بن علي لواشنطن تايمز: لا يوجد صراع بين الاسلام والغرب

الرئيس زين العابدين بن علي يتسلم كتاب «تونس رحلة في بلاد ناجحة» من مؤلفته الكاتبة الصحفية الأمريكية جورجي ان غايار

واشنطن – اعتبر الرئيس التونسي زين العابدين بن علي ان الحديث عن وجود صراع بين الاسلام والدول الغربية لا يعكس حقيقة الحال ولا وجود له في الواقع وان "الصراع الحقيقي الدائر في العالم هو صراع مصالح وليس صراع حضارات أو ديانات وإن التبسيط في التعاطي مع مثل هذه المقولات يشكل خطرا على قيم التسامح والحوار."
واشار بن علي في حديث شامل مع صحيفة واشنطن تايمز الاميركية اثناء زيارته الى العاصمة الاميركية بان المشاكل التي يواجهها العالم الان تنبع "من التطرف الذي يتستر بالدين" والذي قال عنه بانه "يتغذى من الفقر والحرمان والجهل"
واضاف "عملنا على مواجهة جذور التطرف اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا وتربويا وعلى التصدي للأسباب التي تؤدي لبروز الظاهرة وانتشارها واعتمدنا مسارا تنمويا شمل كل الجهات والشرائح وحرصنا على القضاء على جيوب الفقر وإدماج المناطق المحرومة في الدورة الاقتصادية والاجتماعية".
وتأتي زيارة الرئيس بن علي لواشنطن ولقاءه بالرئيس الاميركي جورج بوش في الوقت الذي تعزز فيه الولايات المتحدة اهتمامها بمنطقة شمال افريقيا.
وتعتبر واشنطن ان تونس تمثل واحة استقرار في منطقة مضطربة وان تجربتها في الاصلاح السياسي والاجتماعي يمكن ان تكون مثالا يحتذى به في المنطقة.
وفيما يلي نص المقابلة. ما هي أهم رسالة تريدون حملها الى واشنطن. و ماذا تتوقعون من الزيارة؟ ان علاقات تونس مع الولايات المتحدة الأمريكية مميزة وتقليدية وتقوم علي الثقة والاحترام المتبادلين وهي علاقات تعود الى القرن الثامن عشر وتحديدا الى سنة 1797 تاريخ أول اتفاقية تجارية بين تونس والولايات المتحدة.
و لا شك ان زيارتي لهذا البلد الصديق الذي نكن له كل الاحترام والإعجاب تندرج في اطار المباحثات والاتصالات المنتظمة والمكثفة بين مسؤولي البلدين وعلى أعلى مستوى وتتنزل في اطار العلاقات المتينة بين الطرفين.
وستكون هذه الزيارة مناسبة متجددة لإجراء حوار معمق وشامل مع الرئيس جورج دبليو بوش والمسؤولين الأمريكيين سيتناول سبل تطوير التعاون الثنائي المثمر القائم بين البلدين إلى جانب القضايا الدولية ذات الاهتمام المشترك بما يمكننا من الارتقاء بالعلاقات التونسية الأمريكية إلى مستوي الشراكة الاستراتيجية في كافة المجالات بما من شأنه ان يفتح آفاقا جديدة لمسيرة التنمية في تونس ويوطد الروابط الوثيقة بين الشعبين التونسي والأمريكي ويسهم في دعم الاستقرار والأمن والسلم في العالم.
وفي هذا الاطار فإننا نطمح إلى مزيد دعم المبادلات التجارية وتعزيز فرص الاستثمار الأمريكي بتونس لنجعل من التعاون بيننا نموذجا يجد في الاتفاقيات المبرمة قاعدة ملائمة للتطور باستمرار علما بان حجم الاستثمار الأمريكي أو المشترك دون اعتبار قطاع الطاقة بلغ سنة 2003 , 327 مليون دينار تونسي بعدما كان في حدود 8ر30 مليون دينار سنة 1987 وتحتضن بلادنا اليوم 50 مؤسسة أمريكية أو مشتركة من بينها 34 مؤسسة مصدرة بالكامل وتوفر اكثر من 11 ألف موطن شغل.
ونحن نعتقد أن تونس من خلال موقعها الجغرافي المتميز كجسر يربط بين ضفتي المتوسط وبما سنته من تشريعات وما تقدمه من حوافز للمستثمرين توفر الأرضية المثلي لمزيد الاستثمار وبعث المشاريع المشتركة.
ان الرسالة التي نحملها معنا تنبع من تاريخ تونس وحاضرها إذ أننا نؤكد إيمان بلادنا الراسخ بقيم العدالة والحرية والديمقراطية وسعيها الدائم من اجل إحلال السلم والاستقرار في العالم علي أساس التضامن والتسامح بين الأمم والشعوب وهي قيم نلتقي فيها مع الشعب الأمريكي الصديق.
كما ستؤكد هذه الرسالة الثوابت التونسية من مجمل القضايا الدولية العالقة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والسلام في الشرق الأوسط و كذلك ضرورة مزيد دعم البلدان النامية في النهوض باقتصادياتها انطلاقا من إيماننا بأهمية التنمية في تحقيق السلم والأمن في العالم بأسره. ما هو موقفكم من خارطة الطريق التي وضعها الرئيس بوش بالنسبة الى الشرق الأوسط ؟ ان تونس التي ساهمت بفاعلية في مختلف مراحل مسيرة السلام بالشرق الأوسط وساندتها منذ انطلاقها باحتضانها أول لقاء رسمي بين الفلسطنيين والأمريكيين إيمانا منها بان السلام يبقي الخيار الاستراتيجي الوحيد للمنطقة كانت في مقدمة المساندين لخارطة الطريق وعبرت عن ترحيبها أيضا بتبني مجلس الأمن قرارا يدعم
تطبيق هذه المبادرة ويدعو الأطراف المعنية إلى الالتزام بكل واجباتها من اجل التوصل إلى تحقيق رؤية دولتين تعيشان جنبا إلى جنب في كنف السلام والأمن. ونحن نقدر موقف الإدارة الأمريكية ومساندة الرئيس بوش الشخصية وبكل وضوح قيام دولة فلسطينية
وأملنا ان تواصل الإدارة الأمريكية مساعيها لدي كافة الأطراف لوقف التدهور الخطير للأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة وأحياء المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي و كذلك أحياء بقية المسارات حتى يتم إرساء دعائم سلم حقيقية عادلة ودائمة لفائدة كل شعوب المنطقة.
وفي هذا السياق نناشد أعضاء اللجنة الرباعية لتكثيف الجهود لتطبيق بنود خارطة الطريق حتى لا تهدر هذه الفرصة وتعرف نفس المصير الذي عرفته ما سبقتها من المبادرات السلمية.
ان العنف والتطرف لا يمثلان الحل لمشاكل المنطقة بل هما يؤديان بالضرورة إلى تفاقم الحقد والكراهية بين شعوبها وان دوامة العنف لن تتوقف إلا بالعودة إلى طاولة المفاوضات علي أساس الشرعية الدولية والاتفاقات المبرمة.
ولن تدخر تونس أي جهد في العمل من اجل انتصار منطق السلام علي منطق العنف حتى يتمكن الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة علي أرضه وتتوفر الظروف لكافة شعوب المنطقة للتعايش السلمي والانصراف إلى البناء والتعمير. و ماذا عن العراق سيادة الرئيس؟ إننا نري انه من الضروري الإسراع بمعالجة الوضع السائد بالعراق والعمل علي توفير الظروف الملائمة لعودة الحياة إلى مجراها الطبيعي و مزيد تشريك المجموعة الدولية والأمم المتحدة في إدارة مرحلة ما بعد الحرب وفي جهود اعادة الإعمار بما من شانه ان يضمن لهذا البلد شروط الأمن والاستقرار في اطار احترام سيادته ووحدته الترابية. ما هو الدور الذي ترون ان على الولايات المتحدة ان تلعبه في شمال إفريقيا؟ إننا على قناعة راسخة بان قيام اتحاد مغاربي مندمج متين الأركان يمثل رافدا قويا لتعزيز الاستقرار والسلم في العالم بالنظر الى الموقع الاستراتيجي الهام لهذه المنطقة.
ونحن نسعى بكل عزم الى تعزيز أسباب التكامل والاندماج بين بلدان اتحاد المغرب العربي آملين ان يسهم شركاؤنا الأوروبيون والأمريكيون في معاضدتنا على تدعيم العمل المغاربي المشترك وعلى تعزيز الشراكة المغاربية الأمريكية الى جانب الشراكة المغاربية الأوروبية.
ومن هذا المنطلق كانت مساندتنا للمبادرة الأمريكية الرامية الى إرساء شراكة مع دول شمال إفريقيا لما لهذه الشراكة من دور في دعم الاندماج الاقتصادي في المنطقة إضافة الى مساهمتها في تنشيط مسيرة البناء المغاربي. ونحن سعداء باختيار بلادنا لاحتضان المكتب الإقليمي لمبادرة الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية الجديدة التي رحبنا بها وأعلنا عن مشاركتنا في برامجها.
ولا شك ان تفعيل هذه المبادرة سيكون خير مساعد لدفع نسق التنمية في البلدان المغاربية بما يعزز الأمن والاستقرار في هذه المنطقة على أساس الترابط الوثيق بين السلم والأمن والاستقرار من ناحية والتنمية من ناحية أخرى وبما يجسم مبدأ الشراكة المتضامنة ويدعم جسور التعاون والتقارب بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول شمال إفريقيا في اطار سياسة متوازنة تأخذ في الاعتبار مصالح كل الأطراف. كيف تقيمون حصاد مسيرة التغيير في تونس وما هي أهم الإنجازات لديكم؟ لئن كنت من الذين يتركون للتاريخ مهمة التقييم والتأشير للحصاد إلا انه يمكنني التأكيد اليوم على أننا قطعنا مسافة كبيرة على درب التنمية المستديمة وحققنا العديد من المكاسب في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية كما شهدت بذلك مؤءسسات وهيئات دولية تعرف بحيادها ونزاهتها وغياب المجاملة عن تقاريرها.
لقد اكتسب اقتصادنا مزيدا من القوة والمناعة وقدرة أكبر على التفتح على محيطه العالمي وبلغت نسبة النمو ما يفوق 5 بالمائة سنويا على امتداد فترة طويلة.
وهذا يفسر قدرتنا على التصدير وخلق مواطن شغل حيث سجلت البطالة تراجعا وارتفع الدخل الفردي وتقلصت نسبة الفقر إلى 2ر4 بالمائة من مجموع السكان وتحولت تونس الى موقع استثماري يستقطب ما يقارب 2500 مؤسسة أجنبية ووجهة سياحية مفضلة يزورها اكثر من 5 ملايين سائح سنويا.
واحتلت بلادنا المرتبة الأولى فى إفريقيا في مجال القدرة التنافسية وأدرجت تونس في قائمة الثمانين بلدا الأكثر تقدما في العالم واتسعت قاعدة الطبقة الوسطى لتشمل اكثر من ثلثي المجتمع مع نسبة نمو ديموغرافي ب 1ر1 بالمائة وبلغ مؤمل الحياة عند الولادة 73 عاما سنة 2001 مقابل 67 عاما سنة 1987 وحققنا نسبة تمدرس فاقت 99 بالمائة بالنسبة للأطفال في سن السادسة إناثا و ذكورا علي حد سواء, هذه بعض المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل تونس تطمح بواقعية الى ان تلتحق بركب البلدان المتقدمة.
أما على المستوي السياسي فقد أعدنا الاعتبار لقيم الجمهورية ومبادئها ومؤسساتها وعملنا على إعلاء شأن القانون وإقامة العدل وفتحنا المجال أمام الحريات وضمنا حقوق الإنسان وانتقلنا بتونس الى مجتمع تعددي والى برلمان متعدد الألوان يتواجد فيه ممثلو ستة أحزاب سياسية وتحتل فيه المرأة نسبة 5ر11 بالمائة من النواب وتكرست الديمقراطية في المجالس البلدية بدخول المعارضة والمستقلين عديد الدوائر البلدية الى جانب حضور المرأة فيها بنسبة تفوق 20 بالمائة. كما ان النسيج الجمعياتي ومؤسسات المجتمع المدني قد تضاعف عددها وازدادت دائرة حضورها وإشعاعها وكفلنا حرية الصحافة والتعبير والحق في الاتصال. وقد تحقق كل هذا في مناخ اجتماعي سليم يحكمه الحوار والوفاق.
كما يجدر ان أشير الى الأهمية الكبرى التي أوليناها الى كل ما يسهم في غرس قيم التضامن والتآزر بين جميع فئات الشعب التونسي وفي مقدمة ما ساعدنا على تحقيق ذلك الصندوق الوطني للتضامن 26/26 الذي ساعد على إخراج أكثر من مليون تونسي من دائرة التهميش الاقتصادي والاجتماعي وتوفير أسباب العيش الكريم لهم ونحن مرتاحون لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة إنشاء صندوق عالمي للتضامن والقضاء على الفقر انطلاقا من نجاح التجربة التونسية في هذا المجال واعتبارا لان قيم التضامن والتكافل والتآزر هي عنوان استقرار الشعوب.
وفي الوقت الذي تراجع فيه عديد الدول سياساتها ومقاربتها يحق لبلادنا ان تفخر بسلامة اختياراتها التي تجعلها مؤهلة للنظر الى المستقبل بتفاؤل وطموح كبيرين. وما الذي تبقى للإنجاز سياسيا واقتصاديا في المرحلة القادمة؟ لقد شهدت بلادنا إصلاحا دستوريا لبناء ما أطلقنا عليه جمهورية الغد وقد نال الإصلاح مساندة الشعب في أول استفتاء عام في تاريخ بلادنا بهدف الارتقاء بنظامنا السياسي حتى يواكب واقع تونس الجديد ويستجيب لتطلعات أجيالنا المقبلة. وقد شرعنا في تطبيق ما جاء به الدستور في نصه الجديد حول دعم تعددية الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة ومشاركة مختلف الأطراف في ضوء الشفافية والمنافسة الديمقراطية كما نص الإصلاح على تعزيز الوظيفة التشريعية وتركيز مجلس المستشارين (غرفة ثانية الى جانب البرلمان) إضافة الى مزيد تثبيت حقوق الإنسان وتوسيع دائرة حمايتها.
وهذه الإنجازات هي لبنة جديدة في البناء الديمقراطي ودولة القانون. أما على المستوى الاقتصادي فقد حرصنا على ان لا تبقى تونس في معزل عن التحولات الاقتصادية التي يشهدها العالم ووضعنا برنامجا متكاملا شرعنا فيه منذ سنة 1995 لتمكين مؤسساتنا الاقتصادية من مستلزمات القدرة على المنافسة الدولية والاستجابة لشروطها الى جانب تأهيل الموارد البشرية وتحفيز المبادرة الفردية.
والنتائج التي حققناها حفزتنا لمواصلة العمل على بناء اقتصاد أكثر تنوعا وانفتاحا على العالم ومضاعفة صادراتنا وخلق محيط ملائم لاستقطاب الاستثمارات الخارجية وترسيخ آليات السوق وتقليص تدخل الدولة الى جانب تطوير البورصة والمعاملات المصرفية وتثبيت التخصيص وتوجنا كل هذا باعتماد برنامج شامل لتأهيل المؤسسات. وقد قطعنا شوطا كبيرا منه بالنسبة للمؤسسات الصناعية وشرعنا في تأهيل قطاعي الفلاحة والخدمات لمزيد إعداد اقتصادنا للمراحل القادمة من الانفتاح على السوق العالمية.
كما اتخذنا من الإجراءات ووفرنا من الحوافز ما يعزز ثقة المستثمرين في تونس وفي سياستها الاقتصادية.
ونحن ندرك ان الحفاظ على هذه المكاسب ومزيد الارتقاء بأداء اقتصادنا الوطني يقتضيان منا مزيد تأهيل المحيط الاقتصادي والاجتماعي بما يعزز عوامل الجدوى على كافة المستويات وهو ما سنواصل تجسيمه خلال السنوات القادمة بالرغم من الأوضاع الدولية الدقيقة وما يتسم به الاقتصاد العالمي من ركود.
ان المرحلة القادمة هي مرحلة الارتقاء بمقومات التنمية الشاملة ومكاسب شعبنا في مختلف المجالات ومواصلة تحسين ظروف العيش وكذلك مزيد النهوض بالتشغيل وتأهيل اقتصادنا ليكون اقتصاد الذكاء في مجتمع المعرفة الذي نعمل على ترسيخ دعائمه ونهيئ له الاستثمار في التعليم والتكنولوجيات الحديثة. هل انتم راضون عن أداء المعارضة القانونية ومساهمتها في تنمية البلاد وما هو دور الصحافة التونسية في ذات السياق؟ إن وجود الأحزاب السياسية يتنزل ضمن خيارنا بشأن الواقع التعددي الذي لا رجعة فيه والذي كرسناه من خلال الارتقاء به الى مرتبة القاعدة الدستورية.
فقد عملنا على تأكيد المكانة الدستورية للأحزاب وفتحنا آفاق العمل أمامها ووفرنا لها كل المستلزمات القانونية والمادية حتى تقوم بدورها في البناء الوطني.
وأتاحت الإصلاحات التي بادرنا بها حضور أحزاب المعارضة في البرلمان والمجالس البلدية ومشاركتها في مختلف الاستشارات الوطنية وعززنا مساهمتها في الحوار حول القضايا الكبرى للبلاد.
وبما أن الأرضية السياسية والقانونية القائمة في بلادنا اليوم تعتبر انسب اطار لتقوية حضور المعارضة وزيادة تأثيرها وتعزيز حضورها وتكثيف نشاطها بكامل الحرية فان ما ننتظره من هذه الأحزاب هو مواصلة دعم المسار التعددي وبلوغ مستوى اكبر من النجاعة والإشعاع ومواصلة المساهمة في تنمية الحياة السياسية والمشاركة في بلورة الخيارات الوطنية وكسب رهانات المرحلة التي تستدعي استنفار طاقات كل التونسيين.
ونحن مستمرون في دعم الأحزاب السياسية انطلاقا من قناعتنا بان المعارضة عنصر ذو وزن في منظومتنا الديمقراطية ويبقى على هذه الأحزاب ذاتها المثابرة ومزيد إحكام عملها السياسي حتى تؤكد حضورها بعدما وفرنا الظروف والعوامل الملائمة لتطورها.
فالقانون فتح لها آفاقا جديدة تيسر نشاطها الميداني للتعريف ببرامجها وآرائها والمجال مفتوح أمامها كي تعتمد الوسائل الشرعية لتعزيز حضورها إثراء للمشهد السياسي بالبلاد.
أما بخصوص دور الصحافة والإعلام عامة فان إيماننا بما للإعلام من دور في تكريس سياسة الإصلاح والتغيير جعلنا نحرص على ان نهيئ لهذا القطاع افضل الظروف والوسائل لينهض بدوره في اطار حرية التعبير والقبول بالرأي المخالف.
وقد عملنا من خلال تنقيح قانون الصحافة على ضمان أفضل الظروف كي يمارس الصحفي عمله كما يسرنا لصحافة أحزاب المعارضة ظروف الإسهام في إثراء المشهد الإعلامي من خلال منحة عمومية تكفل انتظام دورية صدورها وتمكنها من التعريف ببرامجها.
أننا قطعنا شوطا كبيرا في اتجاه إرساء تقاليد إعلامية جديدة قوامها النزاهة والجرأة في تناول المواضيع واستساغة النقد والرأي الآخر وجعلنا من تعددية المشهد الإعلامي في تونس واقعا قائما وملموسا تكفله القوانين الراعية لحرية الرأي والتعبير في بلادنا.
وفي سياق استمرارية الإصلاح والتطوير المستمرين لقطاع الإعلام فتح الفضاء السمعي والبصري للخواص حيث تم إثراء هذا الفضاء بإذاعة خاصة وقناة تلفزية خاصة.
وأملنا أن تساهم هذه الخطوة في ترسيخ المد الإعلامي الجديد حتى يواصل إعلامنا تطوير خطابه ومضامنيه.
إن ما وفرته الدولة من إمكانيات وظروف ملائمة لقطاع الإعلام قد ساعده على ان يقوم بدوره في مواكبة التحولات الوطنية والنهوض بالتبليغ والتوعية والحوار ونحن نسجل للصحافة التونسية شموليتها في التعبير عن تطلعات المواطنين بما يزيد قيم التعددية وحرية التعبير رسوخا في مجتمعنا ويمكن الإعلام من أداء دوره كاملا في خدمة قضايا الوطن. هل استطاعت تونس القضاء على خطر التطرف الأصولي أم أنها احتوته؟ الإرهاب والتطرف قوس طارئ أغلقته تونس بلا رجعة بحول الله منذ مطلع التسعينات ذلك ان المجموعات التي تمثله تتنافى كلية وطبيعة ديننا الحنيف وشيم الإنسان التونسي المعتدلة والمتسامحة والمتفتحة على مختلف الحضارات.
ولما كان التطرف الذي يتستر بالدين يتغذى من الفقر والحرمان والجهل فقد عملنا على مواجهة جذور التطرف اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا وتربويا وعلى التصدي للأسباب التي تؤدي لبروز الظاهرة وانتشارها واعتمدنا مسارا تنمويا شمل كل الجهات والشرائح وحرصنا على القضاء على جيوب الفقر وإدماج المناطق المحرومة في الدورة الاقتصادية والاجتماعية وعالجنا كل مظاهر الإقصاء والتهميش التي كانت حقلا يتغذى منه التطرف والعنف والارهاب. وبالتوازي مع كل هذا جذرنا قيم الديمقراطية والتعددية وسهرنا على نشر القيم المدنية النبيلة حفاظا على توازن المجتمع وضمانا لاستقراره وتضامنه وجعلنا من الوسطية منهجا في نحت مجتمعنا الحديث وتمكنا من بناء إنسان متجذر في أصالته ومتفتح على الغير فالإسلام الذي نؤمن به وندعو إليه هو إسلام الاجتهاد والتسامح إسلام الاعتدال والوسطية وهو الإسلام الذي يتمثل تطورات العصر ويسايره.
وكان إصلاح التعليم أحد وجوه الحل الذي اعتمدناه حيث أقدمنا منذ بداية التسعينات على مراجعة جذرية لبرامجنا التعلمية حتى ننحت أجيالا متشبعة بالحس المدني وبقيم الحداثة والتسامح وحقوق الإنسان الى جانب اعتزازها بهويتها واستيعابها للتعاليم الأصلية لديننا السمح.
كما كانت عملية النهوض بالمرأة والانتقال بها الى مرتبة المساواة والشراكة مع الرجل من العوامل الحاسمة في هزم ظاهرة التطرف والتعصب والإرهاب والكراهية.
وعندما اذكر لك ان قاعدة الطبقة الوسطى تزاداد اتساعا وان نسبة المساكن البدائية نزلت الى 9ر1 بالمائة وان 80 بالمائة من الأسر التونسية تملك مسكنها الخاص وان نسبة التنوير والتزويد بالماء الصالح للشراب في الوسط الريفي تشمل أربع اسر على خمس وان نسبة الفقر في تونس كما سبق ان ذكرنا قد تقلصت الى حدود 2ر4 بالمائة وان نسبة التمدرس تكاد تشمل كل الذين هم في سن الدراسة الى جانب مؤشرات التنمية والتنمية البشرية الأخرى التي أسلفنا الإشارة إليها ترى مدى ما تحقق في إقامة مجتمع متوازن متقدم تجذرت فيه قيم الحداثة والاعتدال كما ان العوامل التي تشجع على العدمية واليأس لم تعد موجودة في بلادنا.
يبقى فقط ان خطر التطرف والإرهاب يظل مثلما نبهنا إليه منذ سنوات عديدة خطرا يتجاوز الحدود ويستدعي جهدا دؤوبا ويقظة دائمة وتعاونا مستمرا بين كل الأطراف في المجموعة الدولية من اجل درء أخطار الممارسات الإجرامية التي تغذي الإرهاب إضافة الى محاولات استغلال الفضاء الاتصالي المعولم لبث ثقافة الحقد والكراهية بين الأمم والأديان. هل هناك صراع بين الإسلام والعالم الغربي؟ من الواضح ان مثل ذلك الصراع لا وجود له في الواقع وإننا على قناعة راسخة بأن الصراع الحقيقي الدائر في العالم هو صراع مصالح وليس صراع حضارات أو ديانات وإن التبسيط في التعاطي مع مثل هذه المقولات يشكل خطرا على قيم التسامح والحوار.
ونحن نِكد مجددا أن الإرهاب لا علاقة له بالدين ونحن لا نرى ما يدعم مقولة صراع الحضارات والأديان. فالإسلام ليس في صراع مع الغرب ولا مع الديانات السماوية الأخرى وليس فيه ما يدعو الى القتل وسفك الدماء بل هو دين تسامح لا إكراه فيه. دين يعتبر من قتل نفسا فكأنما قتل الناس جميعا وهذا يعني انه لا علاقة للحركات الإرهابية بالإسلام وأنه لا يجوز ان يتم الخلط في هذا الظرف الدقيق من التاريخ بين الإرهاب والتطرف من جهة والإسلام من جهة أخرى فالإسلام يدعو مثله مثل كافة الأديان السماوية الى التسامح والعدالة والحرية والمساواة واحترام الآخر ونبذ العنف والتطرف والإقصاء.
إن عالمنا في حاجة اليوم الى تبني مفهوم لحوار الحضارات لا استعلاء فيه حتى تتكرس واقعا وحدة الحضارة الإنسانية التي تقوم على ان ثراء العالم في تنوع أجناسه وحضاراته وعلى ان كونية القيم لا تلغي احترام مميزات المجتمعات المختلفة وخصوصيتها.
ان رفضنا لمقولة الصراع ينبع من حقيقتين : الاولي إيماننا بان العالم يحتاج الى تقارب وسلم ولا يحتاج الى كراهية وتصادم والثانية هي انتماءنا الى ارض عرفت بأنها مهد حضارات عريقة تعاقبت عليها وترسخت فيها عبر تاريخها قيم الحوار والتسامح والتقاء الحضارات والأعراق والديانات. فتونس ترفض حاضرا كما رفضت في الماضي كل طرح يختزل التاريخ الإنساني في بعض لحظاته المظلمة ويتعامى عن فترات النور والتعايش وما أكثرها فيه.
إن التجربة الإنسانية الطويلة تبين بوضوح أن الحضارة المعاصرة هي خلاصة حضارات متعددة تعاقبت عبر الأزمنة ونحن أحرص ما يكون على مواصلة العمل لترسيخ الحوار الثقافي والحضاري بين الشعوب وتعزيز قنواته بما يعكس ثراء الحضارات البشرية المختلفة وتوحدها في قيم التسامح والحوار والتضامن والتعاون وبما ينبذ التحجر والانغلاق ويفتح في مقابل ذلك امام الأديان كافة مجالات عمل واسعة يمكنها ان تلتقي فيها بما تسعى إليه لتحقيق سعادة الإنسان وبما يعزز في ما بينها وفي مجتمعاتها المتنوعة قيم الحرية والتسامح وحقوق الإنسان.
ان بناء جسور التواصل والتكامل بين الحضارات والثقافات والديانات هو الطريق الأقدر في نظرنا على درء مخاطر التطرف والإرهاب ولتتجاوز البشرية محنها وتتغلب على الاخلالات الحاصلة في علاقات بعضها ببعض وتتوفق الى بناء مستقبل افضل للجميع يسوده التعاون والتضامن في كنف الوئام والاستقرار. تحتضن بلادكم الجولة الثانية لقمة مجتمع المعلومات في نوفمبر 2005 ما هي المرتكزات التي تقوم عليها رؤيتكم لتقليص الفجوة القائمة في هذا المجال دوليا وتكريس مجتمع المعلومات وطنيا ؟ لقد كنا في مقدمة الداعين الى تفعيل التعاون الدولي والإقليمي من أجل تقليص التفاوت بين الدول والشعوب في امتلاك المعرفة والتحكم في التكنولوجيات الحديثة.
وانطلاقا من إدراكنا العميق بأن الهوة الرقمية التي تفصل بين البلدان هي هوة تنموية قبل أن تكون تكنولوجية بادرنا منذ سنة 1998 بالدعوة الى تنظيم قمة عالمية تحت رعاية الأمم المتحدة إيمانا منا بحيوية هذا المجال لتحقيق التنمية البشرية المتوازنة والعادلة وما تطمح إليه الإنسانية من حرية وعدالة وكرامة. وقد أتاحت لنا المرحلة الأولى من قمة المعلومات التي احتضنتها مدينة جنيف فرصة التأكيد مجددا على أن حداثة الموضوع وسرعة التحولات التكنولوجية والتطور المذهل لتطبيقاتها في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية والبيئية وغيرها إذ تبرز جميعها صعوبة تحقيق الوفاق حول المبادئ وسبل العمل عليها فإنها تؤكد في نفس الوقت أن تعميق النظر وتكثيف البحث في ضوء القيم الكونية المشتركة ييسران بلوغ الوفاق المنشود.
ان مجتمع المعلومات الذي نطمح إليه هو مجتمع تتساوى فيه فرص الانتفاع بمزايا هذه التكنولوجيا مجتمع يتيح لكل الأشخاص والشعوب دون تمييز النفاذ الى مصادر المعرفة والمعلومات.
وستعمل تونس التي تعتز باستضافة المرحلة الثانية من القمة سنة 2005 على إنجاح المسار التحضيري لها وعقدها في أفضل الظروف حتى تكون في مستوى آمال الجميع وتفتح آفاق المشاركة لمكونات المجتمع المدني والمنظمات الدولية والقطاع الخاص إضافة للأطراف الحكومية آملين أن تضع المحطة التونسية الأرضية الصلبة التي تجعل من هذه التكنولوجيات أداة للارتقاء بأوضاع الدول الأقل نموا في اطار نظرة تضامنية فاعلة حتى تستطيع تلبية حاجياتها وتحقيق تطلعاتها.
تبقى الإشارة الى ان هذا الفعل التونسي على المستوى الخارجي والدولي في مجال تكريس مجتمع المعلومات يتوازى مع جهدنا الداخلي إذ ان بناء مجتمع المعلومات والاتصال يشكل بالنسبة لبلادنا خيارا جوهريا عملنا على تجسيمه في اطار مقاربة شاملة تجد عناوينها البارزة في الإصلاحات الهيكلية المتواصلة وفي دعم البنية الأساسية لتكنولوجيا الاتصال والمعلوماتية باعتبارها أهم ركائز اقتصاد المعرفة وعاملا أساسيا لدفع نسق النمو.
وفي هذا السياق عملنا على تنمية قدراتنا البشرية وعممنا تدريس الإعلامية في مختلف المستويات التعليمية وأحدثنا معاهد عليا للدراسات التكنولوجية وأقمنا أقطابا تكنولوجية وفضاءات للمشاريع المجددة في كل ولايات البلاد الى جانب تكوين المختصين في الاتصالات والمعلوماتية وتحفيزهم على تنمية قدراتهم واستيعاب ما يستجد من تكنولوجيات حديثة والسهر على توظيفها تحقيقا لأهداف التنمية.
كما حرصنا على نشر الثقافة الرقمية على أوسع نطاق من خلال وسائل الإعلام ومراكز الإعلامية الموجهة للأطفال وربط المؤسسات التربوية من المرحلة الابتدائية الى الجامعة بشبكة الانترنات فضلا عن تعميم نوادي الإعلامية والانترنت في الفضاءات الثقافية وبعث شبكة من مراكز الانترنات المفتوحة للعموم وكذلك تمكين الأسر التونسية متوسطة الدخل من تسهيلات وحوافز لاقتناء حواسيب عائلية على نطاق واسع بل وأحدثنا حافلات مجهزة بوسائل الانترنات تجوب المناطق الريفية النائية.
وقد تمكنا بفضل هذه الاستراتيجية من الترفيع في عدد المرتبطين بشبكات الاتصال. وفاقت الإنجازات في مجال نشر خدمات الاتصال وتعميمها بين صفوف التونسيين بمختلف شرائحهم منذ التحول 13 مرة ما تم إنجازه خلال قرن كامل. وتطور حجم الاستثمارات المخصصة للقطاع. وقد فتحنا للقطاع الخاص المجال ليعاضد مجهودات الدولة في هذا الميدان. كما دعمنا القطاعات الاقتصادية الجديدة مثل التجارة الالكترونية.
من جهة أخرى تطور عدد مستخدمي الانترنت في تونس الى ما يفوق 600 ألف مستعمل وسيرتفع هذا العدد بفضل عديد التشجيعات التي اعتمدناها. هذا الى جانب إرساء منظومة قانونية لها ما يكفي من المرونة والنجاعة لمواكبة التحولات التي يشهدها القطاع على المستويين الوطني والدولي.
كل هذا يؤكد ان سعينا الى تأمين مستقبل تونس يقوم أيضا على أساس الوعي والإدراك بأن مجتمع المعلومات والمعرفة هو مجتمع المستقبل وللجميع الحق في الانتفاع بمزاياه.