قلق مصري ـ سعودي من الشرق الأوسط الكبير

الرياض والقاهرة
ما هي خطتكم لمواجهة المشروع الجديد؟

أكدت السعودية ومصر الثلاثاء رفضهما مبادرات "الاصلاح" التي تطالب به الولايات المتحدة والدول الاوروبية في الشرق الاوسط.
وأكد بيان صدر في ختام اجتماع عقد في الرياض بين العاهل السعودي الملك فهد بن عبد العزيز وولي عهده الامير عبد الله والرئيس المصري حسني مبارك "عدم قبول الدول العربية والاسلامية فرض نمط إصلاحي بعينه من الخارج".
وقال البيان إن "الدول العربية تمضى على طريق التنمية والتحديث والاصلاح بما يتفق مع مصالح شعوبها وقيمها وتلبية لاحتياجاتها وخصوصياتها وهويتها العربية وعدم قبولها لفرض نمط إصلاحي بعينه على الدول العربية والاسلامية من الخارج".
وكان مبارك قد انتقد الاثنين المبادرات الخارجية للاصلاح في الشرق الاوسط، معتبرا أنها "تسعى إلى فرض أنماط محددة من الاصلاحات في أطر وخطط ومبادرات تقوم على ادعاء أن هذه المنطقة أصبحت خطرا على الشعوب الاخرى".
وتعتزم الادارة الامريكية طرح "مبادرة الشرق الاوسط الكبير" التي تستهدف إجراء إصلاحات ديمقراطية واقتصادية في منطقة تمتد من موريتانيا غربا إلى أفغانستان شرقا على قمة مجموعة الثمانية التي تعقد في الولايات المتحدة في حزيران/يونيو المقبل.
وقال بيان الرياض إن "الاهتمام بتحقيق الاستقرار في منطقة الشرق الاوسط يستلزم إيجاد حلول عادلة ومنصفة لقضايا الامة العربية والاسلامية وعلى رأسها القضية الفلسطينية وقضية العراق".
واتفق زعماء السعودية ومصر على "موقف مشترك بالنسبة لاصلاح الوضع العربي لطرحه في الاجتماع المقبل لوزراء خارجية جامعة الدول العربية بالقاهرة".
وغادر مبارك الرياض فور انتهاء المحادثات مختتما زيارته للمملكة التي استمرت عدة ساعات.
وتأتي ردود الفعل السعودية والمصرية لتظهر قلقا متزايدا من البلدين الاكثر تهديدا بالطروحات الاميركية.
اذ شرعت الولايات المتحدة في اتخاذ خطوات جادة نحو تطبيق مشروع الشرق الأوسط الكبير وسط مخاوف عربية من هذه الخطوة.
وقد أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن إطلاق مبادرة الشرق الوسط الكبير بهدف تحقيق الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والتعليمي في العالم العربي، حيث سيبدأ ألن لارسن وكيل وزارة الخارجية الأمريكية للشئون الاقتصادية خلال الأيام القليلة القادمة جولة تشمل لكل من مصر والسعودية والأردن وفلسطين لاستطلاع الرأي العربي في تلك المبادرة.
ونشرت صحيفة الأهرام القاهرية تفاصيل مبادرة لارسن في الدول العربية الأربعة، والتي تقترح عقد قمة شرق أوسطية تكرس لبحث إصلاح العملية التعليمية في دول المنطقة، وضمان مشاركة دعاة الإصلاح من قيادات المجتمع المدني في أعمال القمة، إلى جانب القيادات السياسية.
ومن المنتظر، كما تقول الصحيفة، أن تعقد القمة التعليمية قبل موعد انعقاد قمة مجموعة الثماني الصناعية الكبرى المقبلة لإقرارها وتبني بنودها، كما سيتم التعاون بين دول الثماني والولايات المتحدة والاتحاد الأوربي بشأن تمويل المبادرة التعليمية لضمان نجاحها، وتوفير قوة الدفع اللازمة لها.
وتقول الصحيفة أن المبادرة الأمريكية تحمل محاور عدة من أبرزها إعطاء جهود التحول الاقتصادي والاجتماعي، وخطط الحد من العجز المالي في ميزانيات دول الشرق الأوسط ــ الأولوية دون إغفال الإصلاح الديموقراطي، ونظم الحكم القائمة.
وتشجع المبادرة العمل على بناء مجتمعات واعية، ومؤسسات غير حكومية، وتكثيف التعاون مع منظمات شعبية تكرس جهودها للإصلاح الاقتصادي، ودعم الحريات العامة. بالإضافة إلى تنشيط آليات مواجهة البطالة، وتشكيل مجموعات من القانونيين وخبراء التشريع والإعلاميين من دعاة الإصلاح تهتم بنشر بيانات سنوية عن تطوير مسيرة الإصلاح، ومدى الحرية التي تتمتع الصحافة.
وتتعهد المبادرة الأمريكية بتوفير الدعم المالي والفني اللازمين لعمل المنظمات الغير حكومية، وأيضا الدعم المالي لعملية تسجيل الناخبين، وتأسيس مراكز مدنية للدفاع عن الحقوق العامة.
كما تدعو المبادرة لقيام مؤسسات صحافية مستقلة، وتدريب الصحافيين فيها على التكنولوجيا الحديثة، وأيضا إصلاح التشريعات القانونية المعمول بها، ووضع قوانين جديدة، بما يتفق مع الإصلاحات المرجو إعمالها.
وتحث المبادرة الحكومات المعنية على السماح بعمل المؤسسات المستقلة، وتجنب فرض قيود عليها، أو التدخل في شئونها. بالإضافة إلى تحرير السياسات الاقتصادية بما يحد من سيطرة الحكومات على النشاط الاقتصادي، مع إلغاء القيود على المعاملات المصرفية، وتحرير الخدمات المالية التي تقوم بها، وغزالة أي قيود على الأنشطة التجارية.
وبهذه المبادرة تكون واشنطن أقرت أن داء العالم العربي هو نظام التعليم الذي يحتاج إلى استنفار كل القوى الشعبية، والحكومية العربية والأوربية لمواجهته، وتغييره وفق سياسة إصلاح شامل ومتكامل.
كما أن المبادرة لم تستثن نظاما عربيا من الاستبداد والديكتاتورية من خلال دعواها وتصميمها على الإصلاح السياسي بالعالم العربي، وتقليص السلطات الحاكمة لصالح التنظيمات الغير حكومية والمؤسسات الأهلية والمستقلة على أساس أن غياب الإصلاح في العالم العربي جعل العرب خطرا على الشعوب والمجتمعات الأخرى.
وحدد مبارك ثلاث اعتبارات هامة يجب أن تحكم نظرتنا لعملية الإصلاح المستمرة التي نقوم بها في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وهي أولا أن جهود الإصلاح لابد أن تنبع من اقتناع ذاتي يراعي خصوصيات كل مجتمع من المجتمعات العربية، ويراعي في نفس الوقت قدرة كل مجتمع على استيعاب هذه الإصلاحات والاستفادة منها، آخذا في الاعتبار الاختلافات الجوهرية في التركيبة الثقافية والاجتماعية والدينية من مجتمع عربي لآخر.
ومن هنا فإن محاولة فرض نمط موحد للإصلاح على جميع الدول العربية، لا يراعي كل هذه الاعتبارات ولا يقوم على التشاور المسبق والتنسيق الوثيق، لم يؤتي إلا بنتائج عكسية، ولا يعني هذا رفضا للمساعدة الخارجية لمجهوداتنا في مجال الإصلاح المنشود وفقا لخططها الذاتية المبنية على ظروفها وقدرة مجتمعها على استيعابها واحترام إرادتها.
ثانيا أن جهود الإصلاح مهما تسارعت لن تقضي على مشاعر الإحباط واليأس الناتجة عن عدم تسوية مشكلات المنطقة وعن إتباع معايير مزدوجة في التعامل معها، تلك المشاعر التي خرجت عن إطارها بفعل قوى التطرف لكي تؤذي بعض المجتمعات الأخرى، ولكي تزرع لدى بعضها إحساسا خاطئا بأن شعوب منطقة الشرق الأوسط تشكل خطرا على المجتمعات الأخرى يتعين التصدي له.
وثالثا وأخيرا كما يرى مبارك "إن تعاوننا مع العالم الخارجي بمحاوره المختلفة في تنفيذ خططنا الذاتية في مجال الإصلاح يجب أن يراعي ــ كضرورة حتميةــ الحفاظ على الهوية العربية وتعزيز دورها في تقوية الحوار بين الحضارات والثقافات ، ويجب ألا يسعى إلى تجاوز هذه الهوية من خلال السعي لإدماج دول المنطقة في أطر أوسع أو أضيق لا تتفق مع حضارتنا وهويتنا التي نعتز بها كل الإعزاز".