احمد بهاء الدين احد ابرز حملة مشاعل التقدم

لندن
قلب اتسع لكل احزان الامة

يوافق الشهر الحالي فبراير الذكرى السابعة والسبعين لميلاد الراحل الكبير احمد بهاء الدين، واحد من ابرز حملة رسالة التنوير، ومشاعل التقدم في القرن الماضي.
ونظرة عاجلة لمسيرة حياته، تكشف بوضوح اهتماماته المبكرة بالقضايا الكبرى، التي تصبح هما مقيما لرجال الفكر والمعرفة لا تزاحمها الاحداث العابرة او البادية على السطح. حصل احمد بهاء الدين على اجازة الحقوق عام 1946 من جامعة فؤاد الاول (جامعة القاهرة الان) وكان عمره 19 سنة، وعمل في ادارة التحقيقات بوزارة المعارف (التعليم حاليا)، وكان زميلاه في الادارة ونفس المكتب، الروائي الكاتب عبد الرحمن الشرقاوي صاحب رواية (الارض) وغيرها ورئيس تحرير مجلة روزاليوسف ورئيس مجلس ادارتها فيما بعد، والروائي الصحفى فتحي غانم صاحب رواية (الرجل الذي فقد ظله) وغيرها ورئيس تحرير مجلة صباح الخير وجريدة الجمهورية فيما بعد. وكان بهاء يعمل في مجلة (الفصول) التي كان يصدرها الكاتب الكبير في ذلك الوقت واحد رؤساء تحرير جريدة (الاخبار) الاستاذ محمد زكي عبدالقادر، وكانت مجلة فصلية، يعمل بها في الفترة المسائية (بلا اجر)، وكانت المجلة ذات اهتمامات فكرية، وموضوعات جادة. وحاول بهاء في تلك الفترة ان يعمل في دار الهلال وكانت تصدر العديد من المطبوعات مثل مجلة (المصور) ومجلة (الاثنين والدنيا) وهما مجلتان اسبوعيتان بالاضافة الى مطبوعة شهرية بعنوان (روايات الهلال)، وذهب بالفعل لمقابلة احد صاحبي دار الهلال اميل وشكري زيدان ببطاقة توصية من احد اصدقائهما، واستقبله الرجل بترحاب، وساله عن نوعية اهتماماته وكتاباته، وحين اجابه عن القضايا الفكرية والتحليلية، اعتذر له الرجل بان مطبوعات الدار لا تتحمل نشر مثل تلك القضايا، وخرج احمد بهاء الدين من الدار بعد ان فشل في الحصول على وظيفة بها، لكي يعود لها بعد عشرين عاما رئيسا لمجلس ادارتها، ورئيسا لتحرير كبرى اصداراتها وهى مجلة (المصور).
في هذه السن المبكرة، عام 1951، وسنه لا تتجاوز الرابعة والعشرين انفعل بالمشروع الامريكي المعروف باسم (النقطة الرابعة) الذي تقدمت به الولايات المتحدة الى حكومة الوفد في مصر، وكتب ضده في مجلة (الفصول) وكان ضمن ما قاله ان مشروعات المساعدة الامريكية خطر على كياننا الاقتصادي والسياسي، وان النفوذ الاقتصادي يستتبع خلفه تدخلا سياسيا فقد اثبت التاريخ القريب والبعيد انه بديهية لاشك فيها، فالسياسة تجري خلف الاقتصاد. ثم اصدر كتابا حول نفس الموضوع باسهاب اكثر، قام بطبعه على نفقته الخاصة باسم (الاستعمار الامريكى الجديد)، والجدير بالذكر انه بعد ان قامت الثورة مدت يدها للاستعانة باحمد بهاء الدين لالقاء بعض المحاضرات، في بعض الوحدات العسكرية لايضاح الاهداف الامريكية من جراء طرح مشروع النقطة الرابعة، ويقول بهاء كانت تلك هى المرة الاولى التي التقى فيها برائد صغير في الجيش، اصبح بعد ذلك وزيرا للثقافة، ورائد للنهضة الثقافية والفنية التي قامت في مصر، وهو ثروت عكاشة.
التحق احمد بهاء الدين بعد ذلك بالعمل في مجلة روزاليوسف في بدايات عام 1952 بعد ان كتب فيها عدة مقالات عن طريق تحريرها وتركها مع رسالة الى رئيس التحرير في استعلامات المجلة، وبعدها التقاه عميد الامام سكرتير التحرير، ثم احسان عبد القدوس رئيس التحرير والسيدة فاطمة اليوسف صاحبة الدار، لكي يتم الاتفاق على مزاولة العمل بشكل منتظم، ثم تتولى السيدة فاطمة اليوسف اقناعه بعد ذلك بالتفرغ للصحافة، والاستقالة من الوظيفة التي كان قد وصل اليها مستشارا في مجلس الدولة.
اصدر اواخر عام 52 كتابا بتكليف من دار روزاليوسف بعنوان (فاروق ملكا)، وذكرت الاعلانات عن الكتاب (روزاليوسف تصفي حساباتها مع الملك السابق فاروق في كتاب فاروق ملكا) بقلم احمد بهاء الدين. كانت روزاليوسف قد دخلت العديد من المعارك مع السراي الملكية، وشرع احسان عبد القدوس من خلال قلمه بمهاجمة الكثير من الاوضاع التي تمس الملك وحاشيته، مما ترتب عليه محاولات لاغتياله.
في عام 54 (11 يناير) قفزت بعض الاطروحات الغريبة على الحياة الفكرية، والتي تكشف بوضوح الاتجاه الفكري لدى احمد بهاء الدين، فقد كتب رئيس تحرير مجلة روز اليوسف احسان عبدالقدوس مقالا بعنوان (مصر اولا) دعا فيه الى الاهتمام الاساسي باحداث التقدم والنهضة في مصر اولا قبل ان ننصرف الى جمع خليط الانظمة الحاكمة في دول العالم العربي. وقام بهاء بالرد على رئيس التحرير تحت عنوان (كلنا اولا) قاصدا تعبيره (بالواقعية في السياسة المصرية)، مناقشا للاساس الفكري لموقفهم والذي يمكن اختصاره في مقولة ان مصر التي سبقت جاراتها في مضمار التحديث والتقدم لن تكسب شيئا من العرب وعليها ان ترتبط اكثر بالدول المتقدمة منبع العلم والصناعة، وقام بهاء بتفنيد تلك المبررات، وعدد العوامل التي تجمع بين العرب ومنها اللغة والدين والموقع الجغرافي وتاريخ الخضوع للاستعمار التركي ثم الاحتلال الغربي. المهم ان احسان عبد القدوس قام بالتعقيب على مقال بهاء قائلا (الوحدة قضية مسلم بها لاينكرها الا كافر او مجنون، ولكني عندما تكلمت ناقشت السبيل الى الوحدة - لا الوحدة نفسها- وقلت ان السبيل هو تنسيق المصالح بحيث تكون وحدة عربية، ولكي نبين وحدة المصالح يجب ان تفكر كل دولة عربية في مصالحها اولا).
قامت دار روز اليوسف باصدار مجلة جديدة باسم (صباح الخير)، وتولى النجم الصاعد احمد بهاء الدين رئاسة تحريرها، كما تولى صياغة الفكرة من انشائها، ووضع لها شعارها الذي يحدد اهدافها وكان (للقلوب الشابة والعقول المتحررة)، وفى اطار رسالته التنويرية قدم احد الابواب الثابتة تحت عنوان (درس في المبادئ) تناول فيه التعريف بالمادية والمثالية والراديكالية وغير ذلك من التعبيرات او المفاهيم الى يمكن ان نرددها ولا نعرف معناها.
كما قدم طرحا لبعض القضايا او الموضوعات من رؤى مختلفة وفق موقع الانسان منها، فقد مثلا افريقيا من خلال ثلاث رؤى، واحدة من خلال رؤية اديب وروائي عالمي مثل ارنست همنجواي، واخرى من خلال رؤية كاتب سياسي غربي لا اذكر اسمه، وثالثة من خلال رؤية واحد من ابنائها وهو بهاء نفسه. الاول يرى في افريقيا الادغال والغابات والغموض الساحر الذي يفيض بالاسرار، والثاني يري فيها الثروات والارض البكر للاستثمار، اما الثالث وهو بهاء فيرى فيها الانسان الإفريقي الذي احاطت به وحوش التخلف وقناصة الاستغلال والتجارة، واخذ يعدد في مقاله ما تحتاجه افريقيا للاستقلال والتحرر والتنمية لصالح شعوبها ومستقبلها.
ودارت على صفحات مجلة صباح الخير حوارات عدة، تتناول قضايا اجتماعية وثقافية وفنية في ظاهرها، ولكن في باطنها تجد السياسة قد فردت خيمتها لكي تحتضن الجميع.
من هذه الموضوعات (الحب مشكلة سياسية) وهو مقال من جزئين، الجزء الاول كتبه مصطفى محمود، وكان عبارة عن طرح بعض القضايا التي طلب من بهاء ان يجد لها في دولابه حلولا، وقال مصطفى محمود لماذا حين يبحث الرجل او المرأة عن نصفه الثاني لايجده نصفا، وانما يجده ثلثا وربما يجده ربعا. وقال بهاء ان الحب في بلادنا حزين، وانظر الى انجح الاغاني فسوف تجدها الاغاني الحزينة، التي تتحدث عن السهد والهجر والبعاد، وتساءل هل تعرف لماذا، لان في كل قلب قصة حب لم تكتمل، او اطياف من حلم لم يتحقق، وان عن لك ان تسال من جديد عن الاسباب فسوف تجد في اغلبها بصمات الاقتصاد والاجتماع والتعليم والثقافة، اي انك سوف تجد نفسك وجها لوجه امام السياسة، فالحب مشكلة سياسية.
حين صعد المد القومي بعد العدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الاسرائيلي على مصر، وبدأت شعارات الوحدة تملا السماء العربية، كانت اسهامات بهاء تمثل شعاعا من نور يفتح الطريق للفهم والاستيعاب منها مقالاته (كيف يجب ان نفهم القومية العربية)، و(خواطر عن الجمهورية العربية المتحدة)، ثم (حكاية الايدولوجية)، وغيرها.
حين انتقل الى جريدة (الشعب) وكانت جريدة يومية يرأس مجلس ادارتها الصاغ (الرائد) صلاح سالم عضو مجلس قيادة الثورة السابق، واسندت رئاسة التحرير الى احمد بهاء الدين، وحسين فهمي (اصبح رئيسا لتحرير جريدة الجمهورية فيما بعد). بدا في كتابة مجموعة مقالات عن (التخطيط) وهو احد القيم التي طرحتها الثورة وهي بصدد تنفيذ خطتها لمضاعفة الدخل القومي خلال عشر سنوات، وفوجئت الجريدة ببرقيات الاحتجاج تنهال عليها، وكان اكثرها احساسا بالمرارة برقية من رئيس قسم التصحيح بالجريدة، وهو شيخ فاضل، وطلب بهاء من صلاح سالم ان يجتمعا به لمناقشته، وفوجئ الاثنان بدموع الرجل تنساب من عينيه اثناء الحوار، ولما استفسرا منه عن الاسباب قال اننى كنت اعترض على مقالات التخطيط ظنا مني ان هذا الكفر بالتدخل في مشيئة الله الذي يرزق من يشاء وقت يشاء بفعل الكاتب، ولكني الان ادركت ان الدولة تساعد على هذا الكفر. بالطبع استمر النقاش مع الرجل، حتى يدرك ان التخطيط ليس تدخلا في مشيئة الله، ولكنه دعوة منظمة للعمل، ولكن هذه الواقعة تكشف لنا الى اى حد كانت هذه المجالات غريبة على المنطق والفهم، وكانت الكتابة فيها وفى غيرها من الوان الثقافة والمعرفة هى مدخلنا الى عصر من التنوير كان هذا الكاتب الشاب احد حملة مشاعله.
بعد صدور القرارات الاشتراكية عام 1961 ووقوع الانفصال السورى عن الجمهورية العربية المتحدة، وتشكيل اللجنة التحضيرية لانعقاد المؤتمر الوطنى للقوى الشعبية في مصر، كتب احمد بهاء الدين عن المرحلة الجديدة في العمل الوطنى، وضرورة ان يكون هناك التنظيم السياسي الذي يحمل فكرها ومسؤوليتها ويشكل قاعدتها، فكان مقاله الاول (المهمة الكبرى للثورة هى ان تتحول الى نظام اخباراليوم 28-4- 1962)، وطالب في هذا المقال ان يتحول الاتحاد القومى، وهو التنظيم السياسي القائم في هذا الوقت الى الاتحاد الاشتراكى العربي.
قال ان تعبير الاتحاد القومى قد يكون ادق في وصف ماهو قائم الان بالفعل، من حيث الامر الواقع، ولكن هذا الامر الواقع هو بالذات مانريد تغييره، ام تعبير الاتحاد الاشتراكى فهو ادق في وصف ماسوف يكون او ماينبغى ان يكون، هو تعبير ادق في وصف رسالته.
وقد تم الاخذ بوجهة نظره، وتم قيام الاتحاد الاشتراكى العربي.
وبعد النكسة عام 1967، طرح قيام دولة (فلسطين) وقال انه يؤمن بازالة اثار العدوان وقد تكون اسرائيل شرسة في التمسك ببعض المناطق التي احتلتها، وتكون اكثر شراسة في التمسك بالقدس، الا اننى مؤمن في النهاية بزوال هذه الاثار، فهل تعود غزة للادارة المصرية، وتعود الضفة للاردن، ام ينبغى ان تقوم دولة فلسطين من الضفة والقطاع، ويكون الفلسطينيون هم الذين يتكلمون باسم قضيتهم، وان يكون العرب من خلفهم دعما لصوتهم وقوتهم، وكان هذا الفكر تطور جديد في معالجة القضية الفلسطينية. من اشهر مقالاته: * يا عبيد العالم الحر اتحدوا، مجلة روز اليوسف عام 1953
وقد تحدث في هذا المقال عن الدول التي ترزح تحت نيرالاستعمار، وعن مصالحها المشتركة في عمليات التحرير، وان العالم الحر قد استعبد العديد من الشعوب وسخرها لخدمته بما يتناقض مع شعاراته، وان وحدة المقاومة هى السبيل نحو الحل.
* هل عندكم قارئ كف يقرا خريطة العالم العربي بعد عشر سنوات؟ جريدة المساء عام1984
قال في هذا المقال ان المنطقة العربية تغلى بالخلافات العربية، وهى خلافات معروفة وظاهرة على السطح، والمنطقة تغلى بالتيارات السياسية التي بعضها على السطح وبعضها الاخر مكتوم، ولكننا كلنا نعرف بوجوده. ومن النادر ان نجد في بلد عربي تحولات اقتصادية واجتماعية وسياسية، بالمعنى الكبير، اى بالمعني الذي يقود الى استقرار واستمرار، بمعنى التوازن المجتمعى، لا بمعنى كفاءات سلطات الامن. هل في ظل هذا كله نستطيع ان نرسم صورة للخريطة العربية، سياسية واقتصادية واجتماعية بعد عشر سنوات؟.

* لماذا التركيز على عبد الناصر؟ مجلة المصور عام 1970
كتب هذا المقال اثناء حكم عبد الناصرفى مجلة المصور بعد النكسة واثناء حرب الاستنزاف، وكان الهجوم ضاريا ضد عبدالناصر في الدوائر الغربية، ثم اعاد نشره بعد وفاة عبدالناصرعام 1970، وقال انه ليس لديه مايضيفه، عن دور عبدالناصر، اكثر مما طرحه من قبل، وكان قد طرح في هذا المقال، ان الغرب قد راى في عبد الناصر القوة الاساسية في المنطقة التي تمسك بمقاليد الامور، فاراد ان يهزمها، وكانت حرب 1967، واشد مايغيظ الغرب الان وتزداد ضراوته من اجله، وهو يرى ان عبد الناصر الذي امسك بكل مقاليد الامور وهو منتصر، مازال ممسكا بها وهو غير منتصر.
* فى قرنين من الزمان.. محمد علي وجمال عبدالناصر، جريدة الاهرام
عاش محمد على الكبير ثمانين سنة (1769 – 1849) حكم منها مصر ثلاثة واربعين عاما (1805 – 1848)، وعاش جمال عبدالناصراثنين وخمسين عاما (1918 – 1970) حكم منها مصر ثمانية عشر عاما. اى انها اكثر قليلا من ثلث المدة التي حكم فيها محمد على.
وفى خلال هذين القرنين من الزمان (1769 – 1970) اللذين ولد وعاش ومات فيهما محمد على وجمال عبدالناصر كانا هما اكبر علامتين في تاريخ مصر والمنطقة العربية، وكان كلاهما – كل بمنطق عصره – قمتى المحاولتين الجبارتين في مجالين:
اولا : محاولة انتشال هذه الامة من وهدة التخلف واللحاق بالعصر
ثانيا : محاولة ان تقف مصر – والمنطقة على قدميها وبارادة مستقلة في مواجهة عالم خارجى قوى لايريد ان يسمح بذلك. يبقى مجال ثالث لم يدركه محمد على وادركه جمال عبدالناصر وبمنطق العصر الذي ظهر فيه وهو العدل الاجتماعى، ويضيف احمد بهاء الدين قائلا : ان المرء ليذهل هنا لاوجه الشبه بين نضال كل منهما وعمله وطموحه ودوره في حياة مصر بشرط ان يدرك فارق المائة سنة التي تفصل بينهما وان لكل عصر لغته وقيمه ووسائله ومفاهيمه ازاء اسرع مائة سنة من التطور في حياة العالم.
* تقارب.. او تفاهم او تكامل العرب! جريدة المساء عام 84
ذكر في هذا المقال ان مشروع تطوير الميثاق الاساسي لجامعة الدول العربية لم ينجح، وليس معنى ذلك فشل جامعة الدول العربية. ولكن معناه ان (الدول العربية) هى التي ترفض التطوير بعد اربعين سنة من وضع الميثاق، وان جامعة الدول العربية، التي هى (سكرتارية) للدول العربية اقترحت وعرضت ثم سجلت قرار الدول العربية بالرفض او التاجيل، وانتهى الامر.
ويمضى بهاء في القول ان المعادلة العربية مستحيلة، ان تكون الدول اعضاء في الجامعة، وان يكون لكل منها حق الانفلات الكامل من اى منطق عربي عام، دون اى ضابط او رابط او حد ادني من الالتزام.
* الانفتاح .. ليس سداح مداح جريدة الاهرام عام 74
اكثر المقالات شهرة بالتنديد بسياسة الانفتاح التي سنها الرئيس الراحل انور السادات في مصر، والتى استدعت غضبه، فقد كانت كتابات احمد بهاء الدين تتمتع بمصداقية وتاثير لدى الجماهير العادية قبل الخاصة، وكان تاثير سياسة الانفتاح مدمرا على الاقتصاد والمجتمع في ان واحد.
* جريمة العصر جريدة الاهرام عام 90
كانت اخر المعارك التي خاضها، وكانت تتعلق بتهجير ملايين اليهود من روسيا الى اسرائيل، وقال ان الهجرات دائما عفوية اختيارية غير منظمة وخالية من اى نية غزو او عدوان، ام تهجير اليهود الروس الى فلسطين فهو لاول مرة في التاريخ يتم بتواطؤ دولى، وعلى يد الاقوياء، واغتصابا لارض الاخرين وعدوانا ومحوا لحقوق الانسان في ارضه الاصلية.
كانت قضية فلسطين هى قضية عمره، وكان الرئيس السادات يمازحه في اللقاءات الخاصة بقوله (العرب اصحابك والفلسطينيين حبايبك) ولم يذهب الرئيس السادات بعيدا في ذلك.
لم تكن هذه القضية بالنسبة له، مجرد قضية يستخدم فيها قلمه فحسب، بمعنى انها قضية اعلامية، ولكنها كانت قضية سياسية ايضا تحتاج الى تعبئة كل القوى لمناهضة تلك الجريمة، ومنع وقوعها استنادا لقوة الراى العام وفعاليته، ومخاطبة كل المؤسسات والمنظمات المختصه في المجتمع المدنى، وكذلك على المستوى الرسمى، ولذلك كان الجهد والتوتر الذي بذله واحاط به، سببا مباشرا في النزيف الذي الم به.
وسقط الجسد الضعيف، والعقل المرهق، والقلب الذي اتسع لكل احزان هذه الامة وكم عذبته واضنته، سقط فريسة للمرض، وتعرض لثلاث مرات من النزيف.
وكان كل من يعرفه عن قرب، لايندهش لما اصابه، فقد كان ترجمة بشرية للحس المرهف، وللمبادئ الخالصة، والايمان المطلق بحقوق الانسان في الحرية والاستقلال والعدل الاجتماعى.
ورحل احمد بهاء الدين العقل المتوهج، والفكر المستنير، والقلب الذي اتسع لحب الجميع.
رحل الكاتب الذي تساءل عنه الدكتور جلال امين فقال (لماذا الاجماع على احمد بهاء الدين) ثم عاد فاجاب، لانه رغم شهرته الكبيره لم ينتابه الغرور او تضخم الشخصية، والاكثر من ذلك انه لم يعرف التواضع، وانما البساطة كانت المكون الرئيسي لشخصيته، ولذلك احتفظ بحب الجميع، من اتفق معهم، ومن اختلف.
رحل احمد بهاء الدين النموذج الامثل للكاتب المستنير فكرا وروحا وسلوكا وعفة صارخة. امين الغفاري – لندن