استعصاء السياسة العربية وتحديات مشروعات التغيير الخارجية

بقلم: ماجد كيالي

لم يكن عمرو موسى (الأمين العام لجامعة الدول العربية) يبالغ حين قال: "السماء تمطر مبادرات وكأن الشرق الأوسط حقل تجارب"! فثمة مبادرات أمريكية متعددة، واحدة لحل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وثانية لإقامة منطقة تجارة حرة، وثالثة لنشر الديمقراطية، ورابعة لإعادة هيكلة الشرق الأوسط الكبير في إطار من الشراكة الأمريكية ـ الأوروبية.
أيضا ثمة مبادرة ليوشكا فيشر وزير الخارجية الألماني لإصلاح الشرق الأوسط (قدمها في السابع من الشهر الجاري أمام مؤتمر ميونيخ الأربعين حول السياسة الأمنية)، وقد أبدى قادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا (بلير وشيراك وشرويدر) تأييدهم لها، لدى اجتماعهم في برلين (قبل أيام). كذلك ثمة مبادرة أوروبية يعكف على إعدادها خافيير سولانا الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي؛ إضافة إلى المبادرات التي يجري صوغها في المنتديات الدولية (كمنتدى دافوس) وفي مراكز الأبحاث وصنع السياسات الأوروبية (المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات) والأمريكية (مجلس السياسات الخارجية)..الخ..
والأهم من كل هذا وذاك أن هذه المبادرات ستكون موضع بحث في قمة قادة الدول الثماني الصناعية، التي ستعقد في الولايات المتحدة بولاية جورجيا في يونيو القادم، لوضع الصياغة النهائية لمبادرة شراكة دولية لإنتاج ما بات يسمى باتفاقية "هلسنكي شرق أوسطية" أو "مشروع الشرق الأوسط الكبير".
ويستنتج من كل ذلك، أولا، أن العالم العربي بات على مشرحة الدول الكبرى وأن قرارا قد اتخذ بإجراء عمليات جراحية لإعادة هيكلته، بدعوى إصلاحه أو تأهيله، لمواءمته مع التطورات والمتغيرات الدولية؛ وثانيا، أن هذا القرار لم يعد مجرد قرار أمريكي وإنما بات قرارا دوليا؛ وثالثا، أن هذه الصياغة يجري إعدادها بمعزل عن أهل المنطقة العرب (حكاما ومحكومين)، وأنه سيجري فرضها بالتعاون معهم أو بالرغم عنهم، بطريقة أو بأخرى!
عدا ذلك فإن ما يلفت الانتباه في هذه المشاريع ليس كثرتها أو كونها مشاريع خارجية، فهذا طبيعي لمنطقة تعتبر من أهم المناطق بالنسبة للقوى العظمى في العالم، لامتلاكها ثلثي احتياطي العالم من النفط ووجودها في موقع جغراسي ـ استراتيجي للعلاقات الدولية وبسبب تموضع إسرائيل فيها، ولكن ما يلفت الانتباه حقا أن ردة الفعل العربية (الرسمية والشعبية) لم تكن على قدر التحديات التي تفترضها عملية التعامل مع هذه المشاريع، إذ اتسمت المواقف العربية بالضعف والتخبط والتردد، كما اتسمت بالتشرذم (كالعادة) والانتقائية.
ومن تفحّص المواقف العربية إزاء مشاريع التغيير الخارجية يمكن تسجيل الملاحظات الأساسية التالية:
أولا، أنه لا يمكن للعالم العربي الادعاء بأنه أخذ على حين غرّة بطرح مشاريع التغيير الخارجية، فالسماء لم تمطر فجأة، والحقيقة أنها كانت ملبّدة بالغيوم منذ مطلع التسعينيات، مع انهيار الاتحاد السوفييتي وهيمنة الولايات المتحدة على النظام الدولي وانفتاح مسارات العولمة (الاقتصادية والتكنولوجية والإعلامية)، وهي بدأت تبرق وترعد وتثير العواصف والسيول منذ قيام عراق صدام باجتياح الكويت؛ وحينها طرحت الولايات المتحدة مشروعها لقيام "شرق أوسط جديد"، وطرحت الدول الأوروبية مشروع الشراكة الأوروبية المتوسطية.
أما الزلازل والبراكين فقد بدأت "ثورتها" بعد سبتمبر (2001)، إثر التداعيات الناجمة عن الهجوم الإرهابي على الولايات المتحدة (الذي جاء من العالم العربي والإسلامي)، ما سهّل الأمر على دعاة تغيير العالم العربي في الإدارة الأمريكية، وقدم التبرير للحرب على الإرهاب ولمبدأ "الحرب الوقائية"، واحتلال العراق.
واللافت أن العالم العربي، طوال أكثر من عشرة أعوام، تجاهل تأثير المتغيرات والتحولات الدولية واستهتر بالمشاريع والمطالب الخارجية (وحتى الداخلية) التي ضغطت لإصلاح أوضاعه. لذا فهو لم يعزز التكامل الاقتصادي العربي لمواكبة متطلبات العولمة. ولم يتجه لتطوير نظمه السياسية بتعزيز الشرعية والمشاركة الشعبية. كما لم يعمل على استنهاض قواه الاقتصادية والارتقاء بنوعية التعليم، لتأمين حاجاته ولمواكبة التطورات الاقتصادية والتكنولوجية في العالم.
ويبدو أن هذه الأمور هي التي حشرت العالم العربي في زاوية حرجة وجعلته اليوم يبدو ضعيفا وحائرا ومكشوفا إزاء التحديات الخارجية وإزاء مبضع الجراحين الدوليين، الذين باتوا يرون أن "مرض" العالم العربي (الفقر والإحباط) يمكن أن يصيبهم بعدواه، على شكل عمليات إرهابية وعلى شكل هجرات واسعة، ربما تشكل تهديدا لأمنهم واستقرارهم السياسي والاقتصادي ولقيمهم الثقافية.
ثانيا، ثمة وجهة نظر تتعامل مع المشاريع الخارجية باعتبارها مجرد مشاريع تستهدف، فقط، إحكام السيطرة على العالم العربي (بثرواته ونفطه وموقعه) لحل الأزمات الاقتصادية الداخلية في الولايات المتحدة، ومع أهمية وجهة النظر هذه، إلا أنها تتجاهل حقيقة التغير الحاصل في مفهوم الولايات المتحدة (وحتى أوروبا) لأمنها القومي، بتأثير من حدث سبتمبر (2001) وتنامي نفوذ الجماعات المتطرفة والإرهابية في المجتمعات العربية والإسلامية.
والواقع أن مصالح الدول الكبرى (ولاسيما الولايات المتحدة) مؤمّنة في الشرق الأوسط، من دون التدخل المباشر في أوضاعه. والجديد أن هذه الدول أصبحت تعتقد بأن تغيير العالم العربي (سياسيا واقتصاديا وثقافيا) بات ضرورة لأمنها القومي؛ وأن مكافحة الإرهاب والحد من الهجرات إليها، يتطلب تطوير أحوال هذا العالم من مختلف النواحي، لتحسين فرص الحياة فيه، بتعزيز الحريات وتأمين العيش الكريم وتحسين مستوى التعليم؛ أي أن الأمر لا يتعلق بالرأفة بسكان المنطقة العرب بقدر ما يتعلق بالأمن القومي للولايات المتحدة وأوروبا.
ثالثا، ثمة وجهات نظر تعتبر بأن مشاريع التغيير الخارجية هي مجرد مؤامرة إسرائيلية، حاكها اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، أو أنها مجرد محاولة من الولايات المتحدة لحل أزماتها في فلسطين وأفغانستان والعراق. وفي الواقع فإن إسرائيل تستفيد حكما من هذه المشاريع، إلا أنها لا تتحكم بها أو بمساراتها. كذلك فإنه من التبسيط بمكان اعتبار هذه المشاريع تهربا من أزمة أمريكية هنا أو هناك، فأزمة الولايات المتحدة أنها تملك فائض قوة، أما أزمة العالم العربي فتتجلى بفائض العجز والتكلس الذي يكبل أوضاعه، ودليل ذلك أن الولايات المتحدة تولد المبادرة تلو المبادرة، وأنها أجملت كل مشاريعها بمشروع "الشرق الأوسط الكبير"، وحتى أنها أتاحت لأوروبا المجال لمشاركتها في هذا المشروع.
رابعا، ثمة محاولة للتهرب من استحقاقات التحديات والمطالب الخارجية، المتمثلة بالمشاريع المطروحة، بدعوى تناسيها أو تجاهلها لدور إسرائيل في تقويض الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني في المنطقة، وأيضا بدعوى أن هذه المشاريع إنما هي مجرد املاءات خارجية، وكلاهما ادعاءان صحيحان.
ولكن هذه المحاولة ينبغي أن لا تحجب حقيقة أن مطالب الإصلاح السياسي والاقتصادي والتعليمي هي بالأساس مطالب داخلية وقديمة ونابعة من المجتمعات العربية ذاتها، وأنها ضرورية لهذه المجتمعات بغض النظر عن وجود إسرائيل؛ بل إنها ضرورية لمراكمة عناصر القوة في مواجهة التحدي الذي تشكله لها إسرائيل.
والمعنى فإن تبنّي (أو سرقة) شعارات الإصلاح من قبل الولايات المتحدة أو أوروبا، إن لإغراء وإغواء المجتمعات العربية أو لابتزاز أنظمتها، لا يعني إدارة الظهر لهذه الشعارات والمطالب، المتمثلة بإصلاح نظم الحكم والتعليم والاقتصاد ورفع مستوى الحريات والمعيشة للناس، وإنما يعني ذلك العمل على ترجمتها على أرض الواقع، بحسب الحاجات والاولويات العربية، لاسيما أنها انتظرت طويلا.
خامسا، ثمة محاولات من بعض النظم العربية للتعامل بشكل انتقائي أو وظيفي مع المطالب الخارجية، وهذا أمر مشروع، ولكنه لن يحل المشكلة. فمثلا، من الخطورة بمكان الاستجابة للمطالب المتعلقة بالسياسة الخارجية في حين يتم تجاهل المطالب التي تتعلق بتطوير الأوضاع الداخلية، والتي هي بالأساس مطالب محلية (كما قدمنا) لأن تعزيز الشرعية الداخلية والمشاركة الشعبية هو الذي يحصن الدول أمام الابتزازات والاملاءات الخارجية وهو الذي يقوي موقفها. كذلك الأمر فإن التعامل الانفرادي مع المطالب الخارجية، بدعوى إنقاذ النفس (على غرار الموقف الليبي) لن ينفع إذ أنه سيضعف الموقف العربي كما سيعزل القائمين به ويجعلهم لقمة سائغة للأطماع الخارجية.
المهم أن العالم العربي يقف اليوم على مفترق طرق وأمام استحقاقات داخلية وخارجية عليه أن يحسم بها، بعد أن أجلها أو تهرب منها طويلا. ولا شك بأن الاحتكام للمجتمعات العربية، بالاستجابة لحاجاتها ومطالبها، وإعادة الاعتبار للتكامل العربي، في مختلف المجالات، يمكن أن يشكلا المدخل المناسب لإنقاذ العالم العربي وتمكينه من تجاوز المحنة التي يتعرض لها في هذه المرحلة. ماجد كيالي