحرب" المكونة من 22 عملا عن الحرب والمقاومة، معبرة عما في الحرب من مجازر ووحشية لا إنسانية، وما خلفته من تشويه وتعذيب.. يذكر معها ، أنه –ربما- للمرة الأولى في تاريخ الفنون التشكيلية للإنسان، ألا يمجد الفنان الحرب من حيث هي حرب، ولم يقع جويا في الرومانسية الأيديولوجية للعامة أو للسلطة في تمجيد تلك الحرب.
فقد رفضها الفنان شكلا وموضوعا. رفض مبدأ الحرب / العدوان، ورفض الحرب / شكل الصراع بين البشر.
ولم يكن في ذلك مؤيدا للعدوان، أو رافضا للمقاومة..فقد رسم لوحتين من أهم أعماله على الإطلاق، ولعلهما من أهم أعمال المقاومة في مجال "المقاومة في الفن التشكيلي": الأولى لوحة "الثاني من مايو 1808م – هجوم المماليك"، والثانية لوحة "الثالث من مايو –إعدام المرافقين المدافعين عن مدريد".
فالأولى تسجل دخول الفرنسيين مدريد، والثانية نهوض الأسبان للدفاع عن أرضهم..وقد سجل النقاد الفنيين، أن الأخيرة تعد الأروع والأعظم من نوعها في تاريخ الفن.. حيث الجثث في صراعها مع الموت. وأن الجمال في اللوحة لم ينبع من الألوان أو الحركة(كما هو شائع، ومعروف أيضا في لوحات جويا السابقة)، بل من الحيوية الهائلة التي تتفجر من اللوحة، تعبيرا عن رفض البشاعة والحرب..وبالتالي أسبابها. وهو ما يعنى على الطرف الآخر..اللوحة دعوة للتمسك بالحياة.
وان بدت اللوحة مشهد من مشاهد ما كان..حيث اصطف الشباب الأسباني الأعزل، أمام الجنود الفرنسيين ببنادقهم، لتنفيذ القتل فيهم..وقف في المنتصف أحد الشباب رافعا يده بحركة تشبه حركة المسيح وهو غير مبال بالموت. يرفض جويا إذن الاحتلال مع كل كم الرفض للحرب ومجازرها ونتائجها.. يدين جويا العدوان، مع كل الإحساس بمرارة الموت/ العدم.

يعد جويا من فناني المقاومة، وبفهمها الصحيح.. غير مندفع نحو الشعارات وجنوح مشاعر العامة الموجهة، وغير فاقد لهويته ووطنيته. وليس الشاب / القائم على هيئة المسيح بين جموع شباب أسبانيا في مواجهة فوهات بنادق الغازي الفرنسي.. ليس إلا الأمل في أن نتأمله..لذا كان في القلب من اللوحة!

السيد نجم Ab_negm@yahoo.com

Mb_negm@hotmail.com